تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)

فضل العلم

كنت في أعوام الستين وألف مرتحلاً في طلب العلم، فدخلت قرية في أرض دكالة، فرأيت فيها رجلاً مسناً قد لازم المسجد منقطعاً عن الناس، فجلست إليه مستحسناً لحاله، وفي الحديث " إذَا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ أُعْطِيَ زُهْداً في الدُّنْيَا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَادْنُوا مِنْهُ، فَإنَّهُ يُلَقَّنُ الحِكْمَةَ ".

فلما دنوت منه إذا هو يعظم العلم وأهله تعظيماً بالغاً، فازددت به عجباً، فكنت أجلس بين يديه ويحدثني ويصبرني على الغربة، ويحضني على العلم رحمة الله عليه، وأنشدني في شأن الغربة ملحوناً:

أنا الغريب المتوحصابر على كلّ هانا
إلى نتجرح ما نقل احفي قلب من قطعت أنا

وفي نحو هذا يقول الشاعر:

إذا كنت في قوم عِداً لست منهمفكل ما علفت من خبيث وطيب
وإن حدثتك النّفس أنك قادرعلى ما حوت أيدي الرجال فكذب
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «لعمري لقوم المرء خير بقية»

وقال الآخر:

لا يعدم المرء كِنّاً يستقر بهوَبُلغةً بين أهليهِ وأحبابه
ومن نأى عنهم قلت مهابتهكالليث يحقر لما غاب عن غابه
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «لا يعدم المرء كنا يستكن به»

وقال الحريري:

إن الغريب الطويل الذيل ممتهنفكيف حال غريب ما له قوت

وأنشدني في مدح العلم ملحوناً:

العلم شمعا منيرايتناوله الأكياس
ما فوق منو ذخيراًيزول عن القلب الإحساس

وفضل العلم وشرفه أمهر أشهر من أن يذكر، وأوضح من أن ينكر، ويكفي في ذلك النظر.

ومن غريب ما حكي أنه اتفق للفقيه الخليل الإمام ابن عرفة ﵁ وكان قد مرض فأصابه غشي قال: فجاءتني طائفتان: إحداهما عن يميني وجعلوا يرجحون الإسلام، والأخرى عن يساري وجعلوا يرجحون الكفر، عياذاً بالله تعالى. قال: فأخذ هؤلاء يلقون شبه الكفار ويلهمني الله تعالى الجواب عنها بما كنت عرفت من قواعد العقائد، فعلمت أن العلم ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة.

لله الأمر من قبل ومن بعد

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاضرات في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.