تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

أفشنة

قرية من ناحية خرميثن من ضياع بخارى، قال أبو عبيد الجوزجاني:

حدّثني أستاذي أبو عليّ الحسين بن عبد اللّه بن سينا أن أباه كان من بلخ، انتقل إلى بخارى في زمن نوح بن نصر الساماني، وتصرّف في الأعمال وتزوّج بأفشنة فولدت بها، وطالعي السرطان والمشتري والزهرة فيه، والقمر وعطارد في السنبلة، والمريخ في العقرب، والشمس في الأسد، وكان المشتري في السرطان على درجة الشرف والشعرى مع الرأس على درجة الطالع، فكانت الكواكب كلّها في الحظوظ؛ قال: فلمّا بلغت سنّ التمييز سلّمني إلى معلّم القرآن ثمّ إلى معلّم الأدب، فكان كلّ شيء قرأه الصبيان على الأديب احفظه، والذي كلّفني أستاذي كتاب الصفات وكتاب غريب المصنّف، ثمّ أدب الكتّاب ثمّ إصلاح المنطق ثمّ كتاب العين ثمّ شعر الحماسة ثمّ ديوان ابن الرومي، ثمّ تصريف المازني ثمّ نحو سيبويه، فحفظت تلك الكتب في سنة ونصف، ولولا تعويق الأستاذ

لحفظتها بدون ذلك، وهذا مع حفظي وظائف الصبيان في المكتب. فلمّا بلغت عشر سنين كانوا في بخارى يتعجّبون مني، ثمّ شرعت في الفقه، فلمّا بلغت اثنتي عشرة سنة صرت أفتي في بخارى على مذهب أبي حنيفة، ثمّ شرعت في علم الطبّ وصنّفت القانون وأنا ابن ستّ عشرة سنة، فمرض نوح بن نصر الساماني فجمعوا الأطباء لمعالجته فجمعوني أيضا معهم، فرأوا معالجتي خيرا من معالجات كلّهم، فصلح على يديّ، فسألت أن يوصي لخازن كتبه أن يعيرني كلّ كتاب طلبت ففعل، فرأيت في خزانته كتب الحكمة من تصانيف أبي نصر بن طرخان الفارابي، فاشتغلت بتحصيل الحكمة ليلا ونهارا حتى حصلتها. فلمّا انتهى عمري إلى أربع وعشرين كنت أفكّر في نفسي أنّه لا شيء من العلوم لا أعرفه.

إلى ههنا نقل الجوزجاني عن الشيخ الرئيس. وحكى غيره أن دولة السامانية لمّا انقرضت صارت مملكة ما وراء النهر لبني سبكتكين، فلمّا ولّي السلطان محمود سعى الحسّاد إلى السلطان في حقّ أبي عليّ، فهرب من بخارى إلى خراسان واجتمع بصاحب نسا فإنّه كان ملكا حكيما، فأكرمه فعرّف أعداؤه السلطان انّه عند صاحب نسا؛ فقال لوزيره: اكتب إلى صاحب نسا ان ابعث إلينا رأس أبي عليّ! فكتب إلى صاحب نسا: ان كان أبو عليّ عندك فابعده سريعا! وكتب بعد يوم على يد قاصد آخر ان ابعث إلينا رأس أبي عليّ. فلمّا وصل القاصد الأوّل أبعده، فلمّا وصل الثاني قال: إنّه كان عندنا فمشى منذ مدّة!

فعزم أبو عليّ طبرستان خدمة شمس المعالي قابوس بن وشمكير، وكان ملكا فاضلا حكيما، فلمّا ورد طبرستان كان قابوس محبوسا في قلعة، فأتى أرض الجبال مملكة آل بويه خائفا، فورد همذان وقصد فصّادا يفصد الناس.

فطلب يوما لفصد امرأة فلمّا رآها قال: الفصد لا يصلح لها، وأبى. فطلبوا غيره فلمّا فصدها غشي عليها فقالوا لأبي عليّ: كنت أنت مصيبا فدبّر أمرها.

فوصف شيئا من المقويات فصلحت، فتعجّبوا من ذكائه وقالوا: إنّه طبيب جيد.

ومرضت امرأة من بنات الملوك وعجز الأطباء عن علاجها، فرآها أبو عليّ

وقال: مرضها العشق! فأنكرت المرأة. قال أبو عليّ: إن شئتم أعيّن لكم من تعشقه! اذكروا أسامي من يكون صالحا لذلك، وأنا أجسّ نبضها! فلمّا ذكروا اسم معشوقها اضطرب نبضها وتغيّر حالها، فعرف ذلك منها. قالوا:

فما علاجها؟ قال: ان العشق تمكّن منها تمكّنا شديدا، إن لم تزوّجوها تتلف!

فاشتهر عند أهل همذان انّه طبيب جيّد، حتى جاء ناس من بخارى خدموا لأبي عليّ خدمة الملوك. فسأل أهل همذان عنهم فقالوا: هذا أبو عليّ بن سينا.

فعرف بهمذان، وذكروا أن شمس الدولة صاحب همذان كان مبتلى بالقولنج، فعالجه أبو عليّ، فاستوزره شمس الدولة فبقي في وزارته مدّة، وكانت دولة آل بويه متزلزلة بين أولاد الأعمام يحارب بعضهم بعضا، فلقي من الوزارة تعبا شديدا حتى نهب داره وكتبه. فلمّا مات شمس الدولة وجلس ابنه مكانه، استعفى أبو عليّ عن الوزارة واتّصل بعلاء الدولة صاحب أصفهان، وكان ملكا حكيما أكرم مثواه، وكان عنده إلى أن فارق الدنيا سنة ثمان وعشرين وأربعمائة عن ثمان وخمسين سنة ودفن بهمذان.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الرابع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.