من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
حكاية نحوها
وَفَدَ على السلطان ملك غزنة المسمى ببهرام، وكان بينه وبين ابن الخليفة عداوة قديمة، فأمر السلطان بإنزاله ببعض دور مدينة سيري التي لابن الخليفة، وأمر أن يبنى له بها دار، فبلغ ذلك ابن الخليفة فغضب منه ومضى إلى دار السلطان فجلس على البساط الذي عادَتُه الجلوس عليه، وبعث إلى الوزير فقال له: سَلِّم على خوند عالم، وقل له: إنَّ جميع ما أعطانيه هو بمنزلي لم أتصرف في شيء منه، بل زاد عندي ونما، وأنا لا أقيم معكم وقام وانصرف، فسأل الوزيرُ بَعْضَ أصحابه عن سبب هذا، فأَعْلَمَهُ أنَّ سببه أَمْر السلطان ببناء الدار لملك غزنة في مدينة سيري، فدخل الوزير على السلطان فأَعْلَمَهُ بذلك، فرَكِبَ من حينه في عشرة من ناسه، وأتى منزل ابن الخليفة فاستأذن له ونزل عن فرسه خارج القصر حيث ينزل الناس، فتلقاه واعتذر له فقبل عُذْرَه، وقال له السلطان: واللهِ ما أَعْلَم أنك راضٍ عني حتى تَضَعَ قدمك على عنقي، فقال له: هذا ما لا أفعله ولو قُتِلْتُ، فقال له السلطان: وحَقِّ رأسي لا بُدَّ لك من ذلك، ثمَّ وَضَعَ رأسه في الأرض وأَخَذَ الملك الكبير قبولة رِجْل ابن الخليفة بيده فوضعها على عنق السلطان، ثم قام وقال: الآن علمت أنك راضٍ عليَّ وطاب قلبي، وهذه حكاية غريبة لم يُسْمَع بمثلها عن مَلِكٍ، ولقد حَضَرْتُه يوم عيدٍ وقد جاءه الملك الكبير بثلاث خلع من عند السلطان مفرجة، قد جَعَلَ مكان عقد الحرير التي تُعَلَّق بها حباتِ جوهر قَدْر البندق الكبير، وقام الملك الكبير ببابه حتى نزل من قصره فكساه إياها، والذي أعطاه هو ما لا يحصره العد ولا يحيط به الحد، وابن الخليفة مع ذلك كله أبخل خلق الله تعالى، وله في البخل أخبار عجيبة يعجب منها سامعها وكأنه كان من البخل بمنزلة السلطان من الكرم، ولنذكر بعض أخباره في ذلك.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع