من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)
إلى اكتساب فضيلتي الأدب والعلم
أما الأدب فقال بزرجمهر العقل يحتاج إلى مادة الأدب كما تحتاج الأبدان إلى قوتها من الأطعمة وقالوا عقل بلا أدب فقر وأدب بلا عقل حتف وقالوا عقل بلا أدب كشجاع بلا سلاح وقالوا لا عقل إلا بأدب ولا أدب إلا بعقل وقال أفلاطن عقل بلا أدب كالشجرة العاقر والعقل مع الأدب كالشجرة المثمرة وقال بزرجمهر الأدب صورة العقل فحسن صورة عقلك كيف شئت ابن المقفع كما أن الأدب لا يكمل إلا بالعقل فكذلك لا يكمل العقل إلا بالأدب وقالوا احرص أن لا يكون أدبك أغزر من عقلك فإن من زاد أدبه على عقله كان كالراعي الضعيف في الغنم الكثيرة ويقال أدبوا أولادكم صغاراً تقر أعينكم بهم كباراً شاعر
قد ينفع الأدب الأحداث في صغروليس ينفع بعد الكبرة الأدب
إنّ الغصون إذا قوّمتها اعتدلتولن تلين إذا قوّمتها الخشب
وقال عبد الملك بن مروان لاعب ولدك سبعاً وأدبه سبعاً واستصحبه سبعاً فإن أفلح
فألق حبله على غاربهولا عبرة بقول من قال
قولاً لمن ينصح ابناً لهيردّد القول لتهذيبه
ضيع الوقت بلا طائلفيكثر القول ويهزي به
له إلى الله وتدبيرهثم إلى الدهر وتجريبه
فإنما الأقدار لا بدّ أنتأتي بما خط وتجري به
فليس كما قال فإنما الهمل في الامهال ولا عذر له في الاهمال وعود الصبا أبداً آمناً إن يحتاج إلى الشفيف وطيش الشباب سريع الحراك فلا غناء له عن التوقيف ويحكى أن أبا الأسود الدؤلي كان له ولد فترك الصلاة يوماً ومضى يلعب بالكلاب مع الصبيان فكتب إلى مؤدبه رقعة وأرسلها معه مختومة يقول فيها
ترك الصلاة لا كلب يسعى بهانحو الفراش مع الغواة الأرجس
فليأتينك غادياً بصحيفةكتبت كمثل صحيفة المتلمس
فإذا أتاك معذراً بملامةفعظنه موعظة اللبيب الأكيس
وإذا هممت بضربه فبدرّةوإذا بلغت به ثلاثاً فاحبس
واعلم بأنك ما فعلت فنفسهمع ما تجرّعني أعز الأنفس
وأما العلم فقدره كبير وفضله كثير ويكفي في شرفه أن رسول الله ﷺ قال خير سليمان بين الملك والمال والعلم فاختار العلم فأعطى الملك والمال لاختياره العلم قال بعض الحكماء إذا اجتمع العقل والعلم في رجل فقد استطاب المحيا وسما إلى الدرجة العليا وجمع الآخرة والدنيا وقالوا العلم أفضل مكتسب وأكرم منتسب وأشرف ذخيرة تقتنى وأطيب ثمرة تجتنى وبه يتوصل إلى معرفة الحقائق ويتوصل إلى رضا الخالق وهو أفضل نتائج العقل وأعلاها وأكرم فروعه وأزكاها لا يضيع أبداً صاحبه ولا فتقر كاسبه ولا يخيب طالبه ولا تنحط مراتبه وقال معاذ بن جبل تعلموا العلم فإن تعليمه لله خشية وطلبه عبادة ومدارسته تسبيح والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة وهو النيس في الوحشة والصاحب في الغربة والوزير عند الخلاء
والقريب بين الغرباء شاعر
أجل ما يبتغي يوماً ويكتسبويجتنى من حلا الدنيا وينتخب
علم شريف عميم النفع قد رفعتلحامليه بآفاق العلا رتب
إن عاش عاش جميلاً سامياً أبداًلا يستضام ولا ينسى فيجتنب
وإن تمت فثناء شائع حسنوبعده رحمة ترجى وترتقب
آخر
العلم أعلى من الأموال منزلةلأنه حافظ والمال محفوظ
وقالوا العلم عز لا يبلى جديده وكنز لا يفنى مزيده وقال ابن المقفع تعلموا العلم فإن كنتم ملوكاً فقتم وإن كنتم أوساطاً سدتم وإن كنتم سوقة عشتم وقالوا لو لم يكن من شرف العلم إلا أن الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك لكفى بذلك شرفاً وقال بعضهم
العلم فيه جلالة ومهابةوالعلم أنفع من كنوز الجوهر
تفنى الكنوز على الزمان وصرفهوالعلم يبقى باقيات الأعصر
ويحتاج طالب العلم إلى ستة أشياء فراغ وجده وجد واستاذ وطول عمر ومعونة من الله تعالى وهذا ملاكها الذي لا بد منه ولا غناء لأحد عنه نظم ذلك الشاعر فقال
أصخ لي فليس العلم إلا بستةسأنبيك عن مجموعها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغةوارشاد استاذ وطول زمان
وقالوا العلم ميت يحييه الطلب فإذا حيى فهو ضعيف يقويه الدرس فإذا قوي بالدرس فهو محتجب تظهره المناظرة فإذا ظهر فهو عقيم نتاجه العمل
شاعر
العلم من شرطه لمن خدمهأن يجعل الناس كلهم خدمه
وواجب حفظه عليه كمايحفظ ما عاش ماله ودمه
ومن حوى العلم ثم أودعهغير محب له فقد ظلمه
وكان كالمبتنى البناء إذاتمّ له ما أراده هدمه
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع