تجاوز إلى المحتوى

من «غرر الخصائص الواضحة» للوطواط (ت ٧١٨هـ)

ولم يطع في جواب السفيه أمير هواه

قال رسول الله ﷺ طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق الفضل من ماله ورحم أهل الذلة والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة وقال عليه

الصلاة والسلام لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يوشك أن يفضحه ولو في رحله وقال أكثم بن صيفي استر عيب أخيك لما تعلم من نفسك وقالوا أحمق الناس من أنكر من غيره ما هو مقيم عليه قيل للربيع بن خيثم مالك لا تعيب أحداً قال لست عن نفسي راضياً فاتفرغ لعيوب الناس ومذامهم وقالوا من أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون ومن تتبع مساوئ العباد فقد نحلهم عرضه قال الشاعر

لا تكشفن من مساوئ الناس ما ستروافيكشف الله ستراً من مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكرواولا تعب أحداً منهم بما فيكا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا»

وما أحسن قول القائل

إذا شئت أن تحيا سليماً من الأذىودينك موفور وعرضك صين
فلا ينتطق منك اللسان بسوأةفللناس سوآت وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك مساوياًلقوم فقل يا عين للناس أعين
فعاشر بانصاف وكن متودّداًولا تلق إلا بالتي هي أحسن

وقالوا فلان يصم أذنه عن الفحشاء ويخرس لسانه عن التكلم بها وقال الشاعر يمدح

غنيّ عن الفحشاء أمّا لسانهفعف وأمّا طرفه فكليل

آخر

كريم له عينان عين عن الخناتنام وأخرى في المكارم تسهر

آخر

وإذا تواخاك امرؤ بقبيحهفأجبه بالاحسان والاجمال

حكى أن رجلاً عاب رجلاً عند المأمون فقال له المأمون قد استدللنا على كثرة عيوبك بما تذكر من عيوب الناس لأن طالب العيوب إنما يطلبها بقدر ما هي فيه لا بقدر ما فيه منها وقال الشاعر

أرى كل إنسان يرى عيب غيرهويعمى عن العيب الذي هو فيه
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
وما خير من تخفى عليه عيوبهويبدله بالعيب عيب أخيه

وقالت رابعة العدوية الانسان إذا نصح لله في نفسه أطلعه الجبار على مساوئ عمله فيتشاغل بها عن خلقه

والعاقل من جعل اغضاءه عن المساوئحصناً إليه من ذم اللئام يأوي

يقال ربما سخط العاقل فيبدي الرضا ويغضي مثل جمر الغضا وقيل لبزرجمهر من أعقل الناس قال من لم يجعل سمعه غرضاً لسماع الفحشاء وكان الغالب عليه التغافل وقال أبو بكر الصديق ﵁ من امتطى زمام التغافل ملك زمام المروأة وقالوا أشرف الكرم تغافلك عما تعلم ويقال التغافل من الكرام يمنحهم الاجلال والاكرام أنشد الباخرزي في الدمية لأبي الفضل عبد الله بن محمد الحيري رحمه الله تعالى

يا من يعرّض بالخنا متوهماًجهلي به مهلاً فإنك جاهل
كم مرّة أغضيت منك على قذىلولا النهى لرأيت ما أنا فاعل

آخر

ويشتمني النذل اللئيم فلا أرىكفؤاً لعرضي عرضه فأجامله
أجرّ له ذيلي كأني غافلأضاحكه طوراً وطوراً أخاتله

وقيل لبعضهم من العاقل قال الفطن المتغافل قال الشاعر

أعرض عن العوراء إن أسمعتهاوأسكت كأنك غافل لم تسمع

ولبعضهم معرباً بكرمه ومعرّفاً بشيمه

وإني لأغضى عن أمور كثيرهومن دونها قطع الحبيب المواصل
للشاعر ابن كناسة، اقرأ القصيدة
وأعرض حتى يحسب الناس أننيجهلت الذي آتى ولست بجاهل

آخر

وأغضى عن العوراء حتى يقال ليبأذنيه وقر عندها حين ينطق
حياء وإكراماً لعرض أصونهولا خير في عرض يظلّ يمزق

آخر

دعى ملاحاة من هجانييا نفس إن تغفلي تصاني
إذا حكيت البذا عليهفما هجاني سوى لساني
وأمّا ما قبل في التغاضي والاحتمالوالكف عن جواب قبيح المقال

قالوا أعقل الناس من لم يتجاوز الصمت في عقوبة السفيه وقال بعض الحكماء السكوت عن السفيه جواب والاعراض عنه عقاب قال الشاعر

إذا نطق السفيه فلا تجبهفخير من اجابته السكوت
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «إذا نطق السفيه فلا تجبه»
فإن جاوبته فرجت عنهوإن خليته كمداً يموت

وقال بعضهم

لا ترجعنّ إلى السفيه حكايةإلا جواب تحية حياكها
فمتى تحركه تحرك جيفةتزداد نتناً ما أردت حراكها

وآخر

أرى الكف عن شتم السفيه تكرّماًأضرّ به من شتمه حين يشتم

وقالوا إذا سكت عن الجاهل فقد أوسعته جواباً وأوجعته عذاباً ويقال ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة حليم من أحمق وبر من فاجر وشريف من دنئ شاعر

إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخناأصبت حليماً أو أصابك جاهل
للشاعر أوس بن حجر، اقرأ القصيدة
فأصبحت أمّا نال عرضك جاهلسفيه وأمّا نلت ما لا تحاول

وقال بعض الأعراب يمدح قومه

تخالهمو صماً وعمياً عن الخناوخرساً عن الفحشاء عند التهاجر
ومرضى إذا لوقوا حياء وعفةوعند الحفاظ كالليوث الجواذر
لهم دل انصاف ولين تواضعوعفو عن المولى وحسن تصابر
تخال بهم داء يخافون عارهوما وصمهم إلا اتقاء المعاذر
والعاقل من قنع من الدنيا باليسيروحصل فيها من التقوى زاداً للمسير

وصف رسول الله ﷺ الدنيا فقال من صح فيها سقم ومن سقم فيها برم ومن افتقر فيها حزن ومن استغنى فيها فتن حلآلها حساب وحرامها عقاب ومتشابهها عتاب من طلبها فاتته ومن قعد عنها أتته ومن بصر بها بصرته ومن نظر إليها أعمته ووصف ابن السماك الدنيا فقال من نال منها مات فيها ومن لم ينل منها مات عليها ووصف محمد بن تومر الدنيا فقال لحظة بين عدمين فيها شركاء متشاكسون وقال حكيم الدنيا تطلب لثلاثة أشياء للغنى وللعز وللراحة فمن قنع استعنى ومن زهد فيها عز ومن قل سعيه استراح وقال عيسى ﵇ أنا الذي كبيت الدنيا على وجهها وجلست على ظهرها فليس لي زوج تموت ولا دار تخرب وقال ابن السماك من جرعته الدنيا حلاوتها بميله إليها جرعته الآخرة مرارتها بتجافيه عنها وقال علي ﵁ الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب أبصرت من أحدهما بعدت عن الآخر ويروى عنه أنه قال الدنيا والآخرة ضرتان متى أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ثم قال لا بل أختان ولا يمكن الجمع بين الاختين وقال ﵊ لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق جروفي يد مجذوم ويقال عين الدهر تطرف بالمساوئ والخلائق نيام بين أجفانها وقال بعض المستقيلين منها وأحسن

أف لدنيا ليست تواتينيإلا بنقضي لها عرى ديني
للشاعر أبو مسهر، من قصيدة «أف لدنيا ليست تؤاتيني»
عيني لجنبي تدير مقلتهاتريد ما ساءها لترديني

مر محمد بن واسع على قوم فسأل عنهم فقيل له هؤلاء الزهاد قال وما قدر الدنيا حتى يزهد فيها وقال علي ﵁ الدنيا جيفة فمن أرادها

فليصبر على مخالطة الكلاب وقال منصور بن عمار الدنيا أولها بكاء وأوسطها عناء وآخرها فناء وقال لقمان لابنه يا بني بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً وقال الفضيل بن عياض لو عرضت علي الدنيا بحذافيرها حلالاً أحاسب عليها في الآخرة لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه وقال جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا وقال يوسف بن أسباط إن الدنيا لم تخلق لينظر إليها إنما خلقت لينظر بها إلى الآخرة وقال إبراهيم بن أدهم مساكين الأغنياء طلبوا الراحة فعدموها ووجدها الزهاد فلزموها ومن المنظوم في ذلك

تباً لطالب دنيا لا بقاء لهاكأنما هي في تصريفها حلم
صفاؤها كدر سرّاؤها ضررأمانها غدر أنوارها ظلم
شبابها هرم راحاتها سقملذاتها ندم وجدانها عدم
لا يستفيق من الانكاد صاحبهالو كان ما منحت ما ضمنت ارم
فخلّ عنها ولا تركن لزهرتهافإنها نعم في طيها نقم
واعمل لدار نعيم لا نفاد لهولا يخاف به موت ولا هرم

وقال بعض الزهاد وأحسن

ومن يحمد الدنيا لشيء يسرّهفسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرةوإن أقبلت كانت كثيراً همومها
للشاعر ميخائيل خير الله ويردي، من قصيدة «رأيت الفتى يسعى ليذكر بره»

آخر

يا خاطب الدنيا إلى نفسهلنته عن خطبتها تسلم
إنّ التي تخطب غرّارةقريبة العرس من المأتم
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «يا خاطب الدنيا إلى نفسها»

وقال أحمد بن عبد ربه صاحب العقد

ألا إنما الدنيا غضارة أيكةإذا اخضرّ منها جانب جف جانب
للشاعر الصعلوكي، من قصيدة «ألا إنما الدنيا غضارة أيكة»
هي الدار ما الآمال إلا فجائععليها وما اللذات إلا مصائب
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ألا إنما الدنيا نضارة أيكة»
فكم سخنت بالأمس عين قريرةوقرّت عيون دمعها الآن ساكب
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ألا إنما الدنيا نضارة أيكة»
فلا تكتحل عيناك منها بعبرةعلى ذاهب منها فانك ذاهب
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ألا إنما الدنيا نضارة أيكة»

وذكرت الدنيا عند الحسن البصري فقال

ألا إنما الدنيا كأحلام نائموما خير عيش لا يكون بدائم
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «ألا إنما الدنيا كأحلام نائم»
تأمّل إذا حاولت بالأمس لذةفأفنيتها هل أنت إلا كحالم

آخر

إنما الدنيا كظل زائلطلعت شمس عليه فاضمحل
كان في دار سواها دارهعللته بالمنى ثم ارتحل

آخر

لعمرك ما الدنيا بدار إقامةولكنها دار انتقال لمن عقل
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
إذا رفعت حطت وإن هي أحسنتأساءت وإن أعطت فأيامها دول

آخر

مزمومة بالهمّ مخطومةسمّ زعاق سمّ أخلافها
ولم تزل تقتل ألافهاأفّ لقتالة ألافها

ويقال ليس الزاهد في الدنيا من زهد فيها وقد أعرضت عنه وانبثت منه ولم تمكنه من متاعها وضاقت عليه مع اتساعها وهو مضطر إلى ذلك لظهور عسرته ونفود يسرته وإنما الزاد في الدنيا من أقبلت عليه وحشدت فوائدها إليه وحسنت له في ذاتها وأمكنته من لذتها فأعرض عنها وزهد فيها شاعر

إذا المرء لم يزهد وقد جمعت لهضروب من الدنيا فليس بزاهد

ويروى عن النبي ﷺ أنه قال إنما الزاهد في الدنيا من يكون بما في يد الله أغنى منك بما في يدك وما أكثر انصاف من قال

نراع بذكر الموت في حال ذكرهونعترض الدنيا فنلهو ونلعب
ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرهاوما كان منها فهو شيء محبب

وقال بعض البلغاء صاحب الدنيا ساكن راحل وأيامه مراحل وأنفاسه رواحل صاحب الدنيا بين فرحة وترحة وحبرة وعبرة صاحب الدنيا بين العسل والصاب والصحة والأوصاب حكى أن سليما بن عبد الملك قال لعمر بن عبد العزيز وقد أعجبه سلطانه كيف ترى ما نحن فيه فقال عمر سرور لولا أنه غرور وحرم لولا أنه عدم وملك لولا أنه هلك وحياة لولا أنه موت ونعيم لولا أنه عذاب أليم فظهر في وجه سليمان الكآبة من كلام عمر ولم ينتفع بنفسه بعد ذلك وتوفي سنة ثمان وتسعين وهو ابن خمس وأربعين سنة وكانت ولايته سنة ست وتسعين

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في العقل

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.