تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

وبار

قال اللّيث: هو أرض بين اليمن وجبال يبرين من محالّ عاد، فلمّا أهلكوا أورث اللّه أرضهم الجنّ فلا يتقاربها أحد من الناس.

قال أهل السير: هي مسمّاة بوبار بن ارم بن سام بن نوح، ﵇، وهي ما بين الشّحر إلى صنعاء زهاء ثلاثمائة فرسخ في مثلها.

قال أحمد بن محمّد الهمذاني: وبار كانت أكثر الأرضين خيرا وأخصبها ضياعا وأكثرها شجرا ومياها وثمرا، فكثرت بها القبائل وعظمت أموالهم، وكانوا ذوي أجسام فأشروا وبطروا لم يعرفوا حقّ نعم اللّه تعالى عليهم، فبدّل اللّه تعالى خلقهم وصيّرهم نسناسا، لأحدهم نصف رأس ونصف وجه وعين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة، فخرجوا يرعون في تلك الغياض على شاطئ البحر كما ترعى البهائم، وهم فيما بين وبار وأرض الشّحر وأطراف اليمن، يفسدون الزرع فيصيدهم أهل تلك الديار بالكلاب، ينفّرونهم عن زروعهم وحدائقهم.

حكى ابن الكيس النمري قال: كنّا في رفقة أضللنا الطريق، فوقعنا في غيضة على ساحل البحر لا يدرك طرفاه، فإذا أنا بشيخ طويل كالنخلة، له

نصف رأس ونصف بدن وعين واحدة ويد واحدة ورجل واحدة، فأسرع مثل حضر الفرس العتيق وهو يقول:

فررت من جور الشّراة شدّاإذ لم أجد من الفرار بدّا
قد كنت دهرا في شبابي جلدافها أنا اليوم ضعيف جدّا

زعم العرب أن سكّان أرض وبار جنّ، ولا يدخلها إنسي أصلا، فإن دخلها غالطا أو عامدا حثوا في وجهه التراب، فإن أبى إلّا الدخول خبّلوه أو قتلوه، أو ضلّ فيها ولا يعرف له خبر، ولهذا قال الفرزدق:

ولقد ضللت أباك تطلب دارماكضلال ملتمس طريق وبار
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «فاسأل هوازن إن عند سراتهم»
لا تهتدي به أبدا ولو بعثت بهبسبيل واردة ولا آثار

منها الإبل الحوشية، تزعم العرب أنّها التي ضربها إبل الجنّ، وهي إبل لم ير أحسن منها؛ قال الشاعر:

كأني على حوشيّة أو نعامةلها نسب في الطّير أو هي طائر

حكي أن رجلا من أهل اليمن يوما رأى في إبله فحلا كأنّه كوكب بياضا وحسنا، فأقرّه فيها حتى ضرب إبله، فلمّا لقحها لم يره حتى كان العام المقبل، وقد نتجت النوق أولادا لم ير أحسن منها، وهكذا في السنة الثانية والثالثة. فلمّا ألقحها وأراد الانصراف هدر فاتبعه سائر ولده، فتبعها الرجل حتى وصل إلى أرض وبار، فرأى هناك أرضا عظيمة وبها من الإبل الحوشية والبقر والحمير والظباء ما لا يحصى كثرة، ورأى نخلا كثيرا حاملا وغير حامل، والتمر ملقى حول النخل قديما وحديثا بعضه على بعض، ولم ير أحدا من الناس، فبينا هو كذلك إذ أتاه آت من الجنّ وقال له: ما وقوفك هاهنا؟ فقصّ عليه قصّته وما كان من الإبل، فقال له: لو كنت فعلت ذلك على معرفة لقتلتك!

وإياك والمعاودة، فإن ذاك لفحل من إبلنا، عمد إلى أولاده فجاء بها. وأعطاه جملا، وقال: انج بنفسك وهذا الجمل لك.

قالوا: إن النجائب المهريّة من نسل ذلك الجمل.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.