تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن جبير» لابن جبير (ت ٦١٤هـ)

مشاهد الأئمة العلماء الزهاد

مشهد الإمام الشافعي ﵁، وهو من المشاهد العظيمة احتفالا واتساعا. وبني بإزائه مدرسة لم يعمر بهذه البلاد مثلها، لا أوسع مساحة ولا أحفل بناء، يخيل لمن يطوف عليها أنها بلد مستقل بذاته، بإزائها الحمّام، الى غير ذلك من مرافقها، والبناء فيها حتى الساعة، والنفقة عليها لا تحصى.

تولى ذلك بنفسه الشيخ الإمام الزاهد العالم المعروف بنجم الدين الخبوشاني وسلطان هذه الجهات صلاح الدين يسمح له بذلك كله، ويقول: زد احتفالا وتأنقا وعلينا القيام بمؤونة ذلك كله، فسبحان الذي جعله صلاح دينه كاسمه.

ولقينا هذا الرجل الخبوشاني المذكور تبركا بدعائه لأنه قد كان ذكر لنا امره بالأندلس. فألفيناه في مسجده بالقاهرة وفي البيت الذي يسكنه داخل المسجد المذكور، وهو بيت ضيق الفناء، فدعا لنا، وانصرفنا ولم نلق من رجال مصر سواه. مشهد المزني صاحب الإمام الشافعي ﵁، مشهد أشهب صاحب مالك ﵁، مشهد عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك ﵄، مشهد أصبغ صاحب مالك ﵄، مشهد القاضي عبد الوهاب ﵁، مشهد عبد الله بن عبد الحكم ومحمد بن عبد الله بن

عبد الحكم ﵄، مشهد الفقيه الواعظ الزاهد أبي الحسن الدينوري ﵁، مشهد بنان العابد ﵁، مشهد الرجل الصالح العابد الزاهد المعروف بصاحب الإبريق، وقصته عجيبة في الكرامة، مشهد بأبي مسلم الخولاني ﵁، مشهد المرأة الصالحة المعروفة بالعيناء ﵂، مشهد الروذباري ﵁، مشهد محمد بن مسعود بن محمد بن هارون الرشيد المعروف بالسبتي ﵁، مشهد الرجل الصالح مقبل الحبشي ﵁، مشهد ذي النون بن ابراهيم المصري ﵁، مشهد القاضي الأنباري، قبر الناطق الذي سمع عند وضعه في لحده يقول: اللهم انزلني منزلا مباركا وانت خير المنزلين، ﵁، مشهد العروس ولها أثر من الكرامة في حال جلوتها على زوجها لم يسمع أعجب منه، مشهد الصامت الذي يحكى عنه انه لم يتكلم أربعين سنة، مشهد العصافيري، مشهد عبد العزيز بن أحمد بن علي بن الحسن الخوارزمي، مشهد الفقيه الواعظ الأفضل الجوهري ومشاهد أصحابه بازائه ﵃ أجمعين، مشهد شقران شيخ ذي النون المصري، مشهد الرجل الصالح المعروف بالأقطع المغربي، مشهد المقرئ ورش، مشهد الطبري، مشهد شيبان الراعي.

والمشاهد الكريمة بها أكثر من أن تضبط بالتقييد أو تتحصل بالإحصاء وانما ذكرنا منها ما أمكنتنا مشاهدته.

وبقبلة القرافة المذكورة بسيط متسع يعرف بموضع قبور الشهداء، وهم الذين استشهدوا مع سارية رضي الله عن جميعهم. والبسيط المذكور مسنم كله للعيان على مثال أسنمة القبور دون بناء. ومن العجب أن القرافة المذكورة كلها مساجد مبنية ومشاهد معمورة يأوي اليها الغرباء والعلماء والصلحاء والفقراء، والاجراء على كل موضع منها متصل من قبل السلطان في كل شهر، والمدارس التي بمصر والقاهرة كذلك، وحقق عندنا أن الإجراء على ذلك كله نيف على الفي دينار مصرية في الشهر، وهي أربعة آلاف دينار مؤمنية.

وذكر لنا أن لجامع عمرو بن العاص بمصر من الفائد نحو الثلاثين دينارا مصرية في كل يوم تتفرق في مصالحه ومرتبات قومته وسدنته وأئمته والقراء فيه.

ومما شاهدناه بالقاهرة أربعة جوامع حفيلة البنيان أنيقة الصنعة الى مساجد عدة.

وفي أحد الجوامع الخطبة اليوم، ويأخذ الخطيب فيها مأخذ سنّي يجمع فيها الدعاء للصحابة، ﵃، وللتابعين ومن سواهم ولأمهات المؤمنين زوجات النبي ﷺ، ولعميه الكريمين حمزة والعباس، ﵄، ويلطف الوعظ ويرقق التذكير حتى تخشع القلوب القاسية وتتفجر العيون الجامدة. ويأتي للخطبة لابسا السواد على رسم العباسية. وصفة لباسه بردة سوداء عليها طيلسان شرب أسود، وهو الذي يسمى بالمغرب الإحرام، وعمامة سوداء، متقلدا سيفا. وعند صعوده المنبر يضرب بنعل سيفه المنبر في أول ارتقائه ضربة يسمع بها الحاضرين كأنها ايذان بالإنصات، وفي توسطه أخرى، وفي انتهاء صعوده ثالثة. ثم يسلم على الحاضرين يمينا وشمالا ويقف بين رايتين سوداوين فيهما تجزيع بياض قد ركزتا في أعلى المنبر.

ودعاؤه في هذا التاريخ للإمام العباسي أبي العباس أحمد الناصر لدين الله ابن الإمام أبي محمد الحسن المستضيء بالله ابن الإمام أبي المظفّر يوسف المستنجد بالله، ثم لمحيي دولته أبي المظفر يوسف بن أيوب صلاح الدين، ثم لأخيه ولي عهده أبي بكر سيف الدين.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «رحلة ابن جبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.