تجاوز إلى المحتوى

من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

ما وراء النهر

يراد به ما وراء نهر جيحون. من أنزه النواحي وأخصبها وأكثرها خيرا.

وليس بها موضع خال عن العمارة من مدينة أو قرى أو مزارع أو مراع. هواؤها أصحّ الأهوية ومياهها أعذب المياه وأخفّها، والمياه العذبة عمّت جميع جبالها وضواحيها، وترابها أطيب الأتربة، وبلادها بخارى وسمرقند وجند وخجند.

وأهلها أهل الخير والصلاح في الدين والعلم والسماحة، فإن الناس في أكثر ما وراء النهر كأنّهم في دار واحدة، وما ينزل أحد بأحد إلّا كأنّه نزل بدار نفسه من غريب وبلدي. وهمّة كلّ امرئ منهم على الجود والسماح فيما ملكت يده من غير سابقة معرفة أو توقع مكافأة.

حكى الإصطخري انّه نزل منزلا بالصغد، فرأى دارا ضربت الأوتاد على بابها، فقالوا: إن ذلك الباب لم يغلق منذ زيادة على مائة سنة، ولم يمنع من دخوله وأصل ليلا ولا نهارا! والغالب عليهم بناء الرباطات وعمارة الطرق، والوقف على سبيل الجهاد وأهل العلم، وليس بها قرية ولا منهل ولا مفازة إلّا وبها من الرباطات ما يفضل عن نزول من طرقه. وقال: بلغني أن بما وراء النهر أكثر من عشرة آلاف رباط، في أكثرها إذا نزل الناس به طعام لهم وعلف لدوابّهم إن احتاجوا.

وجميع ما وراء النهر ثغر من حدود خوارزم إلى اسبيجاب، وهناك الترك الغزّية من اسبيجاب إلى فرغانة الترك الخلخية، ولم يزل ما وراء النهر على هذه الصفة إلى أن ملكها خوارزم شاه محمّد بن تكش سنة ستمائة، وطرد الخطاة عنها وقتل ملوك ما وراء النهر المعروفين بالخانية، وكان في كلّ قطر ملك يحفظ جانبه، فلمّا استولى على جميع النواحي عجز عن ضبطها، فسلّط عليها عساكره حتى نهبوها وأجلى الناس عنها، فبقيت تلك الديار التي وصفت بالجنان لحسنها خاوية على عروشها، ومياهها مندفقة معطلة، وقد ورد عقيب ذلك عساكر التتر في سنة سبع عشرة وستمائة وخرّبوا بقاياها. والآن بقي بعض ما كان عليها. فسبحان من لا يعتريه التغيّر والزوال، وكلّ شيء سواه يتغيّر من حال إلى حال!

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الإقليم الخامس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.