تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

الشام

هي من الفرات إلى العريش طولا، ومن جبلي طيّء إلى بحر الروم عرضا؛ عن رسول اللّه، ﷺ: الشام صفوة اللّه من بلاده وإليها يجتبي صفوته من عباده.

عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص انّه قال: قسم الخير عشرة أقسام، جعلت تسعة في الشام وقسم في سائر الأرض، وقسم الشرّ عشرة أعشار، جزء منها بالشام والباقي في جميع الأرض.

والشام هي الأرض المقدسة التي جعلها اللّه منزل الأنبياء ومهبط الوحي ومحلّ الأنبياء والأولياء. هواؤها طيّب وماؤها عذب وأهلها أحسن الناس خلقا وخلقا وزيّا وريّا؛ قال البحتري:

عنيت بشرق الأرض قدما وغربهاأجوّب في آفاقها وأسيرها
للشاعر البحتري، من قصيدة «نصب إلى طيب العراق وحسنها»
فلم أر مثل الشّام دار إقامةلراح أغاديها وكأس أديرها
للشاعر البحتري، من قصيدة «نصب إلى طيب العراق وحسنها»
مصحّة أبدان ونزهة أعينولهو نفوس دائم وسرورها
للشاعر البحتري، من قصيدة «نصب إلى طيب العراق وحسنها»
مقدّسة جاد الرّبيع بلادهاففي كلّ أرض روضة وغديرها
للشاعر البحتري، من قصيدة «نصب إلى طيب العراق وحسنها»

ومن خواص الشام أن لا تخلو عن الأولياء الأبدال الذين يرحم اللّه ويعفو بدعائهم، لا يزيدون على السبعين ولا ينقصون عنها، كلّما مات واحد منهم قام من الناس بدله، ولا يسكنون إلّا جبل اللّكّام!

ومن خواصها الطاءات الثلاث: الطعن والطاعون والطاعة. أمّا طاعونها فنعوذ باللّه منه، وأمّا طعنها فمشهور أن أجنادها شجعان، وأمّا طاعتها للسلطان فممّا يضرب به المثل حتى قيل: إنّما تمشّى الأمر لمعاوية لأنّه كان في أطوع جند، وعليّ كان في أعصى جند وهم أهل العراق!

وبالشام من أنواع الفواكه في غاية الحسن والطيب، وتفاحها كان يحمل إلى العراق لأجل الخلفاء. وكذلك الزيت الركابي فإنّه في عاية الصفاء، وأهل الشام ينسبون إلى الجلافة وقلّة الفطنة!

حكى ابن أبي ليلى أنّه كان يساير رجلا من وجوه أهل الشام، فمرّ بحمّال معه سلّة رمّان فأخذ منها رمّانة جعلها في كمّه، فتعجبت من ذلك ثمّ رجعت إلى نفسي وكذبت بصري حتى مرّ بسائل فقير، فأخرجها من كمّه وأعطاه، فعلمت أني رأيتها وسألته عن ذلك، فقال: أما علمت أن الأخذ سيئة واحدة والإعطاء عشر حسنات فكسبت تسعة؟

قال صاحب تحفة الغرائب: في بادية الشام شجرة إذا نظر الناظر إليها رأى أوراقها كالسرج المشعولة، وكلّما كان الليل أظلم كان الضوء أشدّ. وإذا هشّ الورق لا يرى شيء من الضوء.

وحكى عبد الرحمن القشيري أن امرأة شريك بن خباسة قالت: خرجنا مع عمر بن الخطّاب إلى الشام، فنزلنا موضعا يقال له القليب، فذهب شريك ليستقي فوقعت دلوه في البئر، فلم يقدر على أخذها لزحمة الناس، فأخّر إلى الليل وأبطأ، فأخبر عمر فأقام ثلاثا، فإذا شريك أقبل ومعه ورقة خضراء فقال:

يا أمير المؤمنين، إني وجدت في القليب سربا، فأتاني آت فأخرجني إلى أرض لا تشبه أرضكم وبساتين لا تشبه بساتينكم، فتناولت منه شيئا فقال لي: ليس هذا أوان ذلك! فأخذت هذه الورقة فإذا هي يواريها الكفّ ويشتمل بها الرجل من شجرة التين. فدعا عمر كعب الأحبار وقال: هل وجدت في شيء من الكتب أن رجلا من أمّتنا يدخل الجنّة ثمّ يخرج؟ قال: نعم وإن كان أنبأتك به! فقال: هو في القوم! فتأمّلهم ثمّ أشار إليه، فجعل شعار بني نمير أخضر من ذلك اليوم.

بها جبل السّمّاق، وهو جبل عظيم من أعمال حلب، يشتمل على مدن وقرى أكثرها للاسماعيليّة. وانّه منبت السمّاق وهو مكان طيّب نزه. من عجائبه أنّه ذو بساتين ومزارع كلّها عذي، فينبت جميع الفواكه والحبوب في الحسن والطراوة كالمسقويّ حتى المشمش والقطن والسمسم.

وحكي أن نور الدين صاحب الشام أنكر ملك الإسماعيليّة في وسط بلاده، فجاءه قاصدا أخذه، فلمّا نزل عليه في ليلته الأولى أصبح فرأى عند رأسه رقعة وسكّينا، وكان في الرقعة: إن لم ترحل الليلة الآتية تكون هذه السكين في بطنك! فارتحل عنه.

وبها طور سينا بين الشام ووادي القريتين بقرب مدين، وقال بعضهم:

بقرب أيلة. كان عليه الخطاب الثاني لموسى، ﵇، عند خروجه من مصر ببني إسرائيل. وكان موسى إذا جاءه ينزل عليه غمام فيدخل في ذلك الغمام ويكلّمه ربّه، وهو الجبل الذي ذكره اللّه تعالى حيث قال: فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكّا وخرّ موسى صعقا.

وانّه لا يخلو من الصلحاء، وحجارته كيف كسرت خرج منها صورة شجر العلّيق.

طور هارون في قبليّ بيت المقدس، وإنّما سمّي طور هارون لأن موسى، ﵇، بعد قتل عبدة العجل أراد المضي إلى مناجاة ربّه، فقال له هارون،

﵇: احملني معك فإني لست آمن أن يحدث ببني إسرائيل بعدك حدث، فتغضب عليّ مرّة أخرى! فحمله معه، فلمّا كانا ببعض الطريق إذا هما برجلين يحفران قبرا، فوقفا عليهما وقالا: لمن تحفران هذا القبر؟ فقالا: لأشبه الناس بهذا الرجل! وأشارا إلى هارون ثمّ قالا له: بحقّ إلهك الا نزلت وأبصرت هل هو واسع؟ فنزع هارون ثيابه ودفعها إلى موسى ونزل ونام فيه، فقبض روحه من ساعته وانضمّ القبر! فانصرف موسى باكيا حزينا، فاتّهمه بنو إسرائيل بقتله، فدعا اللّه تعالى موسى حتى أراهم هارون في فضاء على رأس ذلك الجبل، ثمّ غاب عنهم فسمّي طور هارون.

وبها جبل لبنان وهو مطلّ على حمص، به أنواع الفواكه والزروع من غير أن يزرعها أحد، يأوي إليه الابدال لا يخلو عنهم أبدا لما فيه من القوت الحلال، وفي تفاحه أعجوبة وهي انّه يحمل إلى الشام وليست له رائحة حتى يتوسّط نهر الثلج، فإذا توسّط النهر فاحت رائحته.

وبها نهر الذهب، يزعم أهل حلب انّه وادي بطنان، ومن عجائبه ان أوّله يباع بالميزان وآخره بالكيل. ومعنى هذا الكلام أن أوّله يزرع عليه القطن وسائر الحبوب، وآخره وهو ما فضل من الزروع ينصبّ إلى بطيحة طولها فرسخان في عرض مثله، فيجمد هناك ويصير ملحا يمتار منه أكثر نواحي الشام فيباع كيلا.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الثالث

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.