تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

بلاد الحبشة

هي أرض واسعة شمالها الخليج البربري، وجنوبها البرّ. وشرقها الزنج، وغربها البجة. الحرّ بها شديد جدّا، وسواد لونهم لشدّة الاحتراق، وأكثر أهلها نصاري يعاقبة، والمسلمون بها قليل. وهم من أكثر الناس عددا وأطولهم أرضا، لكن بلادهم قليلة وأكثر أرضهم صحارى لعدم الماء وقلّة الأمطار، وطعامهم الحنطة والدخن، وعندهم الموز والعنب والرمان، ولباسهم الجلود والقطن.

ومن الحيوانات العجيبة عندهم: الفيل والزرافة. ومركوبهم البقر، يركبونها بالسرج واللجام مقام الخيل، وعندهم من الفيلة الوحشيّة كثير وهم يصطادونها.

فأمّا الزرافة فإنّها تتولّد عندهم من الناقة الحبشيّة والضبعان وبقر الوحش، يقال لها بالفارسيّة «اشتركاوپلنك» رأسها كرأس الإبل، وقرنها كقرن البقر، وأسنانها كأسنانه، وجلدها كجلد النمر، وقوائمها كقوائم البعير، وأظلافها كأظلاف البقر، وذنبها كذنب الظباء، ورقبتها طويلة جدّا، ويداها طويلتان ورجلاها قصيرتان.

وحكى طيماث الحكيم أنّه بجانب الجنوب، قرب خطّ الاستواء في الصيف، تجتمع حيوانات مختلفة الأنواع على مصانع الماء من شدّة العطش والحرّ، فيسفد نوع غير نوعه فتولد حيوانات غريبة مثل الزرافة، فإنّها من الناقة الحبشيّة والبقرة الوحشيّة والضبعان، وذلك أن الضبعان يسفد الناقة الحبشيّة فتأتي بولد عجيب من الضبعان والناقة، فإن كان ذلك الولد ذكرا ويسفد البقرة الوحشيّة أتت بالزرافة.

ولهم ملك مطاع يقال له أبرهة بن الصبّاح. ولمّا مات ذو يزن، وهو آخر الأذواء من ملوك اليمن، استولى الحبشة على اليمن، وكان عليها أبرهة من قبل النجاشي، فلمّا دنا موسم الحجّ رأى الناس يجهزّون للحجّ، فسأل عن ذلك، فقالوا: هؤلاء يحجّون بيت اللّه بمكّة. قال: فما هو؟ قالوا: بيت من حجارة.

قال: لأبنينّ لكم بيتا خيرا منه! فبنى بيتا من الرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلّاه بالذهب والفضّة ورصّعه بالجواهر، وجعل أبوابه من صفائح من ذهب، وجعل للبيت سدنة ودخنه بالمندليّ، وأمر الناس بحجّه وسمّاه القليّس، وكتب إلى النجاشي: إني بنيت لك كنيسة ما لأحد من الملوك مثلها! أريد أصرف إليه حجّ العرب. فسمع بذلك رجل من بني مالك بن كنانة، انتهز الفرصة حتى وجدها خالية، فقعد فيها ولطخها بالنجاسة.

فلّا عرف أبرهة ذلك اغتاظ وآلى أن يمشي إلى مكّة، ويخرّب الكعبة غيظا على العرب. فجمع عساكره من الحبشة ومعه اثنا عشر فيلا، فلمّا دنا من مكّة أمر أصحابه بالتأهّب والغارة، فأصابوا مائتي إبل لعبد المطّلب، جدّ رسول اللّه، ﷺ. وبعث أبرهة رسولا إلى مكّة يقول:

إني ما جئت لقتالكم إلّا أن تقاتلوني! وإنّما جئت لخراب هذا البيت والانصراف عنكم! فقال عبد المطّلب، وهو رئيس مكّة إذ ذاك: ما لنا قوّة قتالك وللبيت ربّ يحفظه، هو بيت اللّه ومبنى خليله! فذهب عبد المطّلب إليه، فقيل له:

إنّه صاحب عير مكّة وسيّد قريش، فأدخله، وكان عبد المطّلب رجلا وسيما جسيما، فلمّا رآه أكرمه فقال له الترجمان: الملك يقول ما حاجتك؟ فقال:

حاجتي مائتا بعير أصابها. فقال أبرهة للترجمان: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، وقد زهدت فيك لأني جئت لهدم بيت هو دينك ودين آبائك! جئت ما تكلّمت فيه وتكلّمت في الإبل! فقال عبد المطّلب: أنا ربّ هذه العير، وللبيت ربّ سيمنعه! فردّ إليه إبله، فعاد عبد المطّلب وأخبر القوم بالحال، فهربوا وتفرّقوا في شعاب الجبال خوفا فأتى عبد المطّلب الكعبة وأخذ بحلقة الباب وقال:

جرّوا جميع بلادهموالفيل كي يسبوا عيالك!
عمدوا حماك بجهلهمكيدا وما رقبوا حلالك
لاهمّ إنّ المرء يمنع حلّه فامنع حلالك
لا يغلبنّ صليبهمومحالهم أبدا محالك
للشاعر عبد المطّلب بن هاشم، اقرأ القصيدة
إن كنت تاركهم وكعبتنا فأمر ما بدا لك!

وترك عبد المطّلب الحلقة وتوجّه مع قومه في بعض الوجوه، فالحبش قاموا بفيلهم قاصدين مكّة، فبعث اللّه من جانب البحر طيرا أبابيل مثل الخطّاف، مع كلّ طائر ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره على شكل الحمّص. فلمّا غشين القوم أرسلنها عليهم فلم تصب أحدا إلّا هلك، فذلك قوله تعالى: وأرسل عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجّيل، فجعلهم كعصف مأكول.

ومنها النجاشي الذي كان في عهد رسول اللّه، ﷺ، واسمه أصحمة، كان وليّا من أولياء اللّه يبعث إلى رسول اللّه الهدايا، والنبي، ﷺ، يقبلها. وفي يوم مات أخبر جبرائيل، ﵇، رسول اللّه بذلك مع بعد المسافة، وكان ذلك معجزة لرسول اللّه، ﷺ، في يوم موته، صلّى عليه الصلاة مع أصحابه وهو ببلاد الحبشة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.