من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
سرنديب
صور حديثة على وصف القزويني؛ في صفحة كل منها وصفه كاملًا.
جزيرة في بحر هركند بأقصى بلاد الصين؛ قال محمّد بن زكرياء: هي ثمانون فرسخا في ثمانين فرسخا، لها ثلاثة ملوك كلّ واحد عاص على الآخر.
ومن عاداتهم أن يأخذوا من الجاني سبعة دراهم على جنايته، والمديون إذا تقاعد عن أداء الدين بعث الملك إليه من يخطّ حوله خطّا أي مكان وجده، فلا يجسر أن يخرج من الخطّ حتى يقضي الدين أو يحصّل رضاء الغريم. فإن خرج من الخطّ بغير إذن، أخذ الملك منه ثلاثة أضعاف الدين، ويسلّم ثلثه إلى المستحقّ ويأخذ الملك ثلثيه.
وإذا مات الملك يجعل في صندوق من العود والصندل ويحرق بالنار،
وترافقه زوجته حتى يحتزقا معا.
وبها أنواع العطر والافاويه والعود والنارجيل ودابّة المسك، وأنواع اليواقيت ومعدن الذهب والفضّة ومغاص اللؤلؤ.
وعن رسول اللّه، ﷺ: خير بقعة ضربت إليها آباط الإبل مكّة ومسجدي هذا والمسجد الأقصى، وجزيرة سرنديب فيها نزل أبونا آدم، ﵇، بها جبل أهبط عليه آدم، ﵇، وهو ذاهب في السماء يراه البحريّون من مسافة أيّام، وفيه أثر قدم آدم، ﵇، وهي قدم واحدة مغموسة في الحجر. ويرى على هذا الجبل كلّ ليلة مثل البرق من غير سحاب وغيم ولا بدّ له كلّ يوم من مطر يغسل موضع قدم آدم، ﵇.
ويقال إن الياقوت الأحمر يوجد على هذه الجبال يحدّره السيل منها إلى الحضيض وقطاع الماس أيضا والبلّور. وقالوا: أكثر أهل سرنديب مجوس وبها مسلمون أيضا، ودوابّها في غاية الحسن لا تشبه دوابّنا إلّا بالنوع، وبها كبش له عشرة قرون.
منها الشيخ الظريف سديد الدين السرنديبي، ورد قزوين وأهل قزوين تبرّكوا به. وكان قاضي قزوين يدخل مع الولاة في الأمور الديوانيّة والعوامّ يكرهون ذلك، فربّما عملوا غوغاة ونهبوا دار القاضي وخرّبوها، فلمّا سكن السرنديبي قزوين وتبرّك القوم به، كلّما كرهوا من القاضي وخرّبوها، فلمّا سكن السرنديبي قزوين وتبرّك القوم به، كلّما كرهوا من القاضي شيئا ذهبوا إلى السرنديبي وقالوا: قم ساعدنا على القاضي! فإذا خرج السرنديبي تبعه ألوف، فالقاضي لقي من السرنديبي التباريح.
فطلبه ذات يوم، فلمّا دخل عليه تحرّك له وانبسط معه وسأله عن حاله ثمّ قال: إني أرى في هذه المدينة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متروكا، ولست أرى من لا يأخذه في اللّه لومة لائم غيرك. وأخرج من داره قميصا غسل مرارا وعمامة عتيقة، وأركبه على دابّة وغلمان الاحتساب في خدمته،
وكلّ من سمع بهذا استحسن وصار السرنديبي محتسبا.
فإذا في بعض الأيّام جاء شخص إلى السرنديبي وقال: في موضع كذا جماعة يشربون. فقام بأصحابه وذهب إليهم فأراق خمورهم وكسر ملاهيهم.
وكان القوم صبيانا جهّالا قاموا إليه وضربوه وضربوا أصحابه ضربا وجيعا، فجاء السرنديبي إلى القاضي وعرّفه ذلك، فالقاضي غضب وحولق وقال:
ابصروا من كانوا أولئك، فقالوا: ما نعرف منهم أحدا.
ثمّ بعد أيّام قالوا للسرنديبي: في بستان كذا جماعة يشربون، فذهب إليهم بأصحابه وأراق خمورهم وكسر ملاهيهم، فقاموا وقتاوا أصحاب السرنديبي وجرحوه، فعاد السرنديبي إلى بيته وأخذ القميص والعمامة وذهب إلى القاضي وقال: اخلع هذا على غيري فإني لست أهلا لذلك، فقال القاضي:
لا تفعل يا سديد الدين ولا تمنع الثواب! فقال له: دع هذا الكلام، أنت غرضك اني أقتل وأجرح على يد غيرك، وإني قد عرفت المقصود ولا أنخدع بعد ذلك.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع
