تجاوز إلى المحتوى

من «جواهر البلاغة» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)

(٨-١) الفرق بين «إنْ، وإذا، ولو»

الأصل عدم جزم وقطع المتكلم بوقوع الشرط في المستقبل مع «إنْ».

كقوله تعالى: فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ فلكون مجيء الحسنة منه تعالى محققًا ذُكر هو والماضي مع «إذا»، وإنما كان ما ذُكر محققًا؛ لأن المراد بها مطلق الحسنة الشامل لأنواع كثيرة: من خِصب، ورخاء، وكثرة أولاد، كما يفهم من التعريف بأل الجنسية في لفظة «الحسنة» ولكون مجيء السيئة نادرًا ذُكر هو والمضارع مع «أن».

وإنما كان ما ذكر نادرًا؛ لأن المراد بها نوع قليل، وهو جدب وبلاء كما يُفهم من التنكير في «سيئة» على التقليل.

ولو: للشرط في الماضي مع الجزم والقطع بانتفائه، فيلزم انتفاء الجزاء. على أن الجزاء كان يمكن أن يقع لو وُجد الشرط، ويجب كون جملتيها فعليتين ماضويتين، نحو: لو أتقنت عملك لبلغت أملك.

وتسمى «لو» حرف امتناع لامتناع، كقوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا ونحو: وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ؛ أي انتفت هدايته إياكم بسبب انتفاء مشيئته لها.

تنبيهات

الأول: عُلم مما تقدم أن المقصود بالذات من الجملة الشرطية هو الجواب، فإذا قلت: «إن اجتهد فريد كافأته» كنت مخبرًا بأنك ستكافئه، ولكن في حال حصول الاجتهاد، لا في عموم الأحوال.

ويتفرع على هذا أنها تعد خبرية أو إنشائية باعتبار جوابها.

(أ) كالتجاهل، نحو قول المعتذر: «إن كنت فعلت هذا فعن خطأ.»

(ب) وكتنزيل المخاطب العالم منزلة الجاهل لمخالفته مقتضى علمه، كقولك للمتكبر توبيخًا له: «إن كنت من تراب فلا تفتخر.»

(جـ) وكتغليب غير المتصف بالشرط على المتصف به، كما إذا كان السفر قطعيَّ الحصول لسعيد، غير قطعي لخليل، فتقول: «إن سافرتما كان كذا.»

(أ) منها: الإشعار بأن الشك في ذلك الشرط لا ينبغي أن يكون مشكوكًا فيه، بل ينبغي أن يكون مجزومًا به، نحو: «إذا كثر المطر في هذا العام أخصب الناس.»

(ب) ومنها: تغليب المتصف بالشرط على غير المتصف به، نحو: «إذا لم تسافر كان كذا»؛ وهلم جرًّا من عكس الأغراض التي سبقت.

الثالث: لما كانت «إنْ» و«إذا» لتعليق الجزاء على حصول الشرط في المستقبل وجب أن يكون شرط وجزاء كل منهما جملة فعلية استقبالية لفظًا ومعنًى، كقوله تعالى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ .

ونحو:

والنفس راغبة إذا رغَّبتَهاوإذا تُرَدُّ إلى قليل تَقْنَعُ
للشاعر ابن الجياب الغرناطي، اقرأ القصيدة

(أ) منها: التفاؤل، نحو: «إنْ عشت فعلت الخير».

(ب) ومنها: تخيُّل إظهار غير الحاصل «وهو الاستقبال» في صورة الحاصل «وهو الماضي»، نحو: «إنْ مت كان ميراثي للفقراء».

(أ) كالإشارة إلى أن المضارع الذي دخلت عليه يُقصَد استمراره فيما مضى، وقتًا بعد وقت، وحصوله مرة بعد أخرى، كقوله تعالى: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ .

(ب) وكتنزيل المضارع منزلة الماضي؛ لصدوره عمن المستقبل عنده كالماضي في تحقق الوقوع، ولا تخلف في أخباره، كقوله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ .

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في الإطلاق والتقييد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.