تجاوز إلى المحتوى

من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)

أبو نواس يعشق جارية

قال سليمان بن أبي سهل بن نوبخت: سألت أبا نواس أن يشرب عندي يوما ففعل، فلما أخذ في الشرب، جعل يشكو وجده بجارية قد قتله حبّها، فقلت: سمّها لي، وعرّفني من هي لأعاونك عليها، وأعمل لك في أمرها، فاستحيا مني، وجعل يقول: لست تعرفها، ولا أعرف أيضا اسمها، فقلت له: صف لي خلقها، فلعلّي أقع عليها، فقال:

أكثر ما أبلغ من وصفهاتحدّثي عن قلبها القاسي
أغار أن أنعت منها الذييذكره الناس من الناس
ولم أر العشّاق قبلي رأوابوصف من يهوون من باس
كلّ أحاديثي سوى حبّهامنكشف منّي لجلّاسي
لا حبّذا الشركة في حبّهاوحبّذا الشّركة في الكاسي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «كفاك ما مر على راسي»

فلما رأيته لا يحبّ أن يعلمني من هي، أمسكت، فلما كان في الليل سكرنا، ونام من كان معي، وأغفيت إغفاءة، وانتبهت فإذا هو قاعد وحده، فقلت: أبا علي ما لي أراك ساهرا؟ لعلّه فكرة في ذلك الرجل؟ قال:

إي والله، ثم أنشدني:

رسم الكرى بين الجفون محيلعفّى عليه بكا عليه طويل
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «رسم الكرى بين الجفون محيل»
يا ناظرا ما أقلعت لحظاتهحتى تشحّط بينهنّ قتيل
فوق القصيرة والطويلة فوقهادون السمين ودونها المهزول
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «رسم الكرى بين الجفون محيل»

فقلت: قد ذكرت قدّها، وأحسبني قد عرفتها، فقال: هيهات، يوئسني من أن أعرفها، وقد كنت أراه يحدّ النظر إلى جارية لبعض أهلنا يقال لها نرجس، تجيئنا بالطّرفة بعد الطّرفة من عند مولاتها، فقلت في نفسي: أراد غيرها، ثم أمسكت عنه، فلما كان من الغد، قعدنا على شرابنا، فقلت للساقي: مل على أبي نواس بالنبيذ، ففعل، فسكر سكرا عظيما، ثم أنشأ يقول:

أحرف أربع سبين فؤاديلم أذق بعدهنّ طعم الرّقاد
خفت إظهارهنّ خشية واشواتّقاء العداة والحسّاد
غير أنّي أحتال فيهنّ معنىوأحاجي به جميع العباد
اشتهي النون من نوار وأهوىمن سواها باقي حروف مراد
وجنان قد شفّني مبتداهاوسعاد فديت مبدى سعاد
لا تراني أحبّ خلقا سواهاأبدا ما حييت حتى التنادي

قال: فتيقنت عند ذلك أنّ نرجسا صاحبته، فوجهت إلى مولاتها فاشتريتها منها بمئتي دينار، فلما أفاق أبو نواس، وأصبحنا، قلت له بعد أن شرب أرطالا: أتحبّ اليوم أن تشرب مع حبيبتك؟ فقال: خذ فيما يكون، فقلت: يا غلام، أحضر ذلك الغلام، فدخلت نرجس، فلما رآها بهت، فقلت له: لا تطوّل، هي لك، فضحك ثم قال: تملكها حتى تهبها؟ قلت: نعم اعلم أنّك قلت البارحة وأنت سكران: كذا وكذا، فتيقنت أنك إيّاها أردت، فاشتريتها من مولاتها وجعلتها خلعتي عليك في صبوحنا، فتلألأ وجهه سرورا، ووثب إليّ فقبّل رأسي، ثم أقعدها إلى جانبه، وجعل كلما شرب قبّلها، ثم قال:

ما لي في الناس كلّهم مثلمائي خمر ونقلي القبل
يومي حتى إذا العيون هدتوحان نومي فمفرشي كفل
يا أيها الناس اسمعوا عظتيفكلّ نفس وراءها أجل
فليحمد الله منكم رجلساعده في حبيبه الأمل

فلما أمسى قال: قد جدت بالظبي، فالتمام الآن في الانصراف، قلت: في حفظ الله.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الأول من المجموع اللفيف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.