من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
جزيرة سكسار
جزيرة بعيدة عن العمران في بحر الجنوب، حكى يعقوب بن إسحاق السرّاج قال: رأيت رجلا في وجهه خموش، فسألته عن ذلك، فقال: خرجنا في مركب فألقتنا الريح إلى جزيرة لم نقدر أن نبرح عنها، فأتانا قوم وجوههم وجوه الكلاب وسائر بدنهم كبدن الناس، فسبق إلينا واحد ووقف الآخرون فساقنا إلى منازلهم، فإذا فيها جماجم الناس وأسوقهم وأذرعهم، فأدخلنا بيتا فإذا فيه إنسان أصابه مثل ما أصابنا، فجعلوا يأتوننا بالفواكه والمأكول، فقال لنا الرجل: إنّما يطعمونكم لتسمنوا فمن سمن أكلوه، قال: فكنت أقصّر في الأكل حتى لا أسمن، فأكلوا الكلّ وتركوني وذاك الرجل لأني كنت أقصّر في الأكل حتى لا أسمن، فأكلوا الكلّ وتركوني وذاك الرجل لأني كنت نحيفا والرجل كان عليلا، فقال لي الرجل: قد حضر لهم عيد يخرجون إليه بأجمعهم ويمكثون ثلاثا، فإن أردت النجاة فانج بنفسك! وأمّا أنا فقد ذهبت رجلاي لا يمكنني الذهاب. واعلم أنّهم أسرع شيء طلبا وأشدّ اشتياقا وأعرف بالأثر، إلّا من دخل تحت شجرة كذا فإنّهم لا يطلبونه ولا يقدرون عليه. قال: فخرجت أسير ليلا وأكمن النهار تحت الشجرة، فلمّا كان اليوم الثالث رجعوا، وكانوا يقصّون أثري، فدخلت تحت الشجرة فانقطعوا عني ورجعوا فأمنت.
حكى الرجل المخموش وقال: بينا أنا أسير في تلك الجزيرة إذ رفعت لي
أشجار كثيرة فانتهيت إليها، فإذا بها من كلّ الفواكه، وتحتها رجال كأحسن ما يكون صورة، فقعدت عندهم لا أفهم كلامهم ولا يفهمون كلامي، فبينا أنا جالس معهم إذ وضع أحدهم يده على عاتقي، فإذا هو على رقبتي ولوى رجليه عليّ وأنهضني، فجعلت أعالجه لأطرحه فخمشني في وجهي، فجعلت أدور به على الأشجار وهو يقطف ثمرها يأكل ويرمي إلى أصحابه وهم يضحكون، فبينا أنا أسير به في وسط الأشجار إذ أصاب عينيه عيدان الأشجار فعمي، فعمدت إلى شيء من العنب وأتيت نقرة في صخرة عصرته فيها، ثمّ أشرت إليه أن اكرع فكرع منها، فتحلّلت رجلاه فرميت به، فأثر الخموش من ذلك في وجهي.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع