من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
حرث
أرض واسعة باليمن كثيرة الرياض والمياه، طيّبة الهواء عذبة الماء منها ذو حرث الحميري واسمه مثوّب؛ قال هشام بن محمّد الكلبي: كان ذو حرث من أهل بيت الملك يعجبه سياحة البلاد، فأوغل في بعض أوقاته في بلاد اليمن، فهجم على أرض فيحاء كثيرة الرياض، فأمر أصحابه بالنزول وقال: يا قوم إن لهذه الأرض شأنا، لما رأى من مياهها ورياضها ولم ير بها أنيسا، فأوغل فيها حتى هجم على عين عظيمة نظيفة، بها غاب ويكتنفها ثلاث آكام عظام،
فإذا على شريعتها بيت صنم من الصخر، حوله من مسوك الوحش وعظامها تلال.
فبينا هو كذلك إذ أبصر شخصا كالفحل المقرم قد تجلّل بشعره وذلاذله تنوش على عطفه، وبيده سيف كاللجّة الخضراء، فنكصت منه الخيل وأصرّت بآذانها ونفضت بأبوالها، فقلنا: من أنت؟ فأقبل يلاحظنا كالقرم الصّؤول، ووثب وثبة الفهد على ادنانا فضربه ضربة، فقطّ عجز فرسه، وثنّى بالفارس جزله جزلتين. فقال القيل: ليلحق فارسان برجالنا ليأتينا عشرون راميا.
فلم يلبث أن أقبلت الرماة ففرّقهم على الآكام الثلاث وقال: احشوه بالنبل
وان طلع عليكم فدهدهوا عليه الصخر، وليحمل عليه الخيل من ورائه، ففرّقنا الخيل للحملة وإنّها تشمئزّ عنه، فأقبل يدنو ويختل، وكلّما خالطه سهم أمرّ عليه ساعده وكسره في لحمه، فضرب فارسا آخر فقطع فخذه بسرجه وما تحت السرج من فرسه، فصاح به القيل: ويلك! من أنت؟ فقال بصوت الرعد: أنا حرث لا أراع ولا ألاع! فمن أنت؟ قال: أنا مثوّب، قال: إنّك لهو؟ قال:
نعم. فقهقر وقال: اليوم انقضت المدّة وبلغت نهايتها العدّة، لك كانت هذه السرارة ممنوعة.
ثمّ جلس وألقى سيفه وجعل ينزع النبل من بدنه، فقلنا للقيل: قد استسلم؟ قال: كلّا لكنّه اعترف دعوة فإنّه ميّت، فقال: عهد عليكم لتحفرنّني! فقال القيل: آكد عهد، ثمّ كبا لوجهه فأقبلنا إليه فإذا هو ميت، فأخذنا سيفه فلم يقدر أحد منّا يحمله على عنقه، فأمر مثوّب فحفر له أخدود ألقي فيه، واتّخذ مثوّب تلك الأرض منزلا وسمّاها حرث، وسمّي مثوّب ذا حرث.
ووجد على أكمة صخرة مكتوب عليها: باسمك اللهمّ، إله من سلف ومن غبر، إنّك الملك الكبّار الخالق الجبّار ملكنا هذه المدّة، وحمى لنا أقطارها وأصبارها وأسرابها وحيطانها وعيونها وصيرانها إلى انتهاء عدّة وانقضاء مدّة، ثمّ يظهر علينا غلام ذو الباع الرحب والمضاء العضب، فيتّخذها معمرا أعصرا ثمّ يجوز كما بدا، وكلّ محتوم آت وكلّ مترقّب قريب، ولا بدّ من فقدان الموجود وخراب المعمور.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع