من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
طرسوس
مدينة بين أنطاكية وحلب. مدينة جليلة سمّيت بطرسوس بن الروم بن اليقن بن سام بن نوح، ﵇؛ قالوا: لمّا وصل الرشيد إليها جدّد عماراتها وشقّ نهرها. ولها سور وخندق.
قال محمّد بن أحمد الهمذاني: لم تزل طرسوس موطن الزّهّاد والصالحين لأنّها كانت بين ثغور المسلمين، إلى أن قصدها فغفور ملك الروم سنة أربع وخمسين وثلاثمائة في عسكر عظيم، وكان فيها رجل من قبل سيف الدولة يقال له ابن الزيات عجز عن مقاومة الروم، سلّم إليهم على الأمان على شرط أن من خرج منها متاعه لم يتعرّض، ومن أراد المقام مع أداء الجزية فعل. فلمّا دخل الكفّار المدينة خرّبوا مساجدها، وأخذوا من السلاح والأموال ما كان جمع فيها من أيّام بني أميّة، وأخذ كلّ واحد من النصارى دار رجل من المسلمين، ولم يطلق لصاحبها إلّا حمل الخفّ، واحتوى على جميع ما فيها، وتقاعد
بالمسلمين أمهات أولادهم. فمنهن من منعت الرجل ولده واتّصلت بأهلها فيأتي الرجل إلى معسكر الروم ويودع ولده باكيا، ولم تزل طرسوس في أيديهم إلى هذه الغاية.
بها موضع زعموا أنّه من حمى الجنّ، نزل به المأمون لمّا غزا الروم.
وكان هناك عين ماؤها في غاية الصفاء، وكان المأمون جالسا على طرفها فرأى في الماء سمكة مقدار ذراع فأمر بإخراجها، فأخرجوها فإذا هي سمكة في غاية الحسن بيضاء مثل الفضّة، فوثبت وعادت إلى الماء فوقعت رشاشات الماء على ثياب المأمون، فغضب وأمر بإخراجها مرّة أخرى فأخرجوها والمأمون ينظر إليها ويقول: الساعة نشويك! ثمّ أمر بشيّها فأتى المأمون على المكان قشعريرة، فأتى صاحب طبخه بالسمكة مشوية وهو لم يقدر على تناول شيء منها، واشتدّ الأمر به حتى مات. قال الشاعر:
هل رأيت النّجوم أغنت عن المأمون في عزّ ملكه المأسوس
غادروه بعرصتي طرسوسمثل ما غادروا أباه بطوس
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع