من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)
كسرى وسيف بن ذي يزن
قال: لما وفد سيف بن ذي يزن على كسرى وهو في القصر الأبيض
بالمدائن، فأذن له فدخل منكّس الرأس من باب الإيوان، وهو رجل حيدر أي قصير، فقام خطيبا، فبينا هو في كلامه إذ سقطت مخصرته من يده، قال: فقطع الكلام حتى ردّت عليه، ثم مضى في كلامه، فلما صار إلى حاجته قال: استنصرك بالقرابة، فأقعده إلى جانبه، ثم قال: إني قد أنكرت عليك مذ رأيتك ثلاثا، قال: يسألني الملك عنهنّ أطلعه ثباتا هنّ، قال: رأيتك حين دخلت نكست رأسك من إيواني، وأنت ما رأيت قطّ أطول منه، ولم آر قطّ أقصر منك، قال: هذه واحدة، قال: والثانية أنك تكلمت بأحسن كلام وأبلغه، فوقعت المخصرة من يدك فقطعت كلامك حتى ردّت عليك، قال:
والثالثة قولك: واستنصرك بالقرابة، وأنت رجل من العرب، وأنا رجل من الفرس، قال: صدقت، أما مطأطأتي رأسي عن إيوانك على ما ترى من قصري، فانما طأطأته بهمّتي لا ببدني، قال: زه، وكان إذا قال للرجل زه أعطي أربعة ألف واف، فأخذها، قال: وأما قطعي الكلام عند سقوط المخصرة، فاني ابتدأت كلامي على أمر فكرهت أن ينقطع إلا عليه، فأعاد
عليه زه، فأعيدت عليه الدراهم أربعة آلاف واف، فأخذها، قال: وأما استنصاري إياك بالقرابة وأنا رجل من العرب وأنت رجل من فارس، فاني أبيض الجلدة وأنت أبيض الجلدة، وأستنصرك على قوم سود الجلود، قال:
زه، فأعطي أربعة آلاف واف. قال: ثم حضر غداؤه، فأمر كسرى فوضعت بين يدي كل رجل ممن معه دجاجة، مع ما يختلف به عليهم من الطعام، فغمز كسرى أصحابه ليتحرّشوا به، فتناول رجل منهم الدجاجة التي بين يدي سيف، فرفع سيف مخصرته فقنّع بها كفه، فقال كسرى: هذه التي لا تخرج منها، قال: هذه التي أخرج منها، لو أقررت عليّ الضّيم في بلادي لم آتك في بلادك استنصرك فيها، قال: زه، فأخذ آربعة ألف واف، وخرج بالمال معه، فلما صار بالباب أنهبه، فأتي كسرى فأعلم بذلك، فقال: هذه التي لا تخرج منها، قال: هذه التي أخرج منها، ما أرجو أنا بالمال، وإنما أنا طالب ثار، وأنا أدعوك إلى أرض ترابها المال. قال: فما استماله بشيء ولا استعطفه بأمر مثل هذه الكلمة، فوجّه معه ست مئة كانوا عنده في الحبوس، فحملهم في البحر، وقيل له: أنت تريد قتلهم، فان غرقوا فهو الذي أردت، وإن سلموا فقتلوا فهو ما أردت، وإن ينجوا وظفروا فهو ما أردت، وسلموا وفتحوا، وغلبوا على الحبشة، وقد كان كسرى تقدم إلى صاحبه: إذا فتحت فانظر، فان كان سيف له موضع شرف يصلح أن يولى مثله، فولّه، فولاه وكان من أمره وأمر الحبشة ما كان.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع