من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر أبوابه ومشوره وترتيب ذلك
ودار السلطان بدهلي تسمى دار سرى (بفتح السين المهمل والراء)، ولها أبواب كثيرة، فأمَّا الباب الأول فعليه جملة من الرجال موكلون به، ويقعد به أهل الأنفار والأبواق والصرنايات، فإذا جاء أمير أو كبير ضربوها ويقولون في ضَرْبِهم جاء فلان جاء فلان، وكذلك أيضًا في البابين الثاني والثالث، وبخارج الباب الأول دكاكين يقعد عليها الجلادون — وهم الذين يقتلون الناس — فإن العادة عندهم أنه متى أَمَرَ السلطان بقتل أَحَدٍ قُتِلَ على باب المشور ويبقى هنالك ثلاثًا، وبين البابين الأول والثاني دهليز كبير فيه دكاكين مبنيَّة من جهتيه، يَقْعُد عليها أهل النوبة من حفاظ الأبواب، وأمَّا الباب الثاني فيقعد عليه البوابون الموكلون به، وبينه وبين الباب الثالث دكانة كبيرة يقعد عليها نقيب النقباء وبين يديه عمود ذهب يمسكه بيده، وعلى رأسه كلأة من الذهب مجوهرة في أعلاها ريش الطواويس، والنقباء بين يديه على رأس كل واحد منهم شاشية مُذَهَّبة، وفي وسطه منطقة، وبيده سوط نصابه من ذهب أو فضة، ويفضي هذا الباب الثاني إلى مشور كبير مُتَّسِع يقعد به الناس، وأمَّا الباب الثالث فعليه دكاكين يقعد فيها كتاب الباب.
ومن عوائدهم ألَّا يدخل على هذا الباب أحد إلَّا مَنْ عَيَّنَهُ السلطان لذلك، ويُعَيِّن لكل إنسان عددًا من أصحابه وناسه يدخلون معه، وكل من يأتي إلى هذا الباب يكتب الكتاب، أن فلانًا جاء في الساعة الأولى أو الثانية، أو ما بعدهما من الساعات إلى آخر النهار، ويطالع السلطان بذلك بعد العشاء الآخرة، ويكتبون أيضًا بكل ما يحدث بالباب من الأمور، وقد عين من أبناء الملوك من يوصل كل ما يكتبونه إلى السلطان، ومن عوائدهم أيضًا أنه من غاب عن دار السلطان ثلاثة أيام فصاعدًا لعذر أو لغير عذر، فلا يدخل هذا الباب بعدها إلَّا بإذن من السلطان، فإن كان له عذر من مرض أو غيره، قدم بين يديه هدية مما يناسب إهداءها إلى السلطان، وكذلك أيضًا القادمون من الأسفار فالفقيه يهدي المصحف والكتاب، وشبه الفقير يهدي المصلى والسبحة والمسواك ونحوها، والأمراء ومن أشبههم يهدون الخيل والجمال والسلاح، وهذا الباب الثالث يفضي إلى المشور الهائل الفسيح الساحة، المسمى هزار أسطون (بفتح الهاء والزاي وألف وراء)، ومعنى ذلك ألف سارية وهو سواري من خشب، مدهونة عليها سقف خشب، منقوشة أبدع نقش يجلس الناس تحتها، وبهذا المشور يجلس السلطان الجلوس العام.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع