تجاوز إلى المحتوى

من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)

مبارة لغوية متخيّلة

روى أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الرفاعي، عن أبي الطيّب،

عن العفّار بن عبد الله السري الحصيني، عن أبي بكر محمد بن الحسن ابن زيد الأزدي، قال: أخبرني عمّي الحسين بن دريد قال: أخبرنا رجل من رحبة وهم بطن من حمير، قال: بينا أنا أسير في بعض مفاوز اليمن، وقد سرت ثلاثا، وقد ظمئت وأكللت، إذ هبطت إلى واد ذي شجر، وظلّ وماء معين، وإذا أنا بشيخ يصلي بقراب ما يتغلغل بين شجرات عمّ، وعليه حلّة كأنّها فارقت في يومها الصّيان، وبين يديه نعلان حضر؟؟ ميان، كأن لم ينالا بوطء، فدنوت منه فسلمت عليه، وجلست، فلما أحسّ بجلوسي، ركع وسجد وسلّم، والتفت إليّ، وأقبل عليّ وقال: من أي أوضح الراكب؟ فقلت: من رمع، فقال: ما بالك على غير سمت؟ قلت: ما زلت على لقم لهجم، أأمّ قوادم الفجر الأشمل، ومنكب الأريب الأيمن، حتى هبطت بالأمس غوطا ملطاطا، حين طفل الأصيل، فبتّ حين طخطخ الليل بصري، فلما تهوّر الليل ............... ............... ............... .....

شبّه لي تائية رعاء، واختلاط رغاء، ففثأ ذلك بعض ما كان يشئزني، فقمت فغيّرت على بعيري، وتنكّبت الطريق فركبته أأمّ الأصوات، وكأنّني في أكساء أهلها، وما تزداد مني إلا بعدا، بين بعاف متواصية، وغيطان متواصلة، فما زلت أجزعها سواد ليلي، وسحابة يومي متوسما تارة، ومتعسّفا أخرى، حتى تجهت إليك من نقب ذلك القفّ، فأضافني إليك هذا الضوج، فقال: حسبك بواقية الموقى جنّة، ولو كنت ذا معرفة بكنه خطر ما هجمت عليه، ما بتّ للنوم سميرا، فقابل النعمة في السلامة بشكرها، فقلت: إني أراك في هذه إليهماء المتقاذفة الأرجاء، كأنك برزت من سجوف خدر، أو قرام ستر. فقال: يا ابن أخي، السماء غطاء، والأرض و؟؟ طاء، وأنا موطن وراء هذا الضراء، فتداخلني منه و؟؟ حشة، فقلت: يا عمّ، هل أنت مخبري بما رأيته في مدّة أيامك، وسالف

أعوامك، وما مضى من عصرك، وما انقرض من دهرك؟ فقال: نعم، يا ابن أخي، أرأيت البيضة الفيحاء التي جزعتها سائر يومك؟ فقلت: نعم، فقال: عهدي بها مجادل كالشناخيب، مشرفات المحاريب، يرى الراكب شعافها من مسيرة ثلاثة أيام، محفوفة بالجحافل الململمة، والكتائب المسومة، على أبوابها الأحبوش، تهزّ الإلال، تخوض إليها الآمال للأموال، بقناء ذي وثاب، وما ذو وثاب، الأسد الضرغام الأبلج القمقام، تخضع لهيبته الأذقان، وتذعر لصولته الجنّان، عطاؤه إنعام، وأخذه اصطلام، فعبر بذلك سبعين خريفا وأربعا، ثم شصا له يوم من الدهر فبدّد شمل الرياش، وكدّر صفو المعاش، ثم اقتعد مطية تلك النعمة ذو هلاهلة، فقمع الأضداد، وغمز الأنداد، وأنشأ المصانع، وبثّ الصنائع، عطاؤه غمر، وأخذه قهر، فعمّر بذلك أربعين عاما وأربعة من العدد، لا تروعه حادثة، ولا تعارضه هايثة، ولا تعيّن له عايثة، ثم كشّرت له عن أنيابها

أم اللهيم، فرمته بأقصد سهامها، ورهقته بأقطع أيامها، وغافصت غرّته فحطته عن وثابه دون حجّابه، لم يمنعه العزّ الصّتم، ولا العديد الدّهم، ثم سحب والله الزمان على آثارهم ذيول البلاء، و؟؟ طخهم بكلاكل الفناء، فأصبحت الآثار هامدة، والعزّة بائدة، وفي ذلك يقول شاعر من غابرهم، شعر:

اسأل الريح إن أحارت جواباواسألن إن أجاب عنا السحابا
هل جرى ذيل تلك أو جاد هذالأناس أعزّ منّا جنابا
خلق الناس سوقة وعبيداوخلقنا الملوك والأربابا
كان ذو ثاب الهمام ربيعايحسب الناس سيبه إحسابا
يمطر البؤس والنعيم وتندىراحتاه مثوية وعقابا
وطئ الأرض بالجنود اقتداراواقتسارا حتى أذلّ الصّعابا
حلّ صرواح فابتنى في ذراهحيث أعلى شعافه محرابا
حوله الصّهب والجعاد يخالون لدى بابه الليوث الغضابا
فرقة تمغط القسيّ وأخرىبين أيديهم تهزّ الحرابا
وتغضّ العيون من دونه الأملاكإمّا بدا وتحنو الرقابا
فرماه الزمان منه بيومغادر المعمر الخصيب يبابا

قال: ثم التفتّ عن يميني وشمالي فلم أر أحدا.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الأول من المجموع اللفيف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.