تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

جابرسا

مدينة بأقصى بلاد المشرق، عن ابن عبّاس، ﵁، قال: إن بأقصى المشرق مدينة اسمها جابرس، أهلها من ولد ثمود، وبأقصى المغرب مدينة اسمها جابلق أهلها من ولد عاد، ففي كلّ واحد بقايا من الأمّتين. يقول اليهود: إن أولاد موسى، ﵇، هربوا في حرب بخت نصّر، فسيّرهم اللّه تعالى وأنزلهم بجابرس، وهم سكّان ذلك الموضع لا يصل إليهم أحد ولا يحصى عددهم.

وعن ابن عبّاس، ﵁، أن النبيّ، ﷺ، في ليلة أسري به قال لجبريل، ﵇: إني أحبّ أن أرى القوم الذين قال اللّه تعالى فيهم: ومن قوم موسى أمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون. فقال جبريل، ﵇: بينك وبينهم مسيرة ستّ سنين ذاهبا وستّ سنين راجعا، وبينك وبينهم نهر من رمل يجري كجري السهم، لا يقف إلّا يوم السبت، لكن سل ربّك، فدعا النبي، ﷺ، وأمّن جبريل، ﵇، فأوحى اللّه إلى جبريل أن أجبه إلى ما سأل، فركب البراق وخطا خطوات، فإذا هو بين أظهر القوم، فسلّم عليهم فسألوه: من أنت؟ فقال: أنا النبيّ الاميّ! فقالوا: نعم، أنت الذي بشّر بك موسى، ﵇، وإن أمّتك لولا ذنوبها لصافحتها الملائكة، قال رسول اللّه، ﷺ: رأيت قبورهم على باب دورهم فقلت لهم: لم ذاك؟ قالوا: لنذكر الموت صباحا ومساء، وإن لم نفعل ذلك ما نذكر إلّا وقتا بعد وقت! فقال، ﷺ: ما لي أرى بنيانكم مستويا؟ قالوا: لئلّا يشرف بعضنا على بعض،

ولئلّا يسدّ بعضنا الهواء عن بعض. فقال، ﷺ: ما لي لا أرى فيكم سلطانا ولا قاضيا؟ فقالوا: أنصف بعضنا بعضا، وأعطينا الحقّ من أنفسنا، فلم نحتج إلى أحد ينصف بيننا، فقال، ﷺ: ما لأسواقكم خالية؟ فقالوا: نزرع جميعا ونحصد جميعا، فيأخذ كلّ رجل منّا ما يكفيه ويدع الباقي لأخيه. فقال، ﷺ: ما لي أرى هؤلاء القوم يضحكون؟ قالوا: مات لهم ميت! قال: ولم يضحكون؟ قالوا:

سرورا بأنّه قبض على التوحيد! قال، ﷺ: وما لهؤلاء يبكون؟ قالوا: ولد لهم مولود وهم لا يدرون على أيّ دين يقبض. قال، ﷺ: إذا ولد لكم مولود ذكر ماذا تصنعون؟ قالوا: نصوم للّه شهرا شكرا. قال: وإن ولدت لكم أنثى؟ قالوا: نصوم للّه شهرين شكرا، لأنّ موسى، ﵇، أخبرنا أن الصبر على الأنثى أعظم أجرا من الصبر على الذكر. قال، ﷺ: أفتزنون؟ قالوا: وهل يفعل ذلك أحد إلّا حصبته السماء من فوقه، وخسفت به الأرض من تحته؟ قال: افتربون؟ قالوا: إنّما يربي من لا يؤمن رزق اللّه! قال: أفتمرضون؟ قالوا: لا نذنب ولا نمرض وإنّما تمرض أمّتك ليكون كفّارة لذنوبهم. قال، ﷺ: أفلكم سباع وهوام؟ قالوا: نعم تمرّ بنا ونمرّ بها فلا تؤذينا.

فعرض عليهم النبيّ. ﷺ، شريعته، فقالوا: كيف لنا بالحجّ وبيننا وبينه مسافة بعيدة؟ فدعا النبي، ﷺ، قال ابن عبّاس: تطوى لهم الأرض حتى يحجّ من يحجّ منهم مع الناس.

قال: فلمّا أصبح النبيّ، ﷺ، أخبر من حضر من قومه، وكان فيهم أبو بكر، ﵁، قال: إن قوم موسى بخير، فعلم اللّه تعالى ما في قلوبهم فأنزل: وممّن خلقنا أمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون. فصام أبو بكر شهرا واعتق عبدا، إذ لم يفضل اللّه أمة موسى على أمّة محمّد، ﷺ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.