تجاوز إلى المحتوى

من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)

ذكر المشهور من المدن والعمائر من بلاد مصر إلى آخر بلاد المغرب حسب المعرفة إن شاء الله تعالى

الصفحة ١ من ٣

نجعل ذلك على قسمين: فالبلاد الساحلية أو ما يقرب من الساحل بمرحلة ونحوها بجهة؛ والبلاد التى تبعد من الساحل بمرحلة أو نحوها بجهة، ونضيف إليها ما كان فى الصحراء منها.

فمن مدينة الإسكندرية على الساحل عمائر كثيرة للعرب ولقبائل من البربر سكنوا فى تلك الأحياء إلى مدينة سرت. ومدينة سرت مدينة كبيرة قديمة على ساحل البحر، وأهلها أخس الناس خلقا وأسوأهم معاملة، لا يبيعون ولا يبتاعون إلا بسعر قد اتفقوا عليه. وربما نزل المركب بساحلهم موسوقا بالزيت، وهم أحوج الناس إليه، فيعمدون إلى الزقاق الفارغة فينفخونها ويصففونها فى حوانيتهم، ليرى أهل المركب أن الزيت عندهم كثير بائر. فلو أقام أهل المركب ما شاء الله أن يقيموا، ما باعوا منهم إلا على حكمهم. وهم يعرفون بعبيد قرلة ويغضبون لذلك.

ذكر بلاد إفريقية وما فيها من العجائب وذكر البلاد الساحلية منها والصحراوية وذكر ما فيها من الآثار مدينة أطرابلس

فأول مدن إفريقية على الساحل مدينة أطرابلس. وهى مدينة كبيرة أزلية على ساحل البحر، والبحر يضرب فى سورها»

، وسورها من حجر جليل من صنعة الأولين. وقيل إن تفسير أطرابلس مدن، وقيل مدينة أياس.

وبها سوق حافلة وحمامات كثيرة وبساتين فى شرقها، وهى كثيرة الفواكه جمة الخيرات، وأكثر أهلها تجار يسافرون برا وبحرا، ولهم سمح فى تجاراتهم، وهم أحسن الناس معاملة ضد أهل سرت. وداخل سورها بئر يعرف ببئر أبى الكنود، يقال إنه من شرب منه يحمق فهم يعيرون به؛ يقال للرجل منهم إذا أتى بما يلام عليه: لا عتب عليك لأنك شربت من بئر أبى الكنود.

ومن أطرابلس إلى نفوسة أيام، وطرف هذا الجبل الخارج فى البحر هو طرف أو ثان، ما بين أطرابلس والإسكندرية، وهو الطرف الذي إذا عدته المراكب استبشرت بالسلامة. وهذه المدينة تعد من بلاد إفريقية، وسنذكر ما ورد فيها من الآثار والله المستعان.

قال الناظر كان فى مدينة أطرابلس المذكورة رجل غزى اسمه قراقوش استند إلى ذروة هذا الأمر العزيز- أيد الله دوامه-

بعد شرود وفرار كان منه، وأسلم لأوليائه وآلائه، وساعد غاويا شقيا لفظه البحر من جزيرة ميورقة- فتحها الله- ولم تزل سعادته مخلصة من تلك الورطات، إلى أن هلك الشقى الميورقى، وأناب قراقوش إلى حزب التوحيد، فغلب على طرابلس وأخرج منها المستولى عليها أبا زبا الفارسى، وهو ثائر الزاب المذكور فى الأراجيز. قال الضبى:

وثائر الزاب إن حلت عساكرهبأرض سوسة ضاقت بالورى الحيل

فأدرك أهل علم الحدثان اسما مركبا من الزاى والباء، فقالوا ثائر الزاب، لعلمهم بموضع ثورته وجهلهم باسمه، حتى أبرز الأمر العزيز أبا زبا فى الزاب. فلما توجه الخليفة أبو يوسف رضه لفتح بلاد إفريقية سنة [-]، خاطبه أبو زبا ضارعا راغبا فى الصلح والقبول، ثم نكث واستبد بطرابلس حتى أناب قراقوش وصح توحيده، فأخرجه منها وبعثه مقيدا، فحل بحضرة مراكش سنة [-]؛ ونحن الآن فى شهر رجب الفرد سنة [- يوليه- أغسطس]، وكلمة التوحيد والهداية فى بلاد الصحراء متصلة من طرابلس إلى مدينة غانة وكوكو.

قيل وإنما سميت إفريقية لأن قوما من الأفارق سكنوها، وهم أولاد فاروق بن مضر من العرب العاربة؛ وزعموا أن إفريقية اسم ملكة ملكت إفريقية؛ وقيل إنها إبريقية. وحد إفريقية طولا من برقة شرقا إلى مدينة طنجة غربا، وعرضها من البحر إلى الرمال التى هى حاجز بين بلاد

إفريقية وبلاد السودان، وهى جبال من الرمال من المشرق إلى المغرب؛ وفيها يصاد الفنك الذي لا يوجد لجلده مثال. وجاء فى حديث رسول الله ﷺ: «ينقطع الجهاد من جميع الجهات ولا يبقى إلا ببلاد إفريقية، فبينما القوم بإزاء عدوهم نظروا إلى الجبال قد سيرت فيخرون لله سجدا فلا ينزع أطمارهم عنهم إلا أزواجهم من الحور العين». وروى عنه ﷺ أنه بعث سرية فى سبيل الله، فلما قفلوا منها، شكوا شدة برد أصابهم، فقال رسول الله ﷺ:

«لكن إفريقية أكثر بردا وأعظم أجرا». وبإفريقية فى هذا الوقت من أبناء الإمام الخليفة وحفدته السادات النجباء- أدام الله نصرهم- ما تمهدت به أكنافها وعمرت لهم أوساطها وأطرافها؛ ولكن الشقى يحيى بن اسحاق، صنو الشقى على متوغل فى صحاريها، وقراقوش متصيد له متوثب عليه؛ والله سبحانه ولى التوفيق بمنه وكرمه.

مدينة قابس: وتعد أيضا من بلاد الجريد، بينها وبين طرابلس أيام، وهى مدينة كبيرة قديمة أزلية وعليها سور صخر جليل من بناء الأول، ولها حصن حصين وأرباض واسعة؛ وفيها فنادق وحمامات؛ وقد أحاط بجميعها خندق كبير يجرون إليه الماء إذا خافوا من نزول عدو إليهم فيكون أمنع شىء.

ولها واد يسقى بساتينها وأرباضها ومزارعها؛ وأصل هذا الوادى من عين خرارة

فى جبل بين القبلة والمغرب، وهو يصب فى البحر. وبين مدينة قابس وبين البحر نحو أميال وجناتها أكثر إلى البحر، وهى كثيرة الثمار والموز بها كثير وليس بإفريقية موز إلا فيها؛ وفيها شجر التوت كثير ويربى بها الحرير، وحريرها أطيب الحرير وأرقه وليس يعمل بإفريقية حرير إلا بها. وهى مدينة فخيرة بحرية صحراوية، والحصراء منها قريبة، فيقال إنه ما اجتمع فى مائدة رجل أشياء متضادة المواضع إلا فى مائدة من يسكن قابس: يجتمع فيها الحوت الطرى ولحم الغزال الطرى والرطب الجنى. فهى حاضرة هذا الإقليم وقطبه وروحه وقلبه، ومركز دائرته التى عليها يدور محيطه وبالاستناد إليه يتمهد رحبه، والله يعصمنا بعزته.

ذكر مدينة القيروان وكيفية وضعها سنة من الهجرة

ولى معاوية بن أبى سفيان عقبة بن نافع القرشى على إفريقية فافتتحها فى آلاف من المسلمين، ووضع السيف وأفنى من بها من النصارى. ثم قال، إنى أرى إفريقية إذا دخلها إمام تحرموا بالإسلام، فإذا خرج عنها رجع كل من أجاب منهم عن دين الله، فهل لكم يا معشر المسلمين أن تتخذوا مدينة تكون لكم عز الأبد. فأجابه الناس واتفقوا على أن يكون أهلها مرابطين فيها؛ وقالوا نقربها من البحر ليتم الجهاد والرباط. فقال لهم عقبة: نخاف من ملك القسطنطينية؛ فاتفق رأيهم على موضعها، فقال: قربوها من السبخة

فإن أكثر دوابكم الإبل، تكون إبلكم على بابها فى مراعيها آمنة من البربر.

فدعا ما كان فى الغيضة من الوحوش والهوام، وقال اخرجوا بإذن الله فخرج كل ما كان فيها حتى لم يبق من الحيوانات شئ؛ وهم ينظرون إليها.

وقال ابن الرقيق فى تاريخه: فبقيت القيروان سنة لم ير فيها خشاش ولا هوام.

وتنازعوا فى قبلة الجامع فبات عقبة مهموما، فرأى فى المنام قائلا يقول له: خذ اللواء بيدك فحيث ما سمعت التكبير فامش، فإذا انقطع التكبير فأركز اللواء فإنه موضع قبلتكم؛ ففعل عقبة ذلك فهو موضع القبلة، وهو محراب جامع القيروان إلى اليوم؛ وقد هدم حسان بن النعمان جامع القيروان وبناه حاشى المحراب فإنه تركه. ويقال إنه هدم وبنى مرات، كل وال يلى القيروان يريد أن يكون الجامع من بنيانه؛ وكانوا يتركون منه المحراب تبركا ببناء عقبة ﵀. ويقال إنه لما أراد معد بن إسماعيل بن عبيد الله الشيعى تحريف قبلة مسجد القيروان وذلك سنة [-] بلغه أهل القيروان يقولون إن الله ﷿ يمنعه منه بدعاء عقبة بن نافع الفاضل فى وقت تأسيسه الجامع.

فلما وصل ذلك إلى معد غضب، وأمر بنبش قبر عقبة بن نافع وإحراق رمته بالنار، وكان قبره بظاهر مدينة تهودا، حيث استشهد ﵀. وبعث معد لذلك ما بين فارس وراجل؛ قيل فلما دنوا من قبره وحاولوا ما أمرهم به، هبت عليهم ريح عاصفة ولاحت بروق خاطفة وقعقعت رعود قاصفة كادت تهلكهم، فأضربوا ولم يعرضوا له؛ فخافوا عقوبة معد فتاهوا فى صحارى إفريقية حتى سمعوا أنه هلك، فحينئذ أتوا إلى أوطانهم معتبرين مستبصرين. وبإزاء جامع القيروان الساريتان الحمراوان الموشاة بالصفرة، اللتان لم ير الراءون أحسن منها ولا مثلها؛ كانت فى كنيسة من كنائس الروم، فنقلها إلى جامع القيروان حسان بن النعمان؛ وهما مقابلتان المحراب، عليهما القبة المتصلة بالمحراب.

وبخارج مدينة القيروان ما جلا للماء، هى سقايات لأهل القيروان، منها ما بنى فى أيام هشام بن عبد الملك بن مروان وفى أيام غيره من الخلفاء؛ وأعظمها شأنا وأفخمها منصبا، الماجل الذي بناه أحمد بن الأغلب بباب تونس من القيروان، وهو متناهى الكبر وفى وسطه صومعة مثمنة، وفى أعلاها قبة مفتحة على أبواب، فإذا وقف الرامى على ضفته، ورمى بأشد ما يكون من القسى لا يدرك الصومعة التى فى وسطه. وكان على ذلك الماجل قصر عظيم فيه من البناء العجيب والغرف المشرفة على ذلك الماجل كل شئ غريب؛ ويمر فى هذا الماجل ماجل لطيف متصل به، يقع فيه ماء الوادى إذا جرى، فتنكسر فيه حدة جريانه، ثم يدخل الماجل الكبير. وهذا الوادى الذي يدخل الماجل إنما واد شتوى يجرى فى أيام الشتاء، فإذا امتلأ هذا الماجل وغيره من المواجل، شرب منه أهل القيروان ومواشيهم. ويرفع ماء هذا الماجل إلى أيام الصيف، فيكون ماؤه باردا عذبا صافيا لكثرة الماء فيه. وكان عبيد الله الشيعى يقول، رأيت بإفريقية شيئين ما رأيت مثلهما بالمشرق: الحفير الذي بباب تونس من القيروان، يعنى هذا الماجل الكبير، والقصر الذي برقادة المعروف بقصر البحر، والله ﷾ أعلم، وهو الموفق للصواب بمنه.

مدينة صبرة: وهى متصلة بمدينة القيروان، وهى مدينة كبيرة بناها إسماعيل وسماها المنصورة، وكانت لها جبايا كثيرة، يقال إنه كان يدخل أحد أبوابها كل يوم ألف درهم؛ والله أعلم بالصواب.

مدينة رقّادة: وهى من القيروان على أميال؛ وهى مدينة كبيرة دورها ذراع. وكانت أكثر بلاد إفريقية بساتين وفواكه، وليس بإفريقية أعدل هواء من رقادة ولا أرق نسيما، ولا أطيب تربة. يقال إن من دخلها لم يزل يضحك مستبشرا مسرورا من غير سبب. وذكر أن واحدا من ملوك بنى الأغلب كان قد أصابه أرق شديد، وشرد عنه النوم أياما، فعالجه اسحاق المتطبب، وهو الذي ينسب إليه الأطرفيل، فأمر الملك بالخروج والتنزه والمشى. قيل فلما وصل إلى موضع رقادة نام، فسميت رقادة من يومئذ، واتخذت موضع فرجة ومنتزها للملوك. ويقال إن الملك الذي بنى مدينة رقادة هو إبراهيم بن أحمد بن [محمد بن] الأغلب، فجعلها دار مملكته ومسكنه. قيل ومنع بيع النبيذ بمدينة القيروان وأباحه بمدينة رقادة بسبب جنده وعبيده، فقال فى ذلك بعض الشعراء:

يا سيّد الناس وابن سيّدهمومن إليه القلوب منقادة
ما حرّم الشرب فى مدينتناوهو حلال بأرض رقادة

وفيها بويع عبيد الله الشيعى، ذكره ابن الجزار فى تاريخه، والله أعلم.

مدينة سفاقس: هى مدينة أزلية عليها غابة كبيرة من الزيتون.

وزيتها أطيب من كل زيت إلا الشرقى، ومن الناس من يفضله عليه، ومنها

يمتار أهل إفريقية الزيت، وتحمله المراكب إلى بلاد الروم، وعليه معول أهل صقلية، وإبطالية، وأنكبوردة، وقلورية، وجميع سواحل الأرض الكبيرة، لكثرته وطيبه. وقد كانوا ملكوا هذه الجهات الساحلية إلى أن أخرجهم منها أمير المؤمنين سنة [-].

مدينة المهدية: وهى مدينة عظيمة بناها عبيد الله الشيعى إذ قام عليه [أبو] عبد الله الداعى وهو الذي أقامه ونصره، ودخل عليه سجلماسة وأخرجه من سجن ابن مدرار ثم استحال عليه، وأراد خلعه. وأعانه على ذلك أشياخ كتامة، وكان يقول للناس إنه هو يهودى وضعته مكان العلوى الفاطمى حتى يأتى، وأبحث عنه حتى أجده فإنه صاحب هذا الأمر، وقد آن وقته وخبرهما مشهور. وبين مدينة المهدية والقيروان ميلا، والبحر قد أحاط بمدينة المهدية من جميع جهاتها إلا من الجانب الغربى، وفيه بابها. ولها ربض كبير يسمى زويلة، وفيه الأسواق؛ وللمهدية أسواق مبنية بالصخر الجليل.

ولها بابان من حديد لا خشب فيهما زنة كل واحد منهما قنطار وطوله شبرا؛ وفيها صور الحيوان وهى من أعجب ما عمل فى الإسلام. وفى المهدية ماجلا لماء المطر سوى ما جرى إليها من القناة التى جلبها إليها عبيد الله من قرية مشانس، وهى على مقربة

من المهدية. وللمهدية مرسى للمراكب من عجائب العالم، فإنه منقور فى حجر صلد، يسع مركبا، وكان على المرسى برجين بينهما سلسلة حديد من أغرب ما عمل. وإذا أرادوا أن تدخل سفينة أو مركب، أرسل حراس البحر السلسلة حتى تدخل السفينة ثم مدوها كما كانت، وذلك تحصينا لئلا تتطرقها مراكب الروم من صقلية وغيرها، كما كان فى أيام الحسن الذي دخلها الروم عليه؛ وذلك مشهور فى جميع الأقطار.

ومن المهدية إلى قصر لخم، وهو المعروف بقصر الكاهنة، ميلا.

وذكر أن الكاهنة حصرها عدوها فى هذا القصر، فحفرت سربا فى صخرة صماء من هذا القصر إلى مدينة ملقطة يمشى فيه العدد الكثير، وبينهما ميلا. ويقال إن أخت الكاهنة كانت فى ملقطة، فكان الطعام يجلب إليها فى ذلك السرب على ظهور الدواب. وقصر لخم عجيب البنيان، قد بنى وأحكم بحجارة طول الحجر منها شبرا؛ وارتفاع القصر فى الهواء قامة. وهو من داخله كله مدرج إلى أعلاه؛ وأبوابه طاقات بعضها فوق بعض.

مدينة تماجر: هى بغرب المهدية، كبيرة أزلية فيها آثار للأول؛ وبينها وبين المهدية الوادى.

مدينة جلولا: مدينة قديمة أزلية لها حصن، وعين سرّة فى وسطها، وهى كثيرة البساتين والأشجار، غزيرة الفواكه والثمار والأزهار، والرياحين بها كثيرة جدا وأكثر رياحينها الياسمين؛ وبطيب عسلها يضرب المثل لكثرة ياسمينها وحرش نحلها له، وأكثر فواكه القيروان تجلب إليها من جلولا.

مدينة سوسة: مدينة أزلية قديمة فيها آثار للأول، وهى على ساحل البحر، وفيها بنيان عظيم يسمى الملعب، وهو من أغرب البنيان فيه أقباء معقودة بحجر النّشف الذي يطفو فوق الماء، المجلوب من بركان صقلية. وداخل سور المدينة هيكل عظيم يسميه البحريون الفنطاس، وهو أول ما يرون من البحر إذا قصدوا من صقلية وغيرها؛ وسوسة فى سند عال ترى دورها من بحر صقلية. وهى مخصوصة بكثير الأمتعة وجودة الثياب الرقاق، وقصارتها.

وجميع أشغال الثياب الرفيعة من طرزها، وكمدها لا يصنع ببلد مثل صنعته بهذه المدينة. والثياب السوسية معلومة لا يوجد لها نظير، لها بياض رائق وبصيص

لا يوجد فى غيرها. ومنها تجلب الثياب الرفيعة مثل عمائم المعمور وغيرها، تساوى منها العمامة دينار وأزيد؛ يحمله التجار إلى جميع البلاد شرقا وغربا؛ ويباع الغزل بها زنة المثقال بمثقالين.

ولحم سوسة من أطيب لحوم بلاد إفريقية لطيب مراعيها. وبالقرب منها محرس المنستير الذي جاء فى الأثر، وهو حصن عالى البناء متقن العمل، وفيه جماعة من الصالحين الذين حبسوا أنفسهم فيه منفردين عن الأهل والعشائر؛ وأهل تلك البلاد يخرجون إليهم الصدقات.

وبقربه نحو محارس متقنة البناء معمورة بالصالحين.

مدينة تونس: مدينة عظيمة بينها وبين القيروان مسيرة أيام؛ وبينها وبين البحر نحو أيام؛ وبينها وبين قرطاجنة نحو أميال ومرساهما واحد يسمى رادس. ويقال إن ببحر رادس خرق الخضر عم السفينة؛ وكان الملك المذكور فى القرآن، الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا، ملك قرطاجنة وكان يسمى ألجلندا. وبين المرسى وتونس بحيرة يقول أهل تونس إنها كانت [من] نحو سنة أرضا لهم، كثيرة الجنات والمياه والزرع طيبة الفواكه، فغلب عليها ماء البحر؛ وهم يعرفون موضع ضياعهم فيها إلى الآن. ومدينة تونس مدينة قديمة البناء لها سور عظيم ويدور بها حفير، يقال إن دورها ألف ذراع وبها جامع متقن البناء مليح الصنعة مطل على البحر، بناه عبيد الله بن الحبحاب هو ودار الصناعة، وأنفذ إليه البحر، وهو من عجائب الدنيا. ومدينة تونس فى سفح جبل، وبها مبان عجيبة، وأكثر عضادات أبواب دورهم رخام أبيض: لوحان قائمان وثالث معترض مكان العتبة.

ومن الأمثال بإفريقية: دور تونس أبوابها رخام وداخلها سخام. وهى دار علم

وفقه، وأهلها موصوفون بالقيام على الولاة؛ يعد لأهلها القيام على أمرائهم نحو ال مرة، لأنها أكثر البلاد باعة وغوغاء؛ وإن سلامتها من شقى ميورقة لمن براهين هذا الأمر العالى، وما ذلك إلا لسعادة سيدنا ومولانا أمير المؤمنين أيده الله.

وبالقرب من تونس بنحو ال أميال نهر كبير يسمى بجردة، وهو على الطريق إلى المغرب؛ ويقال إن من شرب من مائه قسى قلبه فأكثر الناس يجتنبون شربه. ومدينة تونس أشرف مدن إفريقية وأطيبها ثمرة وأنفسها فاكهة، فمن ذلك اللوز الفريك، يفرك بعضه بعضا دون أن تمسه يد لرقة بشرته، وكذلك الرمان والأترج والسفرجل والتين وجميع الفواكه؛ لا يوجد لها نظير.

وفيها من أجناس الحوت البحرى ما لا يحصى كثرة. وكان اسمها فى القديم ترشيش، وإنما سميت تونس فى أيام الإسلام. وذلك أن المسلمين إذ فتحوا إفريقية على الروم كانوا يضربون على بلادها، وكان بقرب ترشيش هذه صومعة راهب، فكانت سرايا المسلمين تنزل بإزاء تلك الصومعة، وتأنس بصوت الراهب، فيقولون هذه الصومعة تؤنس فلزمها هذا الاسم، فسميت تونس.

مدينة قرطاجنّة: بينها توبين ونس أميال ومرساهما واحد.

وهى من المدن المشهورة، فيها من الآثار وعجائب البنيان ما ليس فى بلد شرقا ولا غربا، وقيل لو دخلها إنسان ومشى فيها عمره يتأمل آثارها لرأى فيها كل يوم أعجوبة لم يرها قبل ذلك. ويقال إن ملكها كان ملكا عظيما جبارا، وكان ملك أكثر الأرض وكان يسمى أنبيل، فدخل بلاد الروم، وقتل ملوكها، وأخذ بلادهم، وبعث لقرطاجنة من خواتم الملوك الذين قتل أمداد. ويقال إنه نازل مدينة رومة الكبرى التى هى دار مملكة الروم،

فلما حاصرها وضيق على ملكها، وأفسد أقطارها، أرسل ملك رومة قائدا من قواده، فحشر من كان ببلاده من الروم والجيوش، وأمرهم بالوصول إلى بلاد إفريقية؛ ونزلوا على قرطاجنة ولم يكن فيها من يعاونهم، فأرسلوا إلى ملكهم أنبيل يعلمونه بما حل ببلادهم من البلاء من أهل رومة، ويسألونه الإسراع لأغاثتهم. قال فعجب من ذلك ملك قرطاجنة، وقال: أردت قطع رسم الرومانيين من الدنيا، وأظن إله السماء أراد غير ذلك. ثم رجع إلى بلاده مسرعا، فزحف إليه شبيون قائد صاحب رومة، فهزمه مرارا عديدة حتى قتله واستأصل عسكره، ودخل فى قرطاجنة فهدمها وأحرقها؛ وخرب المسلمون بقيتها وذلك مشهور. وليس يسكن منها الآن إلا قصر واحد، يسمى بالمعلّقة، وبناؤه من أغرب ما يكون من البناء، مفرط العظم والعلو، أقباء معقودة بعضها فوق بعض طبقات كثيرة؛ وهو مطل على البحر، وهو حصن عظيم.

وبقرطاجنة دار الملعب ويسميه أهل تلك البلاد بالطياطير، هو كله أقباء معقودة على سوارى رخام، وعليها مثلها نحو أربع مرات، وقد أحاطت بالدار. والدار دائرة من أغرب ما يكون من البناء، ولها أبواب كثيرة وقد صور على كل منها صورة نوع من الحيوان؛ وقد صور فى الحيطان صور جميع الصناع بأيديهم آلاتهم. وفى هذه الدار من الرخام ما لو أجمع أهل إفريقية على نقله ما قدروا عليه لكثرته. وكان فيها قصران يعرفان بالأختين، ليس فيهما حجر سوى الرخام، ورخام الواحد لا يشبه رخام الثانى؛ ويوجد فيها لوح رخام طوله شبرا وعرضه شبرا؛ ويقال إنه وجد فى غربيها بيت من لوح واحد. والناس ينقلون من رخام هذين القصرين، لحسنه على قديم الزمان، وما فرغ إلى الآن. وبهذين القصرين ماء مجلوب من ناحية الجوف لا يعرف منبعه؛ وكانت عليه نواعير وسواقى تسقى

بساتينهم. وكان بها قصر عظيم مطل على البحر يسمى قومس، وهو من أعجب ما فيها، لأنه مبنى على سوارى رخام مفرطة الكبر والعظم- يجلس على رأس السارية رجلا بينهم سفرة طعام أو شراب- وهى مشطبة، كالثلج بياضا، يكون دور السارية منها نحو ال شبرا فى علو مفرط، وعليها سوارى أخر معترضة. وقد بنى القصر على أقباء معقودة بعضها فوق بعض بأغرب صناعة وأحكم بناء، فكان هذا القصر حصنا وإنما هدم من عهد قريب؛ وذلك أنه تحصن فيه قوم من القطاع، فكانوا يقطعون بتلك الجهات، ويلجأون إليه، فخرج إليهم أهل تونس وقتلوهم وهدموا القصر.

وبقربه موضع فيه أقباء ودهاليز تحت الأرض يهاب الدخول فيها؛ وفيها جثث الموتى على حالها، فإذا مست تلاشت لقدمها.

وداخل ميناء المدينة تدخله المراكب بقلوعها. وفيها مواجل كثيرة للماء، وبعضها تسمى مواجل الشياطين، بسبب [أن] من يقرب منها يسمع فيها دويا. والناس يتقايسون فى الدخول فيها، فمن جسر على الدخول فيها، علم أنه جرئ قوى القلب. وقد دخلتها بالنهار مع أصحاب لى، فرأيت منظرا هائلا، من تكلم فيها بأدنى كلمة يسمع لها دوى عظيم؛ وأغرب ما رأيت فيها الماء باق إلى الآن. وليس يدخلها ماء المطر وذلك لاحكام سطوحها؛ وهى صهريجا منفوذة بعضها إلى بعض، فى ارتفاعها نحو ال ذراع، فى عرض كبير. وفيها من الماء نحو ال قيام، ولا يعلم من أين يدخل ذلك الماء. وكذلك ذكر أبو عبيد [الله] البكرى، فى كتاب المسالك والممالك، أن أغرب ما فى قرطاجنة الماء الذي فى المواجل المعروف بمواجل الشيطان، الذي لا يعلم له عهد.

ومن عجائب الدنيا بنيان القناة التى كان يأتى فيها الماء المجلوب من عين جفان إلى مدينة قرطاجنة على مسيرة أيام؛ وهى قناة عظيمة كان يأتى عليها ماء كثير ب أرحاء أو أكثر. وعرض القناة نحو أشبار، وارتفاع مائها

نحو القامة ونصف، تغيب مرة تحت الأرض فى المواضع المرتفعة، فإذا جازت على المواقع المنخفضة، تكون على قناطر فوقها قناطر حتى تساوى السحاب علوا، وهى من أغرب بنيان الأرض. وفى وسط المدينة صهريج كبير حوله، فى وقتنا هذا، نحو حنية سوى ما تهدم منها؛ وكان يقع فيه الماء المجلوب فى هذه القناة؛ ويخرج من هذا الصهريج إلى بعض تلك المواجل. ورأيت فى بعض أرجل تلك القناطر كتابة فى حجر، قيل إنها ترجمت فوجدت: «هذا من عمل أهل سمرقند»؛ فانظر إلى سعة مملكة هذا الملك الذي جلب هذا الماء، وقيل إن ذلك الماء جلب فى سنة، ولو قيل فى سنة لكان أعجب.

قال أبو جعفر أحمد بن ابراهيم المتطبب، فى كتاب مغازى إفريقية، إن موسى ابن نصير لما فتح جزيرة الأندلس، قال لهم: «دلونى على أسن شيخ عندكم».

قال، فأتى بشيخ قد رفعت حاجباه عن عينيه بعصابة من الكبر، قال له موسى:

«من أين أنت يا شيخ»، قال: «من إفريقية من مدينة قرطاجنة». فقال له موسى:

«فما الذي سيرك هنا وكيف كان خبر قرطاجنة»، قال له الشيخ: «بناها قوم من بقية العاديين، فسكنوها ما شاء الله، ثم خربت ألف سنة، فبناها أرمين الملك ابن الأزد بن نمرود الجبار، وجلب إليها الماء بالقناطر على الأودية، وشق لها الجبال حتى أوصلها إلى مدينة قرطاجنة، فسكنها قومى ما شاء الله أن يسكنوها، إلى أن حفر إنسان أساس تلك القناطر، فوجد حجر عليه كتابة هى:

«ان هذه المدينة ستخرب إذا ظهر فيها الملح». قال الشيخ فبينما نحن فى ندى قومنا جلوسا، إذا ملح على حجر قد عقد عليه؛ قال: «فتأملنا فإذا ذلك فى جميع المدينة، فعند ذلك رحلت إلى هنا». وروى الثقات عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم قال: «كنت أمشى مع عمى بقرطاجنة نتأمل آثارها، ونعتبر

عجائبها، فإذا بقبر عليه مكتوب بالحميرية: أنا عبد الله رسول الله صالح، بعثنى الله إلى أهل تلك القرية أدعوهم إلى الله، فقتلونى ظلما، فحسبهم الله وهو نعم الوكيل. فهذا لا شك خراب قرطاجنة.

مدينة بنزرت: هى مدينة على البحر، بينها وبين تونس نحو يومين، وفيها آثار للأول وسور صخر قديم، ولها نهر كبير يصب فى البحر، وفيه حوت كثير. وبالقرب منها بحيرة كبيرة تنسب إلى بنزرت، يدخل إليها ماء البحر، وهى ملحة وفيها من أنواع الحوت ما لا يحصى، يصطاد فيها فى كل شهر من الشهور الأعجمية نوع من الحوت لا يوجد ذلك النوع إلى ذلك الشهر بعينه فى العام القابل؛ ولها غلة عظيمة فإن منها يحمل الحوت إلى جميع بلاد إفريقية.

وأكثر حوت تونس إنما هو من بنزرت؛ وأجناس هذا الحوت وأنواعه تتصبر، فتبقى أعواما صحيحة الجرم لذيذة الطعم. وأكثر ما يتمكن من صيد الحوت ما بين البحر وهذه البحيرة، وذلك أن الحوت يتوالد فى البحر ويخرج منه صغيرا كالذر فيتربى فى هذه البحيرة، ثم يرجع فى وقت سفاده وولادته إلى البحر، فيصطاد فى البحر الذي بينهما؛ ومنه ما يصطاد بالنقّازة كما يصطاد الحمام. وهذه النقّازة، هى أنثى الحوت المعروف بالبورى. فيأتى التاجر إلى الصياد، فيتفق معه على عدد معلوم، فيخرج النقازة ويرسلها وقد ربط خيطا فى خرص وثيق فى شفتها؛ فتسير فى البحر ويتبعها بزورقه وشبكته، فتدور عليها الذكور فيطرح عليهم شبكته ويخرج ما قدر له؛ ويعيد أبدا حتى يستوفى أربه. وعلى مقربة من هذه البحيرة إلى جهة البر بحيرتان:

إحداهما حلوة والأخرى ملحة من غير أن يدخلها ماء البحر، تنصب كل واحدة منها بالأخرى ستة أشهر على التوالى لا يتغير لواحدة منها طعم، فلا الحلوة تصير ملحة ولا الملحة تصير حلوة.

مدينة طبرقة: هى مدينة قديمة فيها آثار كثيرة للأول، وهى على نهر كبير. بقرب البحر، تدخل السفن حتى إلى باب المدينة. وبالقرب منها مرسى الحزر، وهى مدينة قديمة قد أحاط بها البحر من كل جهة إلا مسلك لطيف، وربما قطعه البحر فى زمن الشتاء، وعليها سور قديم، وبها كانت تنشأ المراكب لغزو بلاد الروم. وفيها يخرج المرجان، ومنها يحمل إلى بلاد الدنيا.

وهناك قوم لهم مراكب وزوارق ليس لهم حرفة إلا إخراج المرجان من قعر البحر؛ وهو نبات مشجر له أغصان. وصورة إخراجه من البحر [أن] لهم خشبا قد صلب بعضها على بعض، ويلقون عليها جرات الكتان أو القنب، يثقلونها بمراسم، ويلقونها فى البحر ويمشون بالزوارق، فينجر ذلك الكتان على قعر البحر فينكسر المرجان ويتعلق بالكتان، فيتفقدونه ويأخذون ما تعلق منه. ويقال إن المرجان إذا كان فى قعر البحر إنما هو رطب لين فإذا مسه الهواء اشتد. ويخرج منه فى ذلك البحر كل سنة من القناطير؛ وهو أنفس مرجان الدنيا، وهو أنفق شىء بالهند والصين. ويكون فى بحر الزقاق بساحل قرية بليونش من قرى سبتة؛ وهو مثل هذا فى الطيب أو أجل، ويكون فى بحر الأندلس، ويكون فى بعض جزائر البحر الأخضر، وهذا أنفذها.

النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع