من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)
فاتحة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل من سماء رحمته غيثاً نافعاً، فأنبت به في قلوب عباده زهراً ناضراً وثمراً يانعاً.
زهر من العلم والعرفان مؤتلقفي الطرس والنفس يستهدي بألوان
وثمر يجتنيه الأذكياء بتشمير ولا يجتنيه الفدم والواني
لله در كرام فاو فائزهمقدْماً بحلب درور منه ملْبان
وبابتناء مبان منه ساميةلا يبتني مثلها في دهره الباني
هذا هو المجد في الدارين والشرف المحض الذي ما به في فضل ثان
" فاعكف عليه " مع الآناء معتنياًولا يكن لك عن تطلابه ثان
واعلم بأنك لن تحظى بصهْوتهحتى تجوز المدى في كل ميدان
ما لم تسنح عليه كلما شجريرجى الجني منه أرضي وعَبْدان
وتبذل النفس بعد المال مطرحاًلكل ترفيه أرواح وأبدان
وتغترب برهة في كل آلفةمن ذات قربى وأوطان وإخوان
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ينبوع الأحكام والحكم، ومجموع شيم الفضائل وفضائل الشيم، وعلى آله ذوي المجد والكرم، وصحبه بحور العلوم ونجوم الظلم.
أما بعد، فإن الدهر أبو العجائب، وينبوع الغرائب، وفي المثل: الدهر حبلى لا يدري ما تلد، وقال الشاعر:
والليالي كما علمت حبالىمقْرِبات يلدن كل عجيبه
وقال طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاًويأتيك بالأخبار من لم تزود
وإن للعاقل على مرور الجديدين علماً جديداً حيث انتهى فهمه كما له عيش حيث تهدي ساقه قدمه وكنت قلت في نحو ذلك:
أراني حيثما أخطُأجد ما لم أجد قطُّ
وإن الدهر حبلى كُلّما حين له سقط
لقد سايرته طفلاًإلى أن مسني وخط
فلم ينفك يشتدعلى المرء ويشتط
ولم يأل إذا استعلىيوم الهون أو يسطو
له في كل إذن منبني أبنائه قرط
وفي كل قذال وسمة بالنار أو شرط
وقد يحنو ويستأنيوقد يحبو لمن يعطو
سماء ديمة تأتيبزهر زهرها رُقط
فحمر ومصفروموفور ومُنْقَطُّ
ومجدود ومحرومومستعمل ومنحط
ومنقاد ومعوجوكز الخلق أو سبط
قضاء مبرم ممنإليه الحل والربط
إلهٌ أمره الأمرومنه الرفع والحط
ومنه اليسر والعسرومنه القبض والبسط
له في كلِّ ما يومٍشؤون منه تختط
وذو الفهم له علمجديد حيثما يخطو
ففكر واعتبر تعلمعلوماً دونها الضبط
وتدرك غير ما في الصحف يوماً خلد الخط
وسلم وأرض بالمقدور لا يذهب بك السخط
ولا تبرم إذا المولىيشدّ الحبل أو يمطو
فما ترجو من الرضوان أنْ تَرْضَى له شرط
وإني قد اتفقت لي سفرة بان بها عني الأهل شغلاً وتأنيساً، وزايلني العلم تصنيفاً وتدريساً، فأخذت أرسم في هذا المجموع بعض ما حضرني في الوِطاب، مما أحال فيه أو حان له إرطاب وسميته " المحاضرات " ليوافق اسمه مسماه، ويتضح عند ذكره معماه وفي المثل ": " خير العلم ما حوضر به " وإنما أذكر فيه فوائد وطرفاً، وقصائد ونتفاً، وذلك مما اتفق لي في أيام الدهر من ملح، أو لغيري مما ينتقى ويستملح، ولا أذكر نادرة فيها معنى شريف إلاّ شرحته، ولا لطيفاً إلا وشحته، وذلك هو لباب الكتاب، وفائدة الخطاب، والله الملهم للصواب.
وقد أذكر بعض ما صورته هزل يستهجن، وفيه سر يستحسن، وكما أن المقصود من الأشجار ثمارها، فالمطلوب من الأخبار أسرارها، وإنما حملني على الأخذ فيه أمور: منها التفادي من البطالة، التي هي مدرجة الجهالة والضلالة، ومنها إفادة جاهل أو تنبيه غافل، ومنها تخليد المحفوظ لئلا ينسى. وتفصيله نوعاً وجنسا، ومنها استمطار علم جديد، عند الاشتغال بالتقييد، فإن العلم كالماء نبَّاع، وبعضه تباع، وما هو في قلب ذكي الفؤاد، إلاّ كما قال امرؤ القيس عند وصف الجواد:
يجم على الساقين بعد كلالهجموم عيون الحسي بعد المخيض
معنا تعليل النفس، ببعض الأنس، فإن النفس ترتاح للأحماض وتستشفي بروحه من الإمضاض ولا سيما مثلي ممن ترامت به الأقطار وتباعدت عنه الأوطان والأوطار وقلت في ذلك:
سلا هل سلا عن أهله قلب معْنيِّبريب الهوى والبين عن جيرة الحيِّ
وهل ذلك الوجد الذي قد حشا الحشامقيم على أديانه غير مكفيِّ
وهل قلبه يوم النوى متقلبتقلب مفؤود اللظى ساعة الشيِّ
وهل ينوي الأحباب مشفٍ على التوىوليس بوصل من حبيب بمشفيِّ
وهل أعشبت تلك الشعاب وأمرعتفجاج مراعيها بعهد ووسميِّ
وهل أُقْحُوانُ الجزع فاح وندهبعرف تهاداه الشمائل مسْكيِّ
وهل تالك الأزهار تهتز نضرةبكل جميل في الخميلة مَوْليِّ
وكل مُجودٍ في النجود تناوحتعليه الرياح من جنوبي وشرقيِّ
إذا ما السحاب الغر عاطينها الحياتمايلن نشوى من مدام شباميِّ
وإن صافحتها بعد وهنٍ يد الصباتنمت بأذكى من عبير وألويّ ِ
فما شئت فيها من يواقيت تجتليومن كوكب يعشي النوال درّيّ
ومن بسط تزري ابتهاجاً بمفرشأعدت بنو ساسان للبسط بَوْشيّ
وهل لسليمى من ثواء بدارهاسقى الله تلك الدار أطيب ما رِيِّ
وحيا محياها الوسيم وإن لوتغريماً تقاضى وصلها طول ما لي
وحيا زماناً للوصل بينناتباشير كالصبح المنير على رَيِّ
زمان ديار الحي دانٍ مزارهاونحن على عهد من الودّ مرعيِّ
نعمنا بإيناس البروق من الحمىأنيساً وإن لم نحظ منه بإنسيِّ
ونسمة أرواح الصبا وهبوبهاعلينا نموماً من صباها بمطويِّ
وتنشاق آبالأجارع تعتليبنفحته للمستهامين عطريِّ
وكنّا على أنّا كأنّا بوصلهانغادي بكأس مطمئنين خمري
ونرتع في روض المنى وننال مانشاء ولا نرتاع من بين مَهْوِيِّ
وعشنا زماناً لا نعاني صبابةولا نتباكى من سليمى ولا ميِّ
ولا نتشكّى من صدود ولا صدىولا وجد مفؤود الجوانح مَبْريِّ
ليالي كان الشمل منضبط الكلىوحبل التوالي مُحصَدٌ غيرُ مَفريِّ
فلم تلبث الأقدار أن مددت بناعناناً إلى شط النوى غير مَثْنيِّ
فحالت موّامٍ دونها ذات منزعودَيْنُ التداني قد غدا غير مقضيِّ
وكان الذي خفنا يكون من النوىوصرنا لأمر مُذْ أحايين مَخْشيِّ
على أن فضل الله ما انفك هامراًعلينا ولطف دائم غير مَزْوِيّ
فلا تغترر بالدهر يلقاك بشرهفإن وراء البشر طعن الرُّدَيْنيِّ
ولا تأمنن من هوله إن ريحهتهب إذا هبَّت عصوفاً بلُجِّيِّ
ولا تغتبط من حظه بمنولولو تاج ملْكٍ فوق أشمخ كرسيِّ
فما حالة منه تدوم على امرئولو خال جهلاً أنه غير مَدْهيِّ
وما هو إلاّ مثل دولابَ زارعفعُلويّه يعتاض حتماً بسُفْليّ
فكم أنْزلتْ نَسْرَ السماء صروفُهوحلّت ببنت الماء دارة علْويّ
وكم ضعضعت ملكاً وأفنت ممالكاًوكم عاد عاني ريبها غير مَفديّ
وكم زَيّلت بين المحبين فاغتدىدم الصب من فتك الهوى غير موّديّ
قضاء من المولى له كل ساعةتَصرّفُ مختار وإنجازُ مَقضيّ
فأعْلقْ به أشطانَ قلبك واعتمدعليه تنل رشداً وتنج من الغيّ
وقَف أبداً في بابه متأدباًمنيباً بسعي عِند مولاكِ مرضيّ
قنوعاً رَضُوَاً بالقضاء مسلماًبقلب على التوحيد والصدق محني
فذاك الذي يرقى به لمنازلبها كل صديق حوى الفضل رِبّيّ
وإن كنت لم تسعدك في ذلك القُوىفزاحم بمسْطاع مع الحب والزِّيِّ
فإن جليس القوم ما إن ينالهشقاء ومن عن حبهم غير مرميِّ
ومن قد حكاهم فهو متهم وكل ذاأتى في حديث عن ذوي الصدق مرويِّ
وكل امرئ يوماً سيجزى بما أتىمن الخير بل يجزى على كل مَنْويِّ
لله الأمر من قبل ومن بعد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع