من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر ترتيب الطعام العام
وأمَّا الطعام العام فيؤتى به من المطبخ وأمامه النقباء يصيحون بسم الله، ونقيب النقباء أمامهم بيده عمود ذهب، ونائبه معه بيده عمود فضة، فإذا دخلوا من الباب الرابع وسمع من بالمشور أصواتهم، قاموا قيامًا أجمعين ولا يبقى أحد قاعدًا إلَّا السلطان وحده، فإذا وضع الطعام بالأرض اصطفت النقباء صفًّا، ووقف أميرهم أمامهم وتكلم بكلام يمدح فيه السلطان ويثني عليه، ثمَّ يخدم ويخدم النقباء لخدمته ويخدم جميع من بالمشور من كبير وصغير، وعادتهم أنه من سمع كلام نقيب النقباء حين ذلك، وقف إن كان ماشيًا ولزم موقفه إن كان واقفًا، ولا يتحرك أحد ولا يتزحزح عن مقامه حتى يفرغ ذلك الكلام، ثمَّ يتكلم أيضًا نائبه كلامًا نحو ذلك، ويخدم ويخدم النقباء وجميع الناس مرة ثانية، وحينئذٍ يجلسون ويكتب كتاب الباب معرفين بحضور الطعام وإن كان السلطان قد علم بحضوره، ويعطى المكتوب لصبي من أبناء الملوك موكل بذلك، فيأتي به إلى السلطان فإذا قرأه عين من شاء من كبار الأمراء؛ لترتيب الناس وإطعامهم، وطعامهم الرقاق والشواء والأقراص ذات الجوانب المملوءة بالحلواء والأرز والدجاج والسمك، وقد ذكرنا ذلك وفسرنا ترتيبهم.
وعادتهم أن يكون في صدر سماط الطعام القضاة والخطباء والفقهاء والشرفاء والمشايخ، ثمَّ أقارب السلطان، ثمَّ الأمراء الكبار، ثمَّ سائر الناس، ولا يقعد أحد إلَّا في موضع معين له، فلا يكون بينهم تزاحم البتة فإذا جلسوا أتى الشريدارية، وهم السقاة بأيديهم أواني الذهب والفضة والنحاس والزجاج مملوءة بالنبات المحلول بالماء، فيشربون ذلك قبل الطعام فإذا شربوا قال الحجاب بسم الله ثمَّ يشرعون في الأكل، ويجعل أمام كل إنسان من جميع ما يحتوي عليه السماط يأكل منه وحده، ولا يأكل أحد مع أحد في صحفة واحدة، فإذا فرغوا من الأكل أتوا بالفقاع في أكواز القصدير، فإذا أخذوه قال الحجاب بسم الله، ثمَّ يؤتى بأطباق التنبول والفوفل فيعطى كل إنسان غرفة من الفوفل المهشوم، وخمس عشرة ورقة من التنبول مجموعة مربوطة بخيط حرير أحمر، فإذا أخذ الناس التنبول قال الحجاب بسم الله، فيقومون جميعًا ويخدم الأمير المعين للإطعام ويخدمون لخدمته، ثمَّ ينصرفون وطعامهم مرتان في اليوم: إحداهما قبل الظهر، والأخرى بعد العصر.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع