تجاوز إلى المحتوى

من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)

ذكر المشهور من المدن والعمائر من بلاد مصر إلى آخر بلاد المغرب حسب المعرفة إن شاء الله تعالى

الصفحة ٢ من ٣

وبالقرب من مدينة طبرقة، بينها وبين مدينة باجة، بحيرة عظيمة فى دورها نحو أربعين ميلا تصب فى البحر، ويصب البحر فيها، وماؤها لاملح ولاحلو وفيها أنواع كثيرة من الحوت. وبها بورى ليس له فى الدنيا نظير، يقال إنه يوجد فى الحوت الكبير منها أرطال وأزيد؛ وأهل تلك النواحى يستخرجون دهنه ويستعملونه فى مصابيحهم.

مدينة بونة: مدينة قديمة من بناء الأول وفيها آثار كثيرة؛ وهى على ربوة مشرفة على فحوصها وقراها؛ وهى من أنزه البلاد وأكثرها لبنا ولحما وعسلا وحوتا. والبحر يضرب فى سورها، وفيها بئر على ضفة البحر منقورة فى حجر صلد، ماؤها أعذب ماء وأنفقه؛ ومنها يشرب أكثر أهلها لعذوبة مائها. وبغرب هذه المدينة ماء سائح يسقى بساتينها وأرضها؛ وموضع جناتها منتزه حسن مشرف على البحر. ويطل على مدينة بونة جبل زغوغ وهو كثير الثلج والبرد، ومن العجائب أن فيه مسجدا قديما لا ينزل عليه شىء من ذلك الثلج؛ فإذا عم الثلج الجبل كله رأيت المسجد فى وسطه كأنه شامة. وبغربى مدينة بونة بركة فى دورها نحو أميال، وفيها سمك كثير جليل. وفيها طائر يعرف بالكيكل ويسمى بالحوّاص، وهو يعشش على وجه الماء ويفرخ، فإن أحس بحيوان أو إنسان يروم أخذه، رفع عشه بفراخه برجليه حتى يصيره فى وسط البركة حيث يأمن. وهو طائر حسن وهو الذي يسمى بمصر بالخواص، ويتخذ بمصر من جلوده ثياب للينها وجمالها؛ وتباع بالأثمان الغالية. ومرسى مدينة بونة يسمى مرسى الأزقاق، وهو من المراسى المشهورة. وبونة فى جون من البحر يسمى جون الأزقاق، وهو صعب، وفيه عطب مركب القيطانى ومركب الفخرى ومراكب كثيرة.

مدينة القلّ: مدينة قديمة فيها آثار كثيرة للأول من الروم؛ وهى على ضفة البحر، وهى مرسى مدينة القسطنطنية. وهى كثيرة الفواكه والخيرات والعنب فيها كثير، وفيها تفاح جليل؛ ولها نظر وجباية عظيمة وهى برية بحرية.

مدينة جيجل: مدينة قديمة على البحر وكان لها سور قديم يضرب البحر فيه؛ وهى على نظر كبير. وهى كثيرة العنب والتفاح والفواكه، ومنها تحمل الفواكه والعنب والرّب إلى مدينة بجاية. وعلى هذه المدينة جبل كتامة، ويسمى جبل زلدوى، وهو كثير الخصب فيه قبائل كثيرة من البربر؛ وفيه كانت دعوة [أبى] عبد الله الداعى. وبين جيجل وبجاية، على ساحل البحر؛ موضع يسمى بالمنصورية عليه جبل عظيم، مما يلى البر منه حافة مثل الحائط، فيها ثقب فى غلظ حجر الربع الموزون به، ينبعث منه ماء فى كل وقت من الأوقات المعهودة بالصلوات الخمس، يسمع قبل انبعاثه دوى كدوى الرحى الفارغة، ينبعث الماء هكذا ليلا ونهارا فى أوقات الصلاة خاصة.

أخبر بذلك من شاهده وسهر الليل كله.

مدينة بجاية: هى مدينة عظيمة على ضفة البحر، والبحر يضرب فى سورها. وهى محدثة من بناء ملوك صنهاجة، أصحاب قلعة أبى طويل، وتعرف بقلعة حماد اليوم. وكان سبب بنائها، أن العرب لما دخلوا إفريقية وأفسدوا القيروان وأكثر مدن إفريقية، هرب منهم صاحب القيروان الصنهاجى، وتحصن بمدينة المهدية. وكان ابن عمه صاحب القلعة، المنصور بن حماد، أشد

شوكة من صاحب القيروان وأكثر جيشا، فخرج لنصرة ابن عمه وجيش جيشا كبيرا. فلقيته العرب بجملتها بفحص سبيبة، على مقربة من القيروان، فكان بينهم يوم عظيم حتى هزم المنصور وقتل أخوه وأكثر صنهاجة. وذلك أن أخاه كان أسن منه فنهاه عن مقابلة العرب، وقال له: «أقم أنت ببلادك وابعث إليهم وصانعهم يأتوك خاضعين وفى جبائك طامعين، فهذا من خلق العرب قديما فلا تلقاهم». فلما كان ذلك اليوم، وهزم، قال له أخوه. «ألم أنهك أن تلقاهم بنفسك، ولكن اعطنى تاجك والراية أقم على الجيش، وانج بنفسك، فإن كانت السلامة فمن الله، وإلا بقيت أنت للناس، فليس منك الخلف».

وهذا من أغرب ما يصنع الأخ مع أخيه والولى مع وليه. فأعطاه عمامته ورايته وكانت مشهورة، فسار بالجيش حتى لحق وقتل. وكانت لملوك صنهاجة عمائم شرب مذهبة يغلون فى أثمانها، تساوى العمامة ال دينار وال دينار وأزيد. وكانوا يعممونها بأتقن صنعة فتأتى تيجانا وكان ببلادهم صناع لذلك، يأخذ الصانع على تعميم عمامة منها دينارين وأزيد. وكانت لهم قوالب من عود فى حوانيتهم، يسمونها الرءوس، يعممون عليها تلك العمائم.

فلما نجا المنصور إلى القلعة، نزلت عليه جيوش العرب وضيقوا [عليه] ببلاده، فكان يصانعهم حتى ضاق ذرعا بهم، وكان لا يقدر على التصرف فى بلاده؛ فطلب موضعا يبنى فيه مدينة ولا يلحقه فيها العرب فدل على موضع بجاية وكان مرسى. ويقال إنه كانت فيه آثار قديمة وإنها كانت مدينة فيما سلف، فبناها المنصور، وسماها المنصورية، وانتقل ملكهم من القلعة إلى بجاية، واتخذها دار مملكتهم؛ وبينها وبين قلعة حماد مسيرة أربعة أيام.

وهى مدينة عظيمة، ما بين جبال شامخة قد أحاطت بها، والبحر منها فى جهات: فى الشرق والغرب والجنوب. ولها طريق إلى جهة المغرب يسمى بالمضيق على ضفة النهر المسمى بالوادى الكبير، وطريق القبلة إلى قلعة حماد على عقاب وأوعار، وكذلك طريقها إلى الشرق. وليس لها طريق

سهلة إلا من جهة الغرب، فلم يكن للعرب إليها سبيل، ولا كان يدخل من العرب إلا من يبعث إليه الملك لمصانعه على بلاد القلعة وغيرها؛ فيدخلها أفراد وفرسان دون عسكر. فبقى صاحب بجاية فى ملك شامخ وعزباذخ يضاهى فى ملكه صاحب مصر، فإن بجاية على نظر كبير وفائد عظيم. وبجاية معلقة من جبل وقد دخل فى البحر يسمى مسيون، وعليها سور عظيم، والبحر يضرب فيه. ولها داران لصناعة المراكب، وإنشاء السفن، ومنها تغزا بلاد الروم فإنها ليس بينها وبين صقلية غير مجار.

وهى مرسى عظيمة تحط فيه سفن الروم من الشام وغيرها من أقصى بلاد الروم، وسفن المسلمين من الإسكندرية بطرف بلاد مصر وبلاد اليمن، والهند، والصين، وغيرها. ومدينة بجاية كثيرة الفواكه والأثمار، وجميع الحيرات.

وهى مشرفة، نزيهة، ومطلة على البحر وعلى فحص قد أحاطت به جبال دوره نحو أميال، تسقيه أنهار وعيون، وفيه أكثر بساتينهم. ولها نهر كبير يقرب منها بنحو الميلين أو دونهما، وعليه كثير من جناتهم، وقد صنعت عليه نواعير تسقى من أنهر، وله منتزه عظيم. وفى بجاية موضع يعرف باللؤلؤة، وهو أنف من الجبل قد خرج فى البحر، متصل بالمدينة، فيه قصور من بناء ملوك صنهاجة لم ير الراءون أحسن منها بناء، ولا أنزه موضعا؛ فيها طاقات مشرفة على البحر عليها شبابيك الحديد والأبواب المخرمة المحنية، والمجالس المقرّصة المبنية حيطانها بالرخام الأبيض من أعلاها إلى أسفلها؛ قد نقشت أحسن نقش وأنزلت بالذهب واللازورد، وقد كتبت فيها الكتابات المحسنة، وصورت فيها الصور الحسنة، فجاءت من أحسن القصور وأتمها منتزها وجمالا. وهذا الجبل مسيون، الذي فيه بجاية، جبل عظيم عال قد ذهب فى الجو، وقد خرج فى البحر، وفيه مياه سائحة، وعيون كثيرة وبساتين، وهو كثير القردة؛ ويكون فيه الحيوان المشوك المسمى بالذرب.

قال الناظر: لما كانت هذه المدينة على ما وصفت، وكان فيها بقية صنهاجة الموتورين، جعلوا يداخلون أمثالهم ممن وترت دنياه وأخراه، كأهل ميورقة المنقطعين فيها من أبناء جنسهم، فدهم بجاية منهم على بن اسحاق بن حمو بن غانية المسوفى سنة [-] أول ولاية الخليفة أمير المؤمنين أبى يوسف، أيد الله أمره وأعز نصره. وعاث فيها وفى ذواتها ودرج منها إلى قسطنطينية فطردته منها عساكر الموحدين، فتوغل فى بلاد الجريد، وعاث فيها، وسفك الدماء، وأخذ الأموال، وأباح الحريم، وفعل ما هو لائق بجدته ووخامة مولده. فسارع لغزوه أمير المؤمنين، واستأصل شأفته، ومات- لعنة الله عليه- برشقة سهم على توزر، عقب سنة [-].

مدينة مرسى الدجاج: مدينة أزلية على شاطئ البحر، والبحر يضرب فى سورها. وهى قديمة البناء وفيها آثار عجيبة للأول، ولها بساتين وجنات، وبها الطير المسمى بالسمانى كثير من البحر، ويقابلها جزيرة ميورقة.

مدينة جزائر بنى مزغنّاى: مدينة أزلية على ضفة البحر، والبحر يضرب فى سورها. وهى قديمة البناء أزلية فيها آثار عجيبة تدل على أنها كانت دار مملكة لسابق الأمم؛ وفيها دار ملعب قد فرش صحنه بحجارة ملونة مثل الفسيفساء، فيها صور الخيل والحيوان بأحكم صناعة، وأبدع عمل. ويتصل بجزائر بنى مزغناى فحص كبير يسمى فحص متيجة، وهو فحص عظيم كثير الخصب والقرى والعمائر تشقه الأنهار؛ وهو مرحلتين فى مثلها قد أحدقت به جبال مثل الإكليل. وفى آخر هذا الفحص جبل عليه الطريق، وهو وعر المجاز، يسمى حلق واجر، ويسميه أهل البلاد باب الغرب؛ وليس يدخل إلى بلاد الغرب إلا منه. وكانت بمدينة بنى مزغنّاى كنيسة عظيمة فيها عجائب من البنيان، بقى اليوم منه جدار هو قبلة الشريعة للعيدين، وهو كثير النقوش والصور. ومرساها مأمون، وفيه عين عذبة يقصد إليها أصحاب السفن؛ ويقابل هذا المرسى من الأندلس مرسى شكله. وتليها بجهة الغرب مدينة لغانية.

مدينة لغانية: هى مدينة كبيرة قديمة فيها آثار كثيرة للأول؛ وهى غير مسكونة، ولها نهر يصب فى البحر. ويقابل هذا المرسى- فى بر الأندلس- مرسى مدينة دانية أو هو أوسع بوسطه فى هذا البحر.

مدينة شرشال: مدينة كبيرة فيها آثار للأول، وهى غير مسكونة.

وفيها بنيان عجيب يسمى محراب سليمان قد علا فى الهواء؛ ويقابله من الأندلس مرسى ألاقنت.

مدينة تنّس: بينها وبين البحر ميلان؛ وهى مدينة مسورة حصينة، وداخلها قصبة صعبة المرتقى ينفرد بسكناها عامل تنس لمنعتها. وبها مسجد جامع وأسواق حفيلة كثيرة؛ ولها نهر يسمى تامن يأتيها من جبال القبلة مم يستدير بها من جهة الشرق والجوف، ويصب فى البحر. وهى كثيرة الزرع، رخيصة الأسعار، منها يحمل الطعام إلى الأندلس وإلى بلاد إفريقية وإلى بلاد المغرب لكثرة الزرع عندهم. ولكنها وبيّة، من يدخلها لا يسلم من المرض، وكثيرا ما يموت بها الغرباء. ولذلك قال بعض الشعراء فيها:

أيها السائل عن أرض تنسبلد اللؤم لعمرى والدنس
بلد لا ينزل القطر بهاللندى فى أهلها حرف درس
فصحاء النطق فى لا أبداوهم فى نعم بكم خرس
ماؤها من قبح ما خصت بهنجس يجرى على أرض نجس
فمتى تلعن بلادا مرةفاجعل اللعنة اذا بالتنس

وأعلمنى الثقة أن بها فيران ضخمة.

مدينة قصر الفلوس: هى مدينة كبيرة، مرسى للمراكب، فيها آثار كثيرة للأول تنبىء أنها كانت دار مملكة؛ وهى اليوم خراب. وفيها ماء مجلوب على قناطر بأغرب ما يكون من البناء القديم.

مدينة وهران: هى مدينة على ضفة البحر بناها جماعة من الأندلسيين البحريين بسبب المرسى، بالاتفاق مع قبائل البربر المجاورين لها؛ فسكنوها مع قبائل من البربر يقال لهم بنو مسكين نحو أعوام. ثم إنه

زحف إليهم قبائل كثيرة من البربر يطلبون ثأرا بينهم وبين بنى مسكين فأبى من كان فيها من الأندلسيين، وكان عندهم جماعة منهم، فنصبوا عليهم الحرب.

فلما ضيقوا عليهم هربوا بنى مسكين فى الليل؛ وتغلب البربر المحاصرون لها عليها وأخرجوا من كان فيها، وأضرموا نارا فخربت وهران عند ذلك، وبقيت سنين خربة؛ ثم تراجع الناس إليها وبنوا فعادت أحسن مما كانت. وهى مدينة كثيرة البساتين والثمار، ولها ماء سائح وأنهار كثيرة وأرحاء وعيون، وهى من أعز البلاد. ولها نظر كبير فيه قرية كبيرة فيها آثار قديمة؛ وأهلها موصوفون بعظم الخلق وكمال القامة والإباء والشدة.

قال أبو عبيد البكري: أخبرنى غير واحد ممن دخل هذه القرية ورأى أهلها أن الرجل الكامل من غيرهم يكون إلى منكب الرجل منهم. وأنه كان.

رجل منهم أراد أن يقيم بيتا، فاقتطع ألف كلخة وحملها على ظهره وسوى منها بيتا كبيرا وسكنه. ولوهران مرسى كبير، مشتى للسفن، يكن من الريح لأنه فى حوز جبل مطل على وهران مرتفع.

مدينة أرشجول: مدينة قديمة أزلية فيها آثار كثيرة؛ وهى على نهر تأفنى وهو نهر كبير تدخل فيه السفن. والمدينة قريبة من البحر تصل إليها المراكب اللطاف. وهى ساحل تلمسان، بينها وبين تلمسان فحص زيدور لحرث القمح وهو مبارك مشهور البركة.

مدينة أسلى: وهى بشرقى أرشجول بمقربة منها؛ وكانت مدينة قديمة عليها سور من صخر؛ وكانت حصينة، ولها نهر يسقى بساتينها وثمارها.

مدينة فكّان: هى مدينة أزلية كبيرة فيها آثارة كثيرة للأول، ثم إنها خربت، فبعث إليها المنصور بن أبى عامر من بناها وعمرها.

وهى قريبة من البحر.

حصن زيّان: له نهر كثير الثمار والأشجار؛ وبالقرب منه حصن الفروس وهو على قنة جبل على ضفة البحر؛ وبالقرب من هذا الحصن، الوردانية، وحصن وهنين، ومرساه مقصود وله بساتين كثيرة.

مدينة ندرومة: من طرف جبل تاجرا؛ وهى مدينة حسنة كثيرة الزرع والفواكه رخيصة الأسعار. ولها بسائط خصيبة ومزارع كثيرة؛ وبينها وبين البحر نحو أميال. وبساحلها نهر ماء يسيل؛ وهو نهر كثير الثمار، وله مرسى مأمون مقصود، وعليه رباط حسن فيتبرك به. وقيل إنه من أتى [فيه] منكرا لم تتأخر عقوبته؛ وقد عرف ذلك من بركته، وحسن صنع الله فيه.

مدينة ترنانا: كانت مدينة كبيرة مشهورة على ساحل البحر، وكانت محطا للسفن ومقصدا لقوافل سجلماسة وغيرها. وكان سكانها من قبائل البربر ومطغرة؛ وهم أعدل من هناك من البربر. وعلى هذا الساحل مدن كثيرة قد خربت، وكانت فى سالف الأزمان آهلة كثيرة الخصب، مثل مدينة تا مجريت وهى ساحل، وبه مدينة مليلة، وهى مدينة قديمة

مشهورة ولها سور صخر وداخلها قصبة مانعة. ودخلها الناصر سنة [-]، وبنى سورها.

مدينة عجرود: مدينة قديمة على البحر فيها آثار كثيرة ومرسى مقصود.

مدينة نكر: وهى مدينة كبيرة، بينها وبين البحر نحو أميال؛ وهى بين رواب وجبال، ولها نهران أحدهما يسمى نكر وبه سميت، ومخرجه من بلاد كزناية من جبل كوين؛ ومن هذا الجبل ينبعث النهر المعروف بورغة، وهو نهر كبير مشهور من أنهار المغرب. ومدينة نكر كثيرة البساتين طيبة الفواكه لاسيما الكمثرى والرمان، فليس يوجد مثلها فى بلدة. وهى قديمة أزلية افتتحها سعيد بن إدريس بن صالح الحميرى، وهو المعروف بالعبد الصالح، فى أيام الوليد بن عبد الملك بن مروان. وكان دخل أرض المغرب فى الافتتاح الأول قبل موسى بن نصير، وعلى يديه أسلم البربر المجاورين لهذه المدينة، وهم صنهاجة وغمارة. ثم ارتد منهم بشر كثير لما ثقلت عليهم شرائع الإسلام، ثم تلافاهم الله بهدايته؛ ومات سعيد المذكور ودفن بقرية أقطى على شط البحر، وولى ذلك البلد بنوه.

وكانت لهم حروب كثيرة مع قبائل البربر، وكانوا قد تصاهروا مع الحسنيين من بنى إدريس ملوك المغرب. ويجاور مدينة نكر جبل غمارة، وتحته مراسى كثيرة، منها مرسى باديس، عليه عمارة كثيرة من البربر، وفيه السعر رخيص ومنه تحمل المراكب الطعام.

مدينة تيطوان: وهى مدينة قديمة كثيرة العيون والفواكه والزرع، طيبة الهواء والماء.

مدينة سبتة: وهى على ضفة البحر، وهو بحر الزقاق؛ والبحر قد أحاط بها شرقا وجوفا وقبلة؛ وليس لها إلى البر غير طريق واحد من ناحية الغرب، لو شاء أهلها أن يقطعوه لقطعوه. ولها بابان أحدهما محدث.،

ولها من جهة البحر أبواب كثيرة. وفى آخر المدينة بشرقها جبل كبير فى شعراء كثيفة يسمى جبل المينا، وقد كان محمد بن أبى عامر أمر أن يبنى بهذا الجبل مدينة وينقل إليها أهل سبتة، فبنى سورها ومات ولم يتم ما أراد؛ والسور باق إلى وقتنا هذا كأنه مبنى بالأمس؛ وهو يظهر من بر الأندلس لبياضه.

ومن غريب ما فى ذلك السور أن فيه شقة مستطيلة بأبراجها مبنية بالزيت عوضا من الماء، وكان غرضه إتمام عمله على هذا لولا الإنفاق الكثير، فان البناء بالزيت أصلب وأبقى على مرور الدهور والأزمان، فلم يساعده الأجل ﵀.

ومدينة سبتة مدينة قديمة سكنها الأول، فيها آثار كثيرة وكان لها ماء مجلوب من نهر قرية أو يات على أميال منها، يجرى الماء فى قناة مع ضفة البحر القبلى الذي يعرف ببحر بسول، وكان يدخل كنيستها التى هى اليوم جامع سبتة.

وأمر الخليفة أمير المؤمنين أبو يعقوب رضه سنة [-] بجلب الماء إليها من قرية بليونش المذكورة، على أميال من سبتة، فى قناة تحت الأرض

حسب ما جلبه الأوائل فى قرية قرطاجنة وغيرها. وشرع العمل فعرضت أمور أوجبت التربص إلى حين يأذن الله تعالى بذلك، والرجاء الآن مؤمل ونحن فى سنة [-]. وعلى قرية بليونش المذكورة جبل عظيم فيه القردة، عبر من تحته موسى بن نصير إلى ساحل طريفة فسمى به وهو الصحيح. وكان عليه حصن هدمه مصمودة المجاورون له، ثم بناه الناصر عبد الرحمن المروانى، فهدموه ثانية. وتحته أرض خصيبة فيها مياه عذبة، ومنه إلى مرسى باب اليم، وعليه قرية تعرف بقصر مصمودة، ولها نهر يصب فى البحر عذب؛ ومنه يقرب الجواز إلى جزيرة طريفة ميلا.

مدينة طنجة: هى مدينة كبيرة أزلية، فيها آثار كثيرة للأول وقصور وأقباء وغيرها. وكان فيها ماء مجلوب فى قناة كبيرة، وبخارجها ماء طيب يسمونه برقال حمل شناعة الحمق فهم يعيرون بشربه؛ فيقال لمن تهافت منهم: «شربت ماء بر قال لا جناح عليك»؛ وفيه يقول الشاعر:

بطنجة عين ماء وسط رمللذيذ ماؤه كالسلسبيل
خفيف وزنه عذب ولكنيطير بشاربه ألف ميل

وكان فيها رخام وصخر منجور جليل؛ منها كانت القنطرة على بحر الزقاق إلى ساحل أندلس التى لم يكن فى العالم مثلها. وكانت تمر عليها القوافل والعساكر من ساحل طنجة إلى ساحل الأندلس؛ فلما كان قبل فتح المسلمين جزيرة الأندلس بنحو سنة، طغى ماء البحر وخرج من البحر المحيط إلى بحر الزقاق، فغرق هذه القنطرة وغيرها من المواضع المجاورة لها. ويذكر أن طولها كان ميلا، وسعة المجاز اليوم فى موضعها ميلا ونحوها. وتبدو هذه

القنطرة للمراكب فيتحفظون منها؛ ويقال إنها تنكشف فى آخر الزمان ويجوز عليها الناس، والله أعلم بغيبه.

وقيل إن طنجة آخر حدود إفريقية فى المغرب؛ ومسافة ما بين طنجة والقيروان ميل. وهى طنجة البيضاء المذكورة فى التواريخ. وقيل إن عمل طنجة كان مسيرة شهر فى مثله، وإن ملوك المغرب من الروم وغيرهم من الأمم كانت دار مملكتهم مدينة طنجة، وذلك من أجل القنطرة لئلا يفجأ العدو إحدى الجهتين، والله بغيبه أعلم. وإذا حفرت خرائب طنجة وجدت فيها أصناف الجوهر، فيدل ذلك على أنها كانت دار مملكة لأمم سالفة.

وقيل إنه يسامت طنجة فى البحر المحيط الأعظم الجزائر المسماة قرطناقش ومعناه السعيدة، سميت بذلك لأن أرضها تحمل الزرع دون حرث، وشعراؤها وغياضها كلها أصناف الفواكه الطيبة العجيبة دون غراسة، وفيها أصناف الرياحين العطرة بدل الشوك. وهى متفرقة فى البحر متقاربة بغربى بلاد البربر، يذكر ذلك أهل سواحل المغرب؛ وقد رأيت من امتحن فى طلبها. ويقال، لطنجة وتأتى فيه سيول عظام تذهب ببعض دورها.

مدينة أصيلا: كانت مدينة كبيرة أزلية عامرة آهلة كثيرة الخير والخصب. وكان لها مرسى مقصود، وكان سبب خرابها أن المجوس إذا خرجوا من البحر الكبير فأول ما يلقون مدينة أصيلا، فينزلون بمرساها ويخربون ما قدروا منها، فيجتمع البربر فيحاربونهم؛ فكانوا معهم على ذلك مع ما كان بين أهل تلك البلاد من الفتن. ويقال إن المجوس قصدوا إليهم مرة فاجتمع البربر لقتالهم، فقالوا لهم: «ما جئنا لقتال وإنما لنا ببلادكم أموال وكنوز، فتنحوا عنا حتى نستخرجها ونشاطركم فيها». فرضى البربر بذلك واعتزلوا عن الموضع

الذي ذكروا لهم، فحفر المجوس موضعا من تلك المواضع التى زعموا فوجدوا على الخبء مطامير من الدخن فاستخرجوه، فلما نظر البربر من بعيد إلى صفرة الدخن ظنوه تبرا، فبدروا إليهم ونقضوا عهدهم وهرب المجوس إلى مراكبهم.

فلما أصاب البربر الدخن ندموا فرغبوا إلى المجوس أن يرجعوا إلى استخراج المال فأبوا؛ وقالوا: «قد رأينا منكم نقض العهد فلا نأمنكم أبدا».

مدينة تشمّس: وهى مدينة قديمة أزلية فيها آثار للأول؛ وهى على نظر واسع كثيرة الخصب والزرع والضرع. وهى تشبه بلاد الأندلس، وبقربها بحيرة كبيرة تسمى أمسنا، يصب فيها البحر أعوام وتصب هى فى البحر أعوام؛ وينقطع البحر عنها فتظهر فيها جزائر بينها غدران يتصيد فيها أنواع السمك. وبين البحر والبحيرة مسجد مقصود يسكن حوله النساك وأهل الخيرة، وأمرهم مشهور بتلك الجهات معروف.

مدينة سلا: اسمها بالعجمى شلّة؛ وهى مدينة أزلية فيها آثار للأول. وهى معروفة بضفة الوادى، متصلة بالعمارة التى أحدثها الخليفة الإمام أمير المؤمنين وآباؤه المكرمون. وقد كان اتخذ أرباب البلد العشريون وأولياؤهم مدينة بالعدوة الشرقية، وهى المعروفة الآن بسلا، فيها ديارهم بحومة الجامع؛ ولم يبق منه سوى المنار، وأما السقف كله فتهدم واحتمى الغرباء فى بنائه فى سنة [-]. وأمر الخليفة أبو يعقوب رضه ببناء مدينة كبيرة متصلة بالقصبة التى أحدثها الإمام أمير المؤمنين، وفى هذه القصبة جامع وقصور، وصهاريج الماء أمام الجامع وهو مجلوب من نحو ميلا. وفى هذه المدينة المحدثة قيصارية عظيمة وحمامات وفنادق وديار كثيرة ومياه مطردة وسقايات ومنافع

أعدت لورود المحلات عليها- إذ [أن] وضعها على المجاز والمعبر - إلى حضرة مراكش كلأها الله. وعلى هذا المعبر قنطرة مركبة على معدية، مدت عليها أوصال الخشب وصلبت عليها الألواح والفرش الوثيق الذي لا يؤثر فيه الحافر، تجوز عليها العساكر والمسافرون؛ وحولها يتصيد أنواع السمك والشابل. ويمد البحر فترتفع القنطرة ويتغطى الجسر، فتعوم عليه المراكب وترسو دونه الأجفان الكبار؛ وقل ما تسلم عند دخولها وخروجها لصعوبة المدخل، وهو مشهور عند أهل صنعة البحر. ويقابله من مراسى بر الأندلس وادى شلب، وبينهما فى البحر يوم وليلة. وهذه المدينة قد شرفها هذا الأمر العزيز وكرمها بما أحدثه فيها من المبانى الرفيعة والمنارة البديعة، وما هى وقت مرور المحلات عليها إلا من عجائب منتزهات الدنيا، لا سيما فى الأعوام الخصبة والفصول المعتدلة. وناهيك من ساحل طوله نحو الميلين وعرضه نحو الميل مملوء بالبشر، والزوارق فى الوادى بركابها، والمنارة المطلة، وعلاقات الثمار، وعقد الزيتون، وجدر الكرمات، وقبب الجلوس للسادات أيدهم الله ظاهرة، وقبلة الجامع وأكثر منارة ذلك الحصن المشرف ظاهرة من المدينة.

وما هى فى أوقاتها إلا أملح من ديار مصر، وما يحكى عن دجلة والفرات؛ فإنا لله على الفناء والممات؛ ولله در من قال:

الناس مثل حبابوالدهر بركة ماء
فعالم فى طفووعالم فى انطفاء
للشاعر ابن الحداد الوادآشي، اقرأ القصيدة

وقد ذكرت البلاد الساحلية والتى تقرب من الساحل أو دونهما، مثل القيروان، للضرورة الباعثة على ذلك. ومن الناس من يرى أن طنجة آخر بلاد الساحل، ويعتقد أن بحر أقناش إنما مدخله من هناك حيث أشبر تيال؛

وأنا أقول إن مدخل هذا البحر إنما هو من طرف ايغير الذي خلفه بلد نول؛ ويقابله طرف الريحانة حتى لو قطعه مركب بريح مصطحبة لأخذ أحدهما من مقابله.

ذكر البلاد الصحراوية والتى تقرب من الصحراء بمرحلة أو أكثر من الإسكندرية إلى آخر بلاد المغرب

مدينة المنى: هى أول مدينة تلى الاسكندرية على طريق الصحراء، وهى مدن قائمة البناء خالية، فيها قصور شريفة فى صحراء رمل، يقطع فيها العرب على القوافل. ويسكن فى بعض تلك القصور الرهبان؛ وبعدها كنيسة غريبة البناء فيها عجائب من الصور والنقوش، توقد قناديلها ليلا ونهارا لا تطفأ؛ وفيها صور الأنبياء ﵈ وصورة مريم عم فى عمود من رخام.

وخارج الكنيسة صور جميع الحيوان والصناع والتجار، ومن جملتها صورة تاجر الرقيق، وبين يديه خريطة مفتوحة فى الأسفل، تنبىء أن التاجر فى الرقيق لا ربح له. وفى وسط الكنيسة قبة فيها صور يزعمون أنها صور الملائكة، وفى جهة من الكنيسة مسجد محرابه إلى القبلة يصلى فيه المسلمون. وبقربها مدينة خربها الروم فيها قصور تعرف بقصور أبى معد، يسكنها من قريش نحو بيتا، وحواليها قبائل كثيرة من العرب من بنى مذجح وغيرهم؛ وقبائل كثيرة من البربر. ويذكر أن كثيرا ما تتبدل صورة المولود عندهم

فيصير فى خلق الغول والسعلاة، وإن عاش يعدو على الناس حتى يغل ويقيد. ولأجل ذلك يشتم أهل تلك البلاد وأهل إفريقية بعضهم بعضا يقولون: يا مبدول. وقد أخبر الثقات أنهم عاينوا ذلك وتحققوه.

مدينة برقة: وهى مدينة كبيرة أزلية قديمة، فيها آثار كثيرة للأول؛ وهى فى صحراء حمراء التربة والمبانى فتحمر لذلك ثياب ساكنيها والمتصرفين فيها؛ وعلى أميال منها جبل كثير الخصب والفواكه والمياه السائحة. وأرض برقة كثيرة الخصب تصلح السائمة فى مراعيها؛ وأكثر ذبائح أهل مصر والإسكندرية من غنم برقة لعظم خلقها وكثرة شحمها ولذة لحمها. واسمها باللغة الإغريقية بنطابلس، تفسيره مدن. ويذكر أن فى تلك الخرائب التى ببرقة والآثار القديمة دار منقورة فى حجر صلد، عليها باب من حجر صلد كذلك، من أغرب ما يكون فى الدنيا، لا تدخل الذرة بين العضادة والباب، ولا بين العتبة والباب؛ ولا يفتح الباب إلا للداخل، ولا يقدر أحد على الخروج منه إلا أن يدخل عليه آخر، ويقال إنه كان مفتوحا لا قفل له.

وأخبرنى بعض من دخل ذلك الطريق أن رجلا دخل فيه ليرى الدار، فرأى دارا منقورة فى حجر صلد، وفيها من عظام الناس كثير، فهاله ذلك فأراد الخروج فوجد الباب قد انغلق ولم يقدر على فتحه، وأيقن بالهلكة حتى طلبه بعض أصحابه فجاء إلى ذلك الباب فسمع صوته يستغيث بفتح الباب، ففتحه فخرج الرجل.

وفى تلك الآثار عجائب لمن يتأملها.

النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع