من «أخبار الصين والهند» لأبي زيد السيرافي (ت بعد ٣٣٠هـ)
أسماء ملوكهم وعادتهم في الملك
واسم ملوكهم على قدر الجاه وكبر المدائن، فما كان من مدينة صغيرة يسمّى ملكها طوسنج، ومعنى طوسنج أقام المدينة، وما
كان من مدينة مثل خانفو قاسم ملكها ديفو، والخصىّ يدعى الطوقام وخصيانهم منهم مسلولون، وقاضي القضاة يقال له لقشى مامكون ونحو هذا من الأسماء مما لا نضبطه.
وليس يملك أحد منهم لأقلّ من أربعين سنة، يقولون: قد حنّكته التجارب.
والملوك الصغار إذا قعد أحدهم يقعد في مدينته على كرسيّ في بهو عظيم، وبين يديه كرسيّ وترفع إليه الكتب التي فيها أحكام الناس، ومن وراء الملك رجل قائم يدعى لينجون اذا زلّ الملك في شى ممّا يأمر به وأخطأ ردّه، وليس يعبئون بالكلام ممّن يرفع اليهم دون أن يكتبه في كتاب، وقبل أن يدخل صاحب القصّة على الملك ينظر في كتابه رجل قائم بباب الدار ينظر في كتب الناس، فإن كان فيها خطأ ردّه، فليس يكتب إلى الملك الّا كاتب يعرف الحكم ويكتب الكاتب في الكتاب: كتبه فلان بن فلان، فان كان فيه خطأ رجع إلى الكاتب اللّوم فيضرب بالخشب، وليس يقعد الملك للحكم حتى يأكل ويشرب لئلا يغلط، وأرزاق كل ملك من بيت مال مدينته.
فأمّا الملك الأكبر فلا يرى إلّا في كل عشرة أشهر، يقول إذا رآني النّاس استخفوا بيّ، والرّئاسات لا تقوم الّا بالتجبّر، وذلك أن العامة لا تعرف العدل فينبغي أن يستعمل معهم التجبّر لنعظم عندها.
وليس على أرضهم خراج ولكن عليهم جزية على الجماجم الذكور حسبما يرون من الأحوال، وان كان بها أحد من العرب أو غيرهم أخذ منه جزية ماله ليحرز ماله.
وإذا غلا السعر أخرج السلطان من خزائنه الطعام فباعه بأرخص من سعر السوق، فلا يبقى عندهم غلا، والذي يدخل بيت المال إنما هو من الجزية التي على رؤوسهم، وأظن أن الذي يدخل بيت مال خانفو في كل يوم خمسون ألف دينار على أنّها ليست بأعظم مدائنهم.
ويختصّ الملك من المعادن بالملح، وحشيش، يشربونه بالماء الحارّ، ويباع منه في كل مدينة بمال عظيم، ويقال له الساخ وهو أكثر ورقا من الرطبة وأطيب قليلا وفيه مرارة فيغلى الماء ويذرّ عليه، فهو ينفعهم من كل شيء.
وجميع ما يدخل بيت المال الجزية والملح وهذا الحشيش.
وفي كل مدينة شى يدعى الدّرا وهو جرس على رأس ملك تلك المدينة مربوط بخيط ماد على ظهر الطريق للعامة كافة، وبين الملك وبينه نحو من فرسخ، فاذا حرّك الخيط الممدود أدنى حركة تحرّك
الجرس، فمن كانت له ظلامة حرّك هذا الخيط فيتحرك الجرس منه على رأس الملك فيؤذن له بالدخول حتى ينهي حاله بنفسه ويشرح ظلامته، وجميع البلاد فيها مثل ذلك.
ومن أراد سفرا من بعضها الى بعض أخذ كتابين من الملك ومن الخصّى، أما كتاب الملك فللطريق باسم الرجل واسم من معه وكم عمره وعمر من معه، ومن أي قبيلة هو، وجميع من ببلاد الصين من أهلها ومن العرب وغيرهم لابد لهم أن ينتموا الى شيء يعرفون به، وأما كتاب الخصّى فبالمال وما معه من المتاع، وذلك لأنّ في طريقهم مسالح ينظرون في الكتابين، فإذا ورد عليهم الوارد كتبوا: ورد علينا فلان بن فلان الفلاني في يوم كذا، وشهر كذا وسنة كذا ومعه كذا، لئلا يذهب من مال الرجل ولا من متاعه شئ ضياعا، فمتى ما ذهب منه شئ أو مات، علم كيف ذهب، وردّ عليه أو على ورثته من بعده.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٩م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع