من «التذكرة الفخرية» لبهاء الدين الإربلي (ت ٦٩٢هـ)
وما يتعلق به
قال أبو نواس:
لا أرحلُ الكاسَ إلاّ أن يكون لهاحادٍ بمنتحلِ الألحانِ غرِّيدُ
فاستنطقِ العودَ قد طال السكوتُ بهلا ينطقُ اللهو حتّى ينطقَ العودُ
يعجبني قول القائل:
وعود لهو فيه أثمار المنىقد طابَ جانيه وطابَ الغارسُ
غنّت عليه الورقُ وهو ناضرٌوالغانياتُ الغيدُ وهو يابسُ
أنشد ابن الخباز النحوي في مثل هذا المعنى:
وطنبورٍ رشيق القدّ يحكيبنغمته الفصيحةِ عندليبا
حكى لما انتهى نغماً فصيحاًرواها عن عنادله قضيبا
كذا من جالسَ العلماءَ طفلاًيكونُ إذا انتهى شيخاً أديبا
كشاجم:
ولما عبثنَ بعيدانهنّقبيل التبلُّج أيقظنني
أردنَ بذاكَ إصلاحهنَّفأصلحنهنَّ وأفسدنني
وقال بعض المحدثين:
أخٌ ما يزالُ الدهرُ يكسوك حلّةًمن البرّ لا تبلى على الطيّ والنشرِ
يشوقك أحياناً غناءً وتارةًحديثاً معانيه أدق من السحرِ
له نبرات تطرب الصمّ لو دعابها الوحش لانقادت من السهل والوعرِ
وقال آخر:
إذا ما فاتن غنّت بصوتٍترجّعه فويل للجيوبِ
غناء تجتني الأسماع منهثماراً تجتني ثمر القلوبِ
وأحسن من هذا جميعه قول القيسرانيّ في مغنٍّ وجماعة يرقصون:
والله لو أنصف الأقوام أنفسهمأعطوك ما ادخروا منها وما صانوا
ما أنت حين تغنّي في مجالسهمإلاّ نسيمُ صبا والقومُ أغصانُ
وقد ظرف القائل:
بيضاءُ يحضر طيب العيش ما حضرتوإن نأت غاب عنك اللهوُ والفرحُ
كلّ الثياب عليها معرضٌ حسنٌوكلما تتغنى فهو مقترحُ
المعرض: ثياب تجلى فيها الجواري.
وقال آخر:
لريّا غناءٌ إذا ما شدتْتميتُ قلوباً وتحيي قلوبا
تغنيكَ أوتارها قبلهافتتركُ ذا الشوق صبّاً طروبا
أرقُّ من الماءِ ماءِ الزلالِوأشهى من الراحِ حسناً وطيبا
وأنعمُ من لذَّةِ العاشقينإذا ما أطاعَ حبيبٌ حبيبا
وقال آخر:
عيداننا من خير ما تسمعيشفى بها ذو السقم الموجعُ
أوتارها تنطق حتّى ترىأجفان ذي الشوق لها تدمعُ
لقد تمنيتُ لها أنّ ليفي كل عضوٍ أذناً تسمعُ
الناجم:
ما تغنّت إلاّ تكشّفَ همٌّعن فؤادٍ وأقشعتْ أحزانُ
تفضل المسمعين طيباً وحذقاًمثل ما يفضل السماعَ العيانُ
وقال أيضاً:
لقد برعت عاتبٌ في الغناءوزادت وأربت على البارعِ
يسبّحُ سامعها معجباًفأصواتها سبحةُ السامعِ
وقال آخر:
إذا ما حنّ مزهرها إليهاوحنّت نحوه أذنَ الكرامُ
وأصغوا نحوها الآذان حتّىكأنهم وما ناموا نيامُ
وقال آخر يصف عوداً في حجر مغنية:
وكأنه في حجرها ولدٌ لهاضمّته بين ترائب وليانِ
أبداً تدغدغ بطنه فإذا هفاعركت له أذناً من الآذانِ
وقال ابن المعتز:
وندامايَ فتيةٌ وكهولٌأتلفت ما لهمْ نفوسٌ كرامُ
بينَ أقداحهم حديثٌ قصيرٌهو سحرٌ وما عداهُ كلامُ
وغناء يستعجلُ الراحَ بالراحِ كما ناحَ في الغصونِ الحمامُ
وكأنَّ السُّقاةَ بينَ الندامىألفاتٌ على سطورٍ قيامُ
وقال آخر:
شدوٌ ألذُّ من ابتداءِ العينِ في إغفائها
أحلى وأشهى من منىنفسي وصدقِ رجائها
وقال:
إذا احتضنت عودها عاتبٌوناغته أحسن أن يعربا
تدغدغ في مهل بطنهفيسمعنا ضحكاً معجبا
وقال:
إذا نوتِ الضرب قبل الغناءأنشدنا شعرها عودها
وقال كشاجم:
وترى لها عوداً تحرّكهُوكلامه وكلامها وفقا
لو لم تحرّكه أناملهاكانَ الهواءُ يفيدهُ نطقا
جسّته عالمةً بحالتهجسَّ الطبيبِ لمدنفٍ عرقا
فحسبتُ يمناها تحركهارعداً وخلتُ يسارها برقا
وقال:
أشتهي في الغناءِ بحةَ حلقٍناعم الصوتِ متعبٍ مكدودِ
كأنينِ المحبِّ أضعفهُ الشوقُ فضاهى به أنينَ العودِ
كهبوبِ الصبا توسّطَ حالاًبينَ حالينِ شدةٍ وركودِ
ابن الرومي:
تتغنّى كأنَّها لا تغنّيمن سكونِ الأوصالِ وهي تجيدُ
مدَّ في شأوِ صوتها نفسٌكافٍ كأنفاس عاشقيها مديدُ
قيل لرجل: أي المغنين أحذق؟ فقال: ابن سريح كأنه خلق من كل قلب، فهو يغني لكل إنسان ما يشتهيه، نظمه ابن الرومي فقال:
كأنه قالب لكلّ هوًىفكلّهُ والمنى على قدرِ
قال بعض الملوك لجليس له: صف لي هاتين المغنيتين، فقال: هما كالعينين أيهما فتحت أبصرت بها.
وقال بعض الحكماء: إذا وقع في يدك يوم السرور فلا تخله فإنك إذا وقعت في يوم الغم لم يخلك.
ومن النادر في هذا:
جاءت بوجهٍ كأنَّهُ قمرٌعلى قوام كأنهُ غصنُ
غنّتْ فلم تبقَ فيّ جارحةٌإلاّ تمنّتْ أنها أذنُ
وقال آخر:
ومطربٌ صوته وفوهُقد جمعا الطيباتِ طرّا
لو لم يكن صوتهُ بديعاًما ملأ الله فاه درّا
ومما قيل في الرقص:
إذا اختلسَ الخطا واهتزَّ ليناًرأيتَ لرقصهِ سحراً مبينا
يمس الأرضَ من قدميه وهنٌكرجعِ الطرفِ يخفى أن يبينا
ترى الحركاتِ منه بلا سكونٍفتحسبها لخفتها سكونا
رويَ أن أبا مليكة بينا يؤذن إذ سمع الأخضر الجدي يغني من دار العاص بن وائل:
تعلّقتُ ليلى وهي ذاتُ ذوائبولم يبدُ للأترابِ من ثديها حجمُ
صغيرينِ نرعى البهمَ يا ليتَ أنناإلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهمُ
فأراد أن يقول حيّ على الصلاة، فقال: حي على البهم حتّى سمعها أهل مكة فغدا معتذراً إليهم.
قال إبراهيم الموصلي: كان عندنا مغنّ يغني بنصف درهم ولا يسكت إلاّ بدرهم.
وقال رجل لآخر: غنني صوت كذا وبعده صوت كذا، فقال: أراك لا تقترح صوتاً إلاّ بوليّ عهد.
وقال الناجم:
تأتي أغاني عاتبٍأبداً بأفراح النفوس
تشدو فنرقص بالرؤوسلها ونزمر بالكؤوس
قال أبو عثمان الناجم: بحوحة الحلق الطيب تشبه مرض الأجفان الفاترة.
قال مالك بن أبي السمح: سألت ابن سريح عن قول الناس: فلان يصيب وفلان يخطئ وفلان يحسن وفلان يسيء، فقال: المصيب المحسن من المغنين هو الذي يشبع الألحان، ويملأ الأنفاس، ويعدّل الأوزان، ويفخّم الألفاظ، ويعرف الصواب، ويقيم الإعراب، ويستوفي النغم الطوال، ويحسن مقاطع النغم القصار، ويصيب أجناس الإيقاع، ويختلس مواضع النبرات، ويستوفي ما يشاكلها في الضرب من النقرات، فعرضت ما قال على معبدٍ، فقال: لو جاء في الغناء قرآن ما جاء إلاّ هكذا، وقال الناجم:
لها غناءٌ كالبرءِ في جسدٍأضناه طول السّقام والترحِ
يعبدها الراح كلما صدحتْإبريقها ساجد على القدحِ
حدّث أحمد بن يزيد عن أبيه، قال: كنا عند المنتصر بالله فغناه بنان:
يا ربّة المنزل بالفركوربّة السلطان والملكِ
تحرّجي بالله من قتلنالسنا من الديلم والتركِ
فضحكت، فقال: مم ضحكت، قلت تعجباً من شرف قائل هذا الشعر وشرف من لحنه وشرف مستمعه، الشعر للرشيد، والغناء لعليّة وأمير المؤمنين مستمعه، فأعجبه واستعاده.
وأنشدت في ذمّ مغنّ:
ومغنٍّ إذا تغنّى بلحنٍأورثَ السامعين داءً عضالا
سامنا خلعةً فقمنا إليهوخلعنا على قفاه النعالا
آخر:
ومسمعٍ قوله بالكرهِ مسموعمحجّبٌ عن بيوت الناس ممنوع
غنّى فبرّق عينيه وحرّك لحييه فقلت الفتى لا شك مصروعُ
وقطع الشعر حتّى ودّ أكثرناأن اللسان الذي في فيه مقطوعُ
لم يأتِ دعوة أقوام بأمرهمولا مضى قطّ إلاّ وهو مصفوعُ
وقال آخر:
كنتُ في مجلس فقال مغنيالقوم كم بيننا وبين الشتاءِ
فشربتُ البساط منّي إليهقلتُ هذا المقدارُ وقتَ الغناءِ
وقال آخر:
غنّتْ فلم تبقَ لنا جبّةٌدفيّةٌ إلاّ لبسناها
فلو ترانا لو نرى جمرةًمن شدّةِ البرد أكلناها
فقال بعض القوم كفّي فلمتقبل فقمنا وتركناها
آخر:
تغنّى فلان لنا ليلةًوكان إلينا بغيضاً مقيتا
وقال اقترح بعض ما تشتهيفقلتُ اقترحت عليك السكوتا
آخر:
خارج ليس يدخل الضربَ والضربُ له بالسيوف في الإيقاعِ
وقال آخر:
غناؤك والشتم عندي سواءُوصمتكَ من كلّ داءٍ دواءُ
فإن شئتَ غنّ فأنتَ السقامُوإن شئتَ فاسكتْ فأنتَ الشفاءُ
وقال الصنوبري يهجو زامرة سوداء:
وكأنّما المزمارُ في أشداقهاغرمولُ عيرٍ في حياءِ أتانِ
وترى أناملها على مزمارهاكخنافسٍ دبَّتْ على ثعبانِ
آخر:
شهدتُ أبا الفضل في مجلسٍوقد نبهونا لشرب الغلسْ
فغنّى غناءً له بارداًفأرعدَ بعضٌ وبعضٌ نعسْ
فقال انتخب واقترح ما تشاءفقلتُ اقترحتُ عليكَ الخرسْ
وقال آخر:
ومغنّ إن تغنّىأفسدَ الندمان غمّا
أحسن الندمان حالاًكلّ من كانَ أصمّا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع