من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)
أصناف بقاع الأرض
كان شيخنا الأستاذ المشارك الفاضل الناسك أبو بكر بن الحسن التطافي ينشدنا كثيراً في التنويه بالعلم قول القائل:
وما عرَّف الأرجاء إلاّ رجالهاوإلاّ فلا فضلٌ لتُرْب على تُرْبِ
والمعنى أن القطر من الأرض وكذا المدينة والقرية تعرف وتشرف بنسبة المعروف إليها كأبي عثمان المغربي وابن عامر الشامي والحسن البصري وأبي الحسن الحرالي وغيرهم.
واعلم أن بقاع الأرض كأفراد الإنسان، هي كلها مشتركة في كونها أرضاً وتربة، ثم تتفاوت في المزايا الاختصاصية، إما من ذاتها بأن يجعلها الله منبتاً للعشب، وهي أفضل من السبخة أو مزرعة، وهي أفضل من الكنود أو سهلة، وهي أفضل من الحزن، وقد ينعكس الأمر، أو معدناً، وتتفاوت بحسب الجواهر المودعة فيها، أو منبعاً للماء، وتتفاوت بحسب المياه، إلى غير ذلك من مختلفات الفواكه والأشجار والأزهار وسائر المنافع، وأما من عارض، كأن يختصها الله تعالى بكونها محلاً لخير إما نبوءة بيته بمكة، فهي أشرف البقاع ما خلا المدينة من ثلاثة أوجه: الأول كونها محلاً لبيته، وقبلة لعباده، والثاني كونها عمارة خليله إبراهيم ﵇، الثالث كونها مولد ومبعث أشرف الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، إلى وجوه أخرى ككونها وسط الأرض أو أرفع الأرض أو من تحتها دحيت الأرض، وكونها حراماً وغير ذلك ولبيت المقدس قسط من هذا الفضل لأنها مأوى الأنبياء، وكانت قبله، واختصت المدينة طيبة بكونها مهاجر أشرف الخلق ومدفنه مع أكابر أصحابه ﵃ فصارت خير البقاع حتى مكة عند علمائنا أما التربة التي تضمنت شخصه الكريم ﷺ فلا مثل لها في الأرض ولا في السماء قطعاً.
وأما نبوءة فتشرف كل بلدة ولد فيها نبي أو بعث أو أقام أو دفن، وتشتهر بذلك وتتعرف كما قال ﷺ يوم الطائف للغلام وقد قال له: إنه من نينَوى. " قَرْيَةُ أخي يُونُسَ ﵇ " وإما علم فكل قرية أيضاً أو بلدة كان فيها عالم أو كان منها فهي تشرف بذلك وتتعرف كما في البيت المذكور، وإما زهدٌ أو عبادة أو نحو ذلك أو ملك أو جود أو نجدة أو جمال أو خلق حسن أو غير ذلك حتى رخاء العيش وصحة الهواء، فكل ذلك ونحوه يكون به الشرف والاشتهار كما يكون الاشتهار في النقصان والمذمة بأضداد ذلك. واعلم أن المولى ﵎ من لطيف حكمته وسابغ منته كما لم يُخْلِ عبْداً من عباده من فضل عاجل أو آجل، ظاهر أو باطن، كثير أو قليل، كذلك لم يُخِل بقعة من بقاع الأرض من فضل، ولم يُعْرِ بلدة من مزية يتعلل بها عُمّارُها حتى لا يتركوها، وقد جعل الله تعالى الأهواء مختلفة، والطباع متفاوتة، وحبب لكل أحد ما اختصه به، ذلك تقدير العزيز العليم الحكيم، فتجد هذا يمدح أرضه بكثرة المياه للاتساع في الشرب والطهارة والنقاوة ونحو ذلك، وهذا يمدح أرضه بالبعد عن كثرة المياه لجودة منابتها، وصحة هوائها، وذهاب الوخم عنها، وهذا يمدح أرضه بالسهولة لوجود المزارع فيها وكثرة ريفها واتساع خيرها، وهذا يمدح أرضه بكونها جبالاً لتمنعها وعزة أهلها، وحسن مائها وهوائها وقناعتها وغير ذلك.
وللشعراء قديماً وحديثاً في هذا ما يحسن ترداده، ويطول إيراده، فمن ذلك لأبي بكر بن حجة الحموي يتشوق إلى بلده قوله:
بوادي حماةِ الشامِ عن أيمن الشطوحقك تطوى شُقّة الهمّ بالبسط
بلاد إذا ما ذقت كوثر مائِهاأهيم كأني قد ثمِلْتُ بإسفِنْطِ
فمن يجتهد في أن في الأرض بقعةتماثلها قل: أنت مجتهد مخط
وصوّبْ حديثَيْ مائِها وهوائِهافإن أحاديث الصحيحين ما تُخطي
وللآخر في تلسمان مثل هذا:
بلد الجدار ما أمرّ نواهاكلِفَ الفؤاد بحبها وهواها
يا عاذلي في حبها كن عاذرييكفيك منها ماؤها وهواها
ولابن حمديس الصقلي في بلده:
ذكرت صقيلية والأسىيهيج للنّفسِ تذكارها
فإن كنتَ أخرجت من جنةفإني أحدِّثَ أخبارها
ولولا ملوحة ماء البكاحسبت دموعي أنهارها
وللأعرابي:
أقول لصاحبي والعيس تخديبنا بين المُنيفةِ فالضمار
تمتع من شميم عرّار نجدفما بعد العشيّة من عَرّار
ألا يا حبَّذا نفحات نجدوَرَيّا روضه بعد القِطار
وأهلك إذ يحلّ الحي نجداًوأنت على زمانك غير زار
شهور ينقضين وما شعرنابأنصاف لهنّ ولا سِرار
وللآخر في تونس:
لَتونِسُ تونسُ من جاءهاوتودعه لوعة حيث سار
فيغدو ولو حلَّ أرض العراقيحن إليها حنين الحُوار
ويأمل عوداً ويشتاقه اشتياق الفرزدق عَوْد النَّوار
وللآخر في مدينة فاس:
يا فاس حيا الله أرضك من ثرىوسقاك من صوب الغمام المسبل
يا جنة الدنيا التي أربت علىعَدْن بمنظرها البهيّ الأجمل
غُرَفٌ على غُرَفٍ ويجري تحتهاماء ألذ من الرحيق السلسل
وكثيراً ما يقع الحنين إلى المنازل والبلدان، من أجل من فيها من الإخوان والأخدان، كما قال القائل:
أحب الحِمى من أجل من سكن الحِمىومن أجل من فيها تحب المنازل
وقال المجنون:
وما حب الديار شغفن قلبيولكن حب من سكن الديارا
وهي خصوصية في البقعة عارضة من سكانها كالذي في البيت، فإن الميل إليها يقتضي فضلها على غيرها بالنسبة إليه، ومن هذا المعنى أكثر العرَب ذكر الحِمى كقوله:
فإن كان لم يغرّض، فإني وناقتيبحجر إلى أهل الحِمى غَرِضان
تحنّ فتبدي ما بها من صبابةوأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
الغرض المشتاق، وكقول الآخر:
وإن الكئيب الفرد من جانب الحِمىإليَّ وإن لم آتهِ لحبيب
وكقول الآخر:
وكنت أذود العين أن ترد البكافقد وردت ما كنت أذودها
خليليّ ما بالعيش عتب لَو أنّناوحدنا لأيام الحِمى من يعيدها
وكقول الآخر:
ألا أيها الركب المجِدّون هل لكمبساكن أجزاع الحمى بعدنا خُبْر؟
فقالوا: قطعنا ذاك ليلاً وإن يكنبه بعض من تهوى فما شعر السَّفْر
وكقول الآخر:
بكت عيني اليسرى فلما زجرتهاعن الغيّ بعد الشيب أسبلتا معا
فليست عشيات الحمى برواجعإليك ولكن خِلّ عينيك تدمعا
إلى غير ذلك.
ويكثرون أيضاً ذكر كقوله:
شيب أيام الفراق مفارقيوأنشزن نفسي فوق حيث تكون
وقد لانَ أيام اللوى ثمَّ لم يكدمن العيش شيء بعدهنّ يلين
وكقول جرير:
لولا مراقبة العيون أرَيْنَنامُقل المها وسوالف الآرام
هل يَنْهَيَنَك أن قتلنَ مرقشاًأو ما فعلن بعروة بن حزام
ذُمَّ المنازل بعدَ منزلةِ اللّوىوالعيشَ بعد أولئك الأيامِ
إلى غير ذلك.
وأما نجد وهو ما ارتفع من الأرض من بلادهم وأكثر من ذلك كلّه كقوله:
سقى الله نجداً والسلام على نجدويا حبذا نجد على النأي والبعد
وقول الآخر:
أشاقتك البوارق والجنوبومن علوي الرياح لها هبوب
أتتك بنفحة من شيح نجدتصوب والعرار بها مشوب
وشمت البارقات فقلت: جيدَتْ جبال البتر أو مطر القليب
ومن بستان إبراهيم غنّتحمائم بينها فنن رطيب
فقلت لها: وقيتِ سهامَ رامٍورُقْط الريش مطعمها الجنوب
كما هيجت ذا حُزْنٍ غريباًعلى أشجانهِ فبكى الغريب
وما وجد أعرابية قذفت بها..................الأبيات
وتقدم شيء من ذلك، وهو كثير، وذلك في الغالب لحسنه في نفسه هواء وماء ومنابت ومسارح، والناس كلهم مجمعون على ذكر ديار الأحباب ومعاهد الشباب، ولا خصوصية للعرب، وإن كان لهم مزيد رقة.
لله الأمر من قبل ومن بعد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع