تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن جبير» لابن جبير (ت ٦١٤هـ)

ذكر مصر والقاهرة

فأول ما نبدأ بذكره منها الآثار والمشاهد المباركة التي ببركتها يمسكها الله ﷿:

فمن ذلك المشهد العظيم الشأن الذي بمدينة القاهرة حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵄، وهو في تابوت فضة مدفون تحت الأرض قد بني عليه بنيان حفيل يقصر الوصف عنه ولا يحيط الإدراك به، مجلل بأنواع الديباج، محفوف بأمثال العمد الكبار شمعا أبيض ومنه ما هو دون ذلك، قد وضع أكثرها في أتوار فضة خالصة ومنها مذهبة، وعلقت عليه قناديل فضة، وحفّ أعلاه كله بأمثال التفافيح ذهبا في مصنع شبيه الروضة يقيد الأبصار حسنا وجمالا، فيه من أنواع الرخام المجزّع الغريب الصنعة البديع الترصيع ما لا يتخيله المتخيلون ولا يلحق أدنى وصفه الواصفون.

والمدخل الى هذه الروضة على مسجد على مثالها في التأنق والغرابة، حيطانه كلها رخام على الصفة المذكورة، وعن يمين الروضة المذكورة وشمالها بيتان من كليهما المدخل اليها وهما أيضا على تلك الصفة بعينها. والأستار البديعة الصنعة من الديباج معلّقة على الجميع.

ومن اعجب ما شاهدناه في دخولنا الى هذا المسجد المبارك حجر موضوع في الجدار الذي يستقبله الداخل شديد السواد والبصيص، يصف الأشخاص كلها

كأنه المرآة الهندية الحديثة الصقل. وشاهدنا من استلام الناس للقبر المبارك، واحداقهم به وانكبابهم عليه وتمسحهم بالكسوة التي عليه وطوافهم حوله مزدحمين باكين متوسلين الى الله ﷾ ببركة التربة المقدسة، ومتضرّعين ما يذيب الأكباد ويصدع الجماد. والأمر فيه أعظم، ومرأى الحال أهول، نفعنا الله ببركة ذلك المشهد الكريم. وانما وقع الإلماع بنبذة من صفته مستدلا على ما وراء ذلك اذ لا ينبغي لعاقل أن يتصدى لوصفه لأنه يقف موقف التقصير والعجز. وبالجملة فما أظن في الوجود كله مصنعا أحفل منه، ولا مرأى من البناء أعجب ولا ابدع، قدّس الله العضو الكريم الذي فيه بمنّه وكرمه.

وفي ليلة اليوم المذكور بتنا بالجبانة المعروفة بالقرافة، وهي أيضا إحدى عجائب الدنيا لما تحتوي عليه من مشاهد الأنبياء صلوات الله عليهم، وأهل البيت رضوان الله عليهم، والصحابة والتابعين والعلماء والزّهاد والأولياء ذوي الكرامات الشهيرة والأنباء الغريبة. وإنما ذكرنا منها ما أمكنتنا مشاهدته.

فمنها قبر ابن النبي صالح، وقبر روبيل بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم أجمعين، وقبر آسية امرأة فرعون ﵂، ومشاهد اهل البيت ﵃ أجمعين، مشاهد أربعة عشر من الرجال، وخمس من النساء. وعلى كل واحد منها بناء حفل. فهي بأسرها روضات بديعة الإتقان عجيبة البنيان، قد وكل بها قومة يسكنون فيها ويحفظونها. ومنظرها منظر عجيب، والجرايات متّصلة لقوامها في كل شهر.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «رحلة ابن جبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.