تجاوز إلى المحتوى

من «المحاضرات في اللغة والأدب» لليوسي (ت ١١٠٢هـ)

الرغيف والذهب

وروي عن نبي الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام أنه خرج هو وصاحب له في سياحة فأصابهما الجوع وقد مرا بقرية فقال لصاحبه: انطلق فاطلب لنا طعاماً بهذه القرية، وقام هو يصلي، فانطلق الرجل وأتى بثلاثة أرغفة، فوجده مشغولاً فأكل رغيفاً، فلما انصرف عيسى ﵇ قال له: أين الرغيف الثالث؟ فقال: ما كان إلاّ رغيفان. فانطلقا حتى مرّا بظباء فدعا ﵇ ظبياً منها فذكاه وأكلا منه، ثم قال له: قم بإذن الله الذي يحيي الموتى، فقام يشتدّ فقال الرجل: سبحان الله! فقال عيسى: بالذي أراك هذه الآية من صاحب الرغيف الثالث؟ قال ما كان إلاّ إثنان، فانطلقا فمرّا بنهر عظيم فأخذ بيده فمرّ به على الماء حتى قطع، فقال الرجل سبحان الله؟ فقال عيسى: بالذي أراك هذه الآية من صاحب الرغيف الثالث؟ قال: ما كان إلاّ إثنان، فانطلقا حتى أتيا قرية خربة وإذا بثلاث لبنات من ذهب. فقال الرجل: هذا مال، فقال عيسى ﵇: واحدة لي وواحدة لك وواحدة لصاحب الرغيف الثالث. فقال الرجل: أنا صاحبه، فقال عيسى: هي لك كلها وفارقه، فأقام عليها ليس معه من يحملها له، فمرّ به ثلاثة نفر فقتلوه وأخذوا اللبنات، فقال اثنان منهم للواحد: انطلق إلى القرية فائتنا بطعام، اتفق الاثنان على قتله إذا رجع، وأتى هو بالطعام فوضع فيه سماً ليموتا فيختص بالمال، فلما جاء قتلاه وأكلا الطعام فماتا، فمر بهم عيسى ﵇ وهم حول المال كلهم صرعى فقال: هكذا تفعل الدنيا بأهلها، وتركهم.

وروي عنه " أيضاً " ﵇ أنه مر وهو في جمع من أصحابه بزرع قد أفرك فقال أصحابه: يا نبي الله، نحن جياع، فأوحى الله تعالى إليه أن ائذن لهم في قوتهم، فأذن لهم، فدخلوا " الزرع " يفركون ويأكلون، فبينما هم كذلك جاء صاحب الزرع فقال: بإذن من تأكلون يا هؤلاء زرعي، وأرضي ورثتها عن آبائي، فدعا عيسى ﵇ تعالى فبعث الله كل من ملك تلك الأرض من ولد آدم ﵇، فإذا عند كل سنبلة رجل أو امرأة يقول: أرضي ورثتها عن آبائي، ففزع الرجل منهم، وكان قد بلغه أمر عيسى وهو لا يعرفه، فقال: معذرة إليك يا رسول الله، إني لم أعرفك فزرعي ومالي لك حلال، فبكى عيسى ﵇ وقال: ويحك هؤلاء كلهم ورثوا هذه الأرض وعمروها وارتحلوا عنها، وأنت مرتحل وبهم لاحق، ويحك ليس لك أرض ولا مال.

ولما دخل أبو الدرداء الشام قال: يا أهل الشام: اسمعوا قول أخ ناصح، مالي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيداً، وأملوا بعيداً، وجمعوا كثيراً، وشيدوا قصوراً، فأصبح أملهم غروراً، وجمعهم ثبوراً، ومساكنهم قبوراً.

لله الأمر من قبل ومن بعد

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاضرات في اللغة والأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.