من «أخبار الصين والهند» لأبي زيد السيرافي (ت بعد ٣٣٠هـ)
تكذيب المؤلف لخرافة أكل الموتى الطعام
ووجدت جميع ما حكى في الكتاب على سبيل حق وصدق، إلّا ما ذكر فيه من الطّعام الذي يقدّمه أهل الصين إلى الموتى منهم وانه إذا وضع بالليل عند الميت أصبحوا فلم يوجد وادعوا انه يأكله، فقد كان بلغنا هذا حتى ورد علينا من ناحيتهم من وثقنا بخبره فسألناه عن ذلك فأنكره، وقال: هى دعوى لا أصل لها كدعوى أهل الأوثان انّها تكلمهم.
وقد تغيّر بعد هذا التاريخ أمر الصين خاصّة، وحدثت فيه حوادث انقطع لها الجهاز اليهم وخرب البلد وزالت رسومه وتفرق أمره وأنا أشرح ما وقفت عليه من السّبب في ذلك إن شاء الله:
السبب في تغيّر أمر الصين عما كان عليه من الاحكام والعدل
وانقطاع الجهاز اليه من سيراف: انّ نابغا نبغ فيهم من غير بيت الملك يعرف ببابشو وكان مبتدا أمره الشطارة والفتوّة وحمل السلاح والعيث واجتماع السفهاء إليه حتى اشتدت شوكته وكثر عدده واستحكم طمعه، فقصد خانفو من بين مدن الصين، وهى المدينة التي يقصدها تجّار العرب، وبينها وبين البحر مسيرة أيام يسيرة، وهى على واد عظيم وماء عذب، فامتنع أهلها عليه فحاصرهم مدّة طويلة، وذلك في سنة اربع وستين ومائتين إلى أن ظفر بها، فوضع السيف في أهلها، فذكر أهل الخبرة بأمورهم: انّه قتل من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس سوى من قتل من أهل الصين مائة وعشرون ألف رجل كانوا تبؤوا بهذه المدينة فصاروا بها تجارا، وانما عرف مقدار عدد هذه الملل الأربع لتحصيل أهل الصّين بعددهم، وقطع ما كان فيه من شجر التّوت وسائر الأشجار، وذكرنا شجر التّوت خصوصا لاعداد أهل الصين ورقه لدود القزّ حتى يلف الدود، فصار سببا لانقطاع الحرير خاصّة عن بلاد العرب.
ثم قصد بعد تخريب خانفو إلى بلد بلد فأخربه، وعجز ملك الصين عنه إلى أن قارب مدينة الملك وتعرف بخمدان فهرب الملك
منه إلى مدينة بمذو متاخمة لبلاد التبت فأقام بها، ودامت أيام هذا النابغ وعظم شأنه، وكان قصده ووكده خراب المدن وقتل أهلها إذ لم يكن من بيت ملك ومن يطمع في اتّساق الأمر له، فبلغ من ذلك مبلغا فسد به أمر الصّين إلى وقتنا هذا، ولم تزل تلك حال هذا النابغ الى أن كتب ملك الصين الى ملك التغزغز من بلاد الترك وبينهم مجاورة ومصاهرة ووجّه إليه رسلا يسأله كشف هذا الرجل عنه فأنفد ملك التغزغز ابنا له إلى هذا النابغ في عدد كثير وجموع وافرة فأزاله بعد حروب متصلة ووقائع عظيمة، فزعم قوم انه قتل، وزعم آخرون انّه مات، وعاد ملك الصّين إلى بلده المعروف بخمدان وقد أخربه عليه وعلى سبيل ضعف في نفسه ونقص في أمواله وهلاك قوّاده وصناديد رجاله وكفاته، وغلب مع ذلك على كل ناحية متغلب منع من أموالها وتمسّك بما في يده منها، فدعت ملك الصّين الضرورة لقصور يده إلى قبول العفو منهم بإظهار الطاعة والدعاء له دون السمع والطاعة في الأموال، وما كان من الملوك ينفذ فيه، فصارت بلاد الصّين على سبيل ما جرت عليه أحوال الأكاسرة عند قتل الاسكندر لدارا الكبير وقسّمته أرض فارس على ملوك الطوائف، وصار بعضهم يعضد بعضا للمغالبة بغير أذن الملك ولا أمره، فاذا أناخ القوىّ منهم على الضعيف تغلّب على بلاده واجتاح ما فيه وأكل ناسه كلهم، وذلك مباح لهم في شريعتهم لأنهم يتبايعون لحوم الناس في اسواقهم، وامتدت أيديهم مع ذلك الى ظلم من قصدهم من التجار.
ولما حدث هذا فيهم التأم اليه ظهور الظلم والتعدى في نواخذة العرب وأرباب المراكب فألزموا التجار ما لا يجب عليهم وغلبوهم على أموالهم واستجازوا ما لم يجر الرسم به قديما في شيء من أفعالهم، فنزع الله جلّ ذكره البركات منهم جميعا ومنع البحر جانبه ووقع الفناء بالمقدار الجاري من المدبّر تبارك اسمه في الربابنة والادلاء»
بسيراف وعمان.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٩م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع