من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
حضرموت
ناحية باليمن مشتملة على مدينتين، يقال لإحداهما شبام وللأخرى تريم، وهي بقرب البحر في شرقي عدن، وانّها بلاد قديمة.
حكى رجل من حضرموت قال: وجدنا بها فخّارا فيه سنبلة حنطة وامتلأ
الظرف منها، وزنّاها كانت منّا، وكلّ حبّة منها كبيضة دجاجة.
وكان في ذلك الوقت شيخ له خمسمائة سنة، وله ولد له أربعمائة سنة، وولد ولد له ثلاثمائة سنة؛ فذهبنا إلى ابن الابن قلنا: إنّه أقرب إلى الفهم والعقل، فوجدناه مقيّدا لا يعرف الخير والشرّ. فقلنا: إذا كان هذا حال ولد الولد فكيف حال الأب والجدّ؟ فذهبنا إلى صاحب الأربعمائة سنة فوجدناه أقرب إلى الفهم من ولده، فذهبنا إلى صاحب الخمسمائة سنة فوجدناه سليم العقل والفهم، فسألناه عن حال ولد ولده فقال: انّه كانت له زوجة سيّئة الخلق لا توافقه في شيء أصلا، فأثر فيه ضيق خلقها ودوام الغمّ بمقاساتها، وأمّا ولدي فكانت له زوجة توافقه مرّة وتخالفه أخرى، فلهذا هو أقرب فهما منه.
وأمّا أنا فلي زوجة موافقة في جميع الأمور مساعدة، فلذلك سلم فهمي وعقلي! فسألناه عن السنبلة فقال: هذا زرع قوم من الأمم الماضية كانت ملوكهم عادلة، وعلماؤهم أمناء، وأغنياؤهم أسخياء، وعوامّهم منصفة.
منها القاضي الحضرمي، ﵀، لمّا ولي القضاء أتى عليه سنتان لم يتقدّم إليه خصمان، فاستعفى الملك وقال: إني آخذ معيشة القضاء ولا خصومة لأحد فالأجرة لا تحلّ لي! فاستبقاه الملك وقال: لعلّ الحاجة تحدث، إلى أن تقدّمه خصيمان فقال أحدهما: اشتريت منه أرضا فظهر فيها كنز قل له حتى يقبضها! وقال الآخر: إني بعت الأرض بما فيها والكنز له! فقال القاضي: هل لكما من الأولاد؟ قالا: نعم. فزوّج بنت البائع من ابن المشتري، وجعل الكنز لولديهما وصالحا على ذلك.
وبها القصر المشيد الذي ذكره اللّه في القرآن، بناه رجل يقال له صدّ ابن عاد وذلك أنّه لمّا رأى ما نزل بقوم عاد من الريح العقيم، بنى قصرا لا يكون للريح عليه سلطان من شدّة إحكامه، وانتقل إليه هو وأهله، وكان له من القوّة ما كان، يأخذ الشجرة بيده فيقلعها بعروقها من الأرض، ويأكل من الطعام مأكول عشرين رجلا من قومه، وكان مولعا من النساء، تزوّج بأكثر من سبعمائة
عذراء وولد له من كلّ واحدة ذكر وأنثى، فلمّا كثر أولاده طغى وبغى، وكان يقعد في أعالي قصره مع نسائه، لا يمرّ به أحد إلّا قتله كائنا من كان، حتى كثر قتلاه فأهلكه اللّه تعالى مع قومه بصيحة من السماء، وبقي القصر خرابا لا يجسر أحد على دخوله لأنّه ظهر فيه شجاع عظيم، وكان يسمع من داخله أنين كأنين المرضى، وقد أخبر اللّه تعالى عنهم وأمثالهم بقوله: فكأيّن من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطّلة وقصر مشيد، والبئر المعطّلة كانت بعدن، سنذكرها إن شاء اللّه تعالى.
وبها قبر هود النبيّ، ﵇؛ قال كعب الأحبار: كنت في مسجد رسول اللّه، ﷺ، في خلافة عثمان، ﵁، فإذا برجل قد رمقه الناس لطوله، فقال: أيّكم ابن عمّ محمّد؟ قالوا: أيّ ابن عمّه؟ قال: ذاك الذي آمن به صغيرا، فأومأوا إلى عليّ بن أبي طالب، ﵁، قال عليّ: ممّن الرجل؟ فقال: من اليمن من بلاد حضرموت. فقال عليّ: أتعرف موضع الأراك والسدرة الحمراء التي يقطر من أوراقها ماء في حمرة الدم؟ فقال الرجل: كأنّك سألتني عن قبر هود، ﵇؟ فقال عليّ: عنه سألتك فحدّثني، فقال: مضيت في أيّام شبابي في عدّة من شبّان الحيّ نريد قبره، فسرنا إلى جبل شامخ فيه كهوف ومعنا رجل عارف بقبره حتى دخلنا كهفا، فإذا نحن بحجرين عظيمين قد أطبق أحدهما على الآخر، وبينهما فرجة يدخلها رجل نحيف، وكنت أنا أنحفهم، فدخلت بين الحجرين فسرت حتى وصلت إلى فضاء، فإذا أنا بسرير عليه ميت وعليه أكفان كأنّها الهواء، فمسست بدنه فكان علبا، وإذا هو كبير العينين مقرون الحاجبين واسع الجبهة أسيل الحدّ طويل اللحية، وإذا عند رأسه حجر على شكل لوح عليه مكتوب: لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، وقضى ربّك ألّا تعبدوا إلّا إيّاه وبالوالدين إحسانا، أنا هود بن الحلود بن عاد رسول اللّه إلى بني عاد بن عوض ابن سام بن نوح، جئتهم بالرسالة وبقيت فيهم مدّة عمري فكذّبوني، فأخذهم
اللّه بالريح العقيم فلم يبق منهم أحد، وسيجيء بعدي صالح بن كالوة فيكذّبه قومه فتأخذهم الصيحة؛ قال له عليّ، ﵁: صدقت، هكذا قبر هود، ﵇.
وبها بئر برهوت وهي التي قال النبيّ، ﷺ: ان فيها أرواح الكفّار والمنافقين، وهي بئر عاديّة قديمة عميقة في فلاة وواد مظلم.
وعن عليّ، ﵁، قال: ابغض البقاع إلى اللّه تعالى وادي برهوت بحضرموت فيه بئر ماؤها أسود منتن يأوي إليه أرواح الكفّار.
وذكر الأصمعيّ عن رجل حضرميّ انّه قال: إنا نجد من ناحية برهوت رائحة منتنة فظيعة جدّا فيأتينا الخبر أن عظيما من عظماء الكفّار مات.
وحكى رجل أنّه بات ليلة بوادي برهوت قال: فكنت أسمع طول الليل يا دومه يا دومه، فذكرت ذلك لبعض أهل العلم فقال: إن الملك الموكّل بأرواح الكفّار اسمه دومه.
وبها ماء الخنوثة؛ قال ابن الفقيه: بحضرموت ماء بينها وبين النّوب، من شربه يصير مخنّثا.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع