من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)
القول على الحبّ الجامع بالنوع للدر واللؤلو
إذا كان الدر كبار الحبّ، واللؤلؤ صغارا، وحيوانه من صفته أنه يعلو لحمه صدفتان ملتزقتان بجسمه، والذي يلي الصدفتين من لحمه أسود، ولحيوانه فم وأذنان، وشحم يلي الفم من داخل، إلى عامة الصدفتين إلى آخرها، رغوة وزبد وماء. وهذا الحيوان في بدء نشئه إلى أن يتم، وهو حينئذ رخص لم تجسّ أصدافه ولحمه، يسمى البلبل الرّطب، فاذا استحكم ولم يعتق، سمّي البلبل التام، وهو يسبح في الليل في قعر البحر، يدب كالجراد بعضه يلي بعضا، وبعضه فوق بعض، وأوقات الغوص، من أول نيسان إلى آخر أيلول، فأما من أول تشرين الأول إلى آخر آذار، فلا يزاول فيه الغوص، ولكن يلقط البلبل من الساحل، مما يقذف به البحر ميتا، والذي يصاب من هذا البلبل الميّت من الحبّ يكون مستحيل اللون، لما يصيبه وهو رطب من الشمس والرياح.
وإذا صار البلبل محارا، لم يسرح في قعر البحر كما يسرح البلبل، بل
يلزق بالحشر، إو يلزم موضعا لا يكاد يعدوه. فأما موضع الحب في الصدفة، بلبلا كانت أم محارا، ففي داخل الصدفة مع حرفي الصدفتين، ما أحاط بهما مما يلي اللحم الأسود، ومما يلي الشحمة والفم والأذن، فما كان من الح دون الحرف الأسود، فهو سليم صحيح، وما كان ملتزقا بالسواد، كان أسفله الذي يلي السواد سقيما متكسرا أو طينيا، وما كان منه يلي الفم كان سليما مدحرجا نقيا، وهذه التي تلي الفم هي الجيدة البالغة، ويكون أكثرها وزنا مثقالا وثلثا، وما كان منه يلي الفم ملتزقا بالصدف، فهو الذي يسمى الطّور، وهي شبيهة بالعظم، لها وجه حسن، ووجه شبيه بالحجر عظمي، ويكون وزنها ما بين دانق إلى خمسة مثاقيل، ويبلغ أكثرها ثمنا، ألف دينار، وليس لها في هذا الدهر كثير ثمن، وتسمى جبلية لأنها لا تنفق إلا عند أهل الجبال، ومن لا معرفة له بالحبّ.
وما يكون من الحبّ داخل الأذن، وقريبا منها، يكون عليه جلدة، فاذا قشّر الجلد عنه خرج لؤلؤا جيدا، قد يبلغ منه شيء ألف دينار، وإنما يكون في أذن واحدة، وليس هذا في كله، وأكثره يكون في البلبل.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع