تجاوز إلى المحتوى

من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)

من أخبار النوكى والحمقى

قال أبو عبيدة: أرسل ابن لعجل بن لجيم فرسا في حلبة، فجاء سابقا، فقال لأبيه: يا أبه، بأي شىء أسميه؟ قال: افقأ إحدى عينيه وسمّه الأعور.

قالوا: ومن النّوكى مالك بن زيد مناة بن تميم، الذي لما دخل على امرأته ورأت به ما رأت من الجهل والجفاء، وجلس في ناحية منقبضا مشتملا، قالت: ضع علبتك، قال: يدي أحفظ لها، قالت: فاخلع نعليك، قال: رجلاي أحفظ لهما، قالت: فضع شملتك، قال: ظهري أولى بها، فلما رأت ذلك قامت فجلست إلى جنبه، فلما شمّ ريح الطّيب، قام فوثب عليها.

قال الجاحظ في البيان والتبيين: ومن المجانين والموسوسين والنوكى: ابن قنان، وصباح الموسوس، وديسيموس اليوناني، وأبو حية النميري، وأبو ياسين الحاسب، وجعيفران الشاعر، وجرنبش، ومنهم سارية الليل، ومنهم أم ريطة بنت كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وهي التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، فضرب الله بها المثل، وهي التي قيل لها:

«خرقاء وجدت صوفا»، ومنهم دغة، وجهيزة، وشولة، ودرّاعة القديد، قال: ولكل واحد من هؤلاء قصة سنذكرها في مواضعها، وذكر بعضهم، ولم يذكر باقيهم، فممن ذكره ديسيموس، قال: وأما ديسيموس فكان من موسوسي اليونانيين، قال له قائل: ما بال ديسيموس يعلّم الناس الشعر ولا يستطيع قوله؟ قال: مثله مثل المسنّ يشحذ ولا يقطع.

وأما جعيفران الموسوس الشاعر، فكان يتشيع، فقال له قائل: تشتم فاطمة وتأخذ درهما؟ قال: لا، بل أشتم عائشة وآخذ نصف درهم، وهو الذي يقول:

ما جعفر لأبيهولا له بشبيه
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
أضحى لقوم كثيرفكلّهم يدّعيه
للشاعر جُعَيفُران المُوسوَس، اقرأ القصيدة
هذا يقول بنييوذا يخاصم فيه
والأمّ تضحك منهلعلمها بأبيه
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ما عاصم لأبيه»

وأما أبو ياسين الحاسب، فانه ذهب عقله بسبب تفكيره في مسألة، فلما جنّ كان يهذي بأنه سيصير ملكا، وقد ألهم ما يحدث في الدنيا من الملاحم، وكان أبو نواس والرقاشي يقولان على لسانه أشعارا على مذهب أشعار ابن أبي عقب الليثي ويرويانها أبا ياسين، فاذا حفظها لم يشك أنه الذي قالها.

وأما إبو حيّة النميري، فانّه كان أجنّ من جعيفران، وكان أشعر الناس، وهو الذي يقول:

ألا حيّ أطلال الرسوم البواليالبسن البلى ممّا لبسن اللياليا

وفي هذه القصيدة يقول:

إذا ما تقاضى المرء يوم وليلةتقاضاه شىء لا يملّ التقاضيا
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة

وهو الذي يقول:

فأرخت قناعا دونه الشمس واتّقتبأحسن موصولين كفّ ومعصم

وأما جرنفش، فانه لما خلع الفرزدق لجام بغلته، وأدنى رأسها من الماء، قال جرنفش: نحّ بغلتك حلق الله شأفتك، قال: ولم عافاك الله؟

قال: لأنك كذوب الحنجرة، زاني الكمرة.

ومن المجانين في الكوفة عنباوة، وطاق البصل، ومنهم بهلول، وكان يتشيع، وقال إسحاق بن الصبّاح: أكثر الله في الشيعة مثلك، قال:

بل أكثر الله في المرجئة مثلي، وأكثر في الشيعة مثلك، وكان جيد القفا،

فكان ربّما مرّ به من يحبّ العبث فيقفده، فحشا قفاه خراء، وجلس على قارعة الطريق، فكلما قفده إنسان، تركه حى يجوز ثم يصيح: يا فتى شمّ يدك، فلم يعد بعدها أحد يقفده، وكان يغنّي بقيراط، ويسكت بدانق.

قال حجر بن عبد الجبار: مرّ موسى بن أبي الروقاء، فناداه صباح الموسوس: يا ابن أبي الروقاء، أهزلت دينك وأسمنت براذينك، أما والله، إنّ أمامك عقبة لا يجوزها إلا المخفّ، فحبس موسى برذونه، فقيل له: هذا صباح الموسوس، فقال: ما هو بموسوس، [هذا نذير].

قال عمر بن عثمان: شيّعت عبد العزيز بن عبد المطلب المخزومي وهو قاضي مكة إلى منزله، وبباب المسجد مجنونة تصفق وتقول:

أرّق عيني ضراط القاضيهذا المقم ليس ذاك الماضي

فقال يا أبا حفص، أتراها تعني قاضي مكة؟

وقال مجنون البكرات: أنا أيضا ألثغ إذا أردت أن أقول شريط، قلت: رشيط.

وقال بعض الشعراء:

فتى زاده عزّ المهابة ذلّةوكلّ عزيز عنده متواضع

وقال:

قد ينفع الأدب الأحداث في مهلوليس ينفع بعد الكبرة الأدب
للشاعر سابق بن عبد الله البربري، اقرأ القصيدة
إنّ الغصون إذا قؤّمتها اعتدلتولا يلين إذا قوّمته الخشب
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

ومرّ ابن أبي علقمة فصاح بن الصبيان فهرب منهم، وتلقّى شيخا له ضفيرتان فقال: يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ

وأنشد المعيطي:

وأنزلني دار النّوى طول غربةإذا شئت لا قيت امرأ لا أشاكله
فحامقته حتى يقال سجيّةولو كان ذا عقل لكنت أعاقله

وقال أبو كعب: كنا عند عيّاش بن القاسم ومعنا سيفويه القاصّ، فأتينا بفالوذجة حارة، فابتلع سيفويه منها لقمة غشي عليه من شدّة حرّها، فلما أفاق قال: مات لي ثلاثة بنين، ما دخل جوفي من الحرقة ما دخل جوفي من حرقة هذه اللّقمة.

سعيد بن أبي مالك، قال: جالسني رجل ساعة، ثم قال لي: جلست قطّ على رأس تنّور فخريت فيه آمنا مطمئنا؟ قال: قلت: لا، قال: فانّك لم تعرف شيئا من النعيم قطّ.

قال: شرد بعير لهبنّقة القيسي - وبجنونه يضرب المثل- فقال: من جاء به فله بعيران، فقيل له: أتجعل في بعير بعيرين؟ قال: إنّكم لا تعرفون فرحة الوجدان، واسمه يزيد بن ثروان، وكنيته أبو رافع.

قال: وخطب عتّاب بن ورقاء فقال: هذا كما قال الله: إنما يتفاضل الناس بأعمالهم، وكل ما هو آت قريب. قالوا له: إن هذا ليس من كتاب الله، قال: ما ظننت إلا أنّه من كتاب الله.

قال: وخطب علي بن وثّاب فقال: أقول كما قال العبد الصالح: ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى

وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ

، قالوا: ليس هذا قول عبد صالح، وإنما هو قول الله، قال: من قاله فقد أحسن.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الثاني من المجموع اللفيف

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.