من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)
ذكر المشهور من المدن والعمائر من بلاد مصر إلى آخر بلاد المغرب حسب المعرفة إن شاء الله تعالى
الصفحة ٣ من ٣
مدينة أجدابية: هى مدينة كبيرة فى صحراء صفا، وآبارها منقورة فى ذلك الصفا؛ طيبة الهواء والماء وبها عين ثائرة عذبة، ولها بساتين ونخل يسير؛ وبها جامع حسن البناء بناه الشيعى، وله صومعة مثمنة بديعة العمل.
وبها حمامات وفنادق كثيرة، وأسواق حافلة مقصودة، وأهلها ذو يسار وأكثرهم أقباط، وبها نبذ من صرحاء لواته. وليس لمبانيها سقوف من خشب، وإنما هى أقباء من الطوب لكثرة الرياح بها. ثم كذلك قبائل البربر والعرب إلى جبل نفوسة وطوله من المشرق إلى المغرب أيام؛ وبينه وبين القيروان أيام، وفيه مدن كثيرة. وفى هذا الجبل مواضع كثيرة فيها آثار قديمة للأول، عجيبة فيها غرائب لمن تأملها. ووصل عمرو بن العاص- ﵀ إلى جبل نفوسة وافتتحه وكان أهله نصارى، وفى جبل نفوسة رجع بكتاب عمر بن الخطاب رضه. وفى وسط هذا الجبل مدينة جادوا [وهى] مدينة كبيرة لها أسواق حافلة وأكثر أهلها يهود، وهى أم قرى جبل نفوسة.
مدينة شروس: وهى مدينة كبيرة جليلة قديمة، فيها آثار للأول، وأهلها إباضية، وليس بها جامع ولا فيما حولها من القرى؛ وفى نظرها أزيد من قرية. ولا يرون فى مذهبهم الجمعة، وفى هذا الجبل أمم كثيرة على مذاهب شتى، وأكثرهم إباضية. وليس لهم أمير يرجعون إلى أمره وإنما
لهم شيوخ وفقهاء فى مذاهبهم يرجعون إلى أمرهم، ولهم رخص كثير فى مذاهبهم.
أخبرنى الثقة قال: رأيت رجلا دخل بلادهم فرأى إنسانا قد أراد التطهر، فنزل على ماء ونزع ثيابه وجعل يشبر كأنه يغتسل، وكأنه يتوضأ، وكأنه يريق على رأسه وعلى جسده الماء. فقال له الرجل ما هذا، فسكت عنه حتى فرغ، فأخذه الرجل الغريب وحمله إلى حاكم البلد، وقال له رأيت هذا يفعل كيت وكيت.
فقال له الحاكم: من أين أنت، فقال من المغرب؛ فقال والله لولا أنك غريب ببلدنا لأدبتك، وما يدريك لعل له عذرا؛ قال الله تعالى: «يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر. وهذا أفضل مذاهبهم فإن فيهم من لا يرى الاغتسال بالماء جملة؛ وإذا كان على أحدهم غسل يتمرغ فى التراب ويتيمم مكان الوضوء؛ وببلاد إفريقية من هذا المذهب كثير. والزنا الحرام بجبل نفوسه فى مذهبهم: ما منهم رجل غنى إلا وله وصائف كثيرة يلبسهن فاخر الثياب ويحليهن بالحلى، ويبرزهن على الطريق للفواحش؛ ولهم ديار معدة لذلك، وهذا عندهم معروف لا ينكر. ومن جبل نفوسة إلى بلد غدامس أيام فى الصحراء؛ والماء منها على مسيرة أيام وأكثر. وبلد غدامس بلد كبير ونظر واسع كثير النخل والمياه؛ وأهلها بربر مسلمون لا يلتثمون على عادة بربر الصحراء من لمتونة ومسوفة وغيرها.
مدينة غدامس: مدينة لطيفة قديمة أزلية، وإليها ينسب الجلد الغدامسى. وبها دوامس وكهوف كانت سجونا للملكة الكاهنة التى كانت بإفريقية؛ وهذه الكهوف من بناء الأولين، فيها غرائب من البناء والآزاج المعقودة تحت الأرض ما يحار الناظر إليها إذا تأملها، تنبىء أنها آثار ملوك سالفة
وأمم دارسة؛ وأن تلك الأرض لم تكن صحراء وإنما كانت خصيبة عامرة. وأكثر طعامهم التمر، والكمأة تعظم بتلك البلاد حتى تتخذ فيها اليرابيع والأرانب أحجارا. ومن غدامس يدخل إلى تادمكّة وغيرها من بلاد السودان.
مدينة زويلة: مدينة كبيرة قديمة أزلية فى الصحراء، تقرب من بلاد كاتم وهى من السودان؛ وقد أسلموا بعد ال من الهجرة [-] وهى مجتمع الرفاق وإليها يجلب الرقيق، ومنها يخرج إلى بلاد إفريقية وغيرها من البلاد. ولما فتح عمرو بن العاص برقة وجبل نفوسة بعث عقبة بن نافع حتى بلغ زويلة وافتتحها؛ وصار ما بين برقة وزويلة للمسلمين. وبلد زويلة كثير النخل والثمار، وبقربها قصر واجان، وهو قصر عظيم على رأس جبل فى طرف المغازه، وهو مثل المدينة؛ فسار إليه يوما فنزل عليه وحاصره نحو شهر، فلم يقدر. فمضى أمامه على قصور كوار ففتحها، وأخذ ملكها فقطع أصبعه؛ فقال: لم فعلت فى هذا؛ قال عقبة: إذا نظرت إلى أصبعك لم تقاتل العرب. وفرض عليهم رأسا ثم سألهم: هل وراءكم أحد فلم يعلموا ما وراءهم، فكر راجعا على قصور واجان ولم يتعرض له ولا نزل عليه، وسار أيام. فلما رأوا أنه لم يتعرض لهم أمنوا وانبسطوا، فأقام عقبة بموضع يسمى اليوم ماء الفرس، فنفذ ماؤهم وأصابهم العطش حتى كاد يهلكهم.
قال فصلى عقبة بأصحابه ركعتين ودعوا الله تعالى، فجعل فرس عقبة يبح بيده فى الأرض حتى انكشفت صفاة تنبعث ماء؛ فنادى عقبة فى الناء أن يحتفروا، فاحتفروا فوجدوا ماء معينا زلالا يسمى ماء الفرس.
وكان يقال له عقبة المستجاب لأنه قل ما دعا فى نيل شىء إلا استجيب له ثم كر راجعا إلى قصر واجان من غير طريقه الذي أقبل منه، فلم يشعروا حتى طرقهم ليلا فوجدهم مطمئنين، فاستباح ما فى مدينتهم من ذرارى وأموال ونساء، وقتل مقاتليهم ثم انصرف راجعا إلى زويلة. ومن زويلة كر إلى غدامسر بعد خمسة أشهر، وسار متوجها إلى المغرب. وجانب طريق الجادة، وأخذ أرض مزاته وهم قبيل كبير من البربر، فافتتح قصورهم إلى قفصة فافتتحها وافتتح بلاد قسطيلية، ثم انصرف إلى القيروان. ثم مضى فى بلاد المغرب حتى انتهى إلى أقصى بلاد السوس، ثم انصرف راجعا فتوفى شهيدا بتهودة من بلاد الزاب.
بلاد الواحات: وهى بلاد كثيرة فى الصحراء ما بين بلاد إفريقية وبلاد مصر؛ ولولا قلة الماء فى هذه الصحراء لكان الطريق من إفريقيا إلى مصر على الواحات أقرب. والدخول إلى بلاد الواحات من أوجلة، وزلى، وغيرها، التى فى صحراء مدينة طرابلس. وبلاد الواحات كثيرة التمر والنخل، وفيها مدن كثيرة مسورة وغير مسورة؛ وكل مدينة منها لها اسم يعود إلى الواح:
أريس الواح، وتنيس الواح، والواح الخارج، والواح صبروا؛ كلها لها اسم مثل هذا وأهلها مسلمون. وهى آخر بلاد الإسلام، بينهم وبين بلاد النوبة مراحل. وفى بعض مدن الواحات قبائل من لواتة، وإنما أهلها أقباط.
وزعموا أن فى أقصى بلاد الواحات بلد يقال له واح صبروا، لا يقع عليه إلا من ضل فى الصحراء، وفى النادر من الزمان. وأنه بلد عظيم كثير الخيرات من النخل والزرع وجميع الفواكه ومعادن الذهب، وأنه أخصب بلاد الدنيا وأن الواقع عندهم يكون فى أخصب عيش؛ فإذا أرادوا خروجه من بلادهم، أروه طرف بلاده فتاقت نفسه إليها، فلم يلبث عندهم ورحل كيفما استطاع. وقد وقع فى هذا البلد رجل من عرب بنى قرة، وبقى فيه مدة ورجع إلى بلاده، وأخبر بما رأى فيه من الخيرات وبما فى أيدى أربابه من الأموال، وليس لها مدافعة ولا بصر بالحرب ولا سلاح لأنهم لم يعهدوا الحرب. فأهاج ذلك أمير بنى قرة وكان اسمه مقرب بن ماض، وعزم على النهوض إليهم. فأعد أزودة كثيرة وماء كثيرا، وذهب فى الصحراء يطلب واح صبروا، وضل به الرجل الذي دخل ذلك البلد فوصل مدينة الواح الخارج فسأل عن واح صبروا. فقالوا كلهم: ما نعرف له طريقا ولا يجده إلا من ضل فى الصحراء فى النادر من الزمان، وهو كما ذكر لك وأكثر.
فخرج من الواح الخارج يطلب واح صبروا؛ فبقى يجول فى الصحراء مدة فلم يجده ولا قدر على الوصول إليه، فخاف نفاد الزاد فكر راجعا. فنزل فى رجوعه ذات ليلة ربوة من الأرض فى بهاء تلك الصحراء، فوجد بعض أصحابه فى نواحى تلك الربوة بيتا للأول، فبحثوا عليه فإذا هو لبن من نحاس أحمر، فزادوا فى البحث فوجدوا أساس سور من نحاس أحمر للأول. فأوقروا جميع ما عندهم من الظهر من تلك اللبن، وساروا حتى أتوا مدينة الواح الخارج فباعوا
ذلك النحاس بأموال كثيرة. ثم أرادوا أن يرجعوا إلى الربوة التى وجدوا فيها النحاس، فلم يقدروا عليها وضلوا طريقها؛ ولو وجدوها لكان فيها غناهم إلى آخر الدهر.
قيل أتى رجل من أهل الواح الخارج إلى مقرب بن ماض فأخبره أنه دخل حائط نخل كان له فوجد أكثر تمره قد أكل، ووجد فيه أثر قدم إنسان لا يشبه هذا الخلق فى العظم. قال فاحترسه هو وأهله ليال حتى طرقهم ذلك الشخص فرأوا خلقا عظيما لم يعهد مثله، فجعل يأكل التمر، فلما هموا به فاتهم فلم يعلموا به أمرا. قال فنهض معهم حتى وقف على أثر ذلك الشخص فاستعظمه، وأمرهم أن يحفروا زبية فى الموضع الذي كان يدخل فيه، وغطوا أعلاها بالحشيش ويرقبوه. ففعلوا ذلك ورقبوه ليال متتابعة؛ فلما كان ذات ليلة أقبل ذلك الشخص على عادته، فتردى فى الزبية فبادروا إليه بجميعهم وغلبوه بكثرتهم حتى أخذوه، فإذا بامرأة سوداء عظيمة الخلقة مفرطة الطول والعرض لا يفقه منها كلمة. فرآها مقرب بن ماض فهاله أمرها، فكلموها بكل لغة علموها من لغات السودان فلم تجاوب بواحدة منها، وتكلمت بكلام لا يفهم. وبقيت عندهم أياما يأتمرون فى أمرها، فقال لهم مقرب: نرى أن ترسل، وتركب الخيل العتاق السوابق والنجب العشار فى إثرها إلى أن يوقف على موضعها ويعلم حقيقة أمرها. فلما أرسلت، فاتت الخيل والنجب وبارت الرياح فلم يقفوا على حقيقة خبرها. ويذكر أن بين بلاد الواح وبلاد الجريد من إفريقية رمال عريضة فيها بقاع تعرف بالجزائر وهى كثيرة النخل والعيون، لا عمران فيها، ولا أنيس بها. ويقال إنه يسمع فيها أبدا عزف الجن، ولا شك أنها كانت بلادا عامرة. ويتكدس هناك من التمر تحت النخل أكوام لا يقع عليها أحد إلا الطير والوحش، وربما انتجعه الناس فى السنين الجدبة وعند الضرورة.
قال الناظر: وصح عندنا أن قبيلة سليم المنقطعين فى صحراء طرابلس ينتجعون تمر هذه المواضع، ومنها يتعيشون، وإليها يلجأون عند المطلبة لهم وفيها يعتصمون؛ وسمعت هذا قبل الوقوف عليه بمنه.
ذكر بلاد الجريد من إفريقية
وإنما سميت بلاد الجريد لكثرة النخيل بها؛ وهى مدن كثيرة وأقطار واسعة وعمائر متصلة، كثيرة الخصب والتمر والزيتون والفواكه وجميع الخيرات. وهى آخر بلاد إفريقية على طرف الصحراء.
وفيها المياه السائحة والأنهار والعيون الكثيرة. فأولها من جهة الساحل مدينة قابس وقد ذكرناها فى البلاد الساحلية.
مدينة حامّة مطماطة: وهى مدينة قديمة مسورة، وعليها هزم الخليفة أبو يوسف- أدام الله تأييده- شقى ميورقة وأستأصل شأفته؛ وسكانها قوم من البربر يعرفون بمطماطة. وهى كثيرة التمر والزيتون والفواكه؛ وفى المدينة عين كبيرة شديدة الحرارة فإذا استقى منها الماء برد لحينه، ومنها يشربون ويسقون غابتهم وغلاتهم.
مدينة قفصة: مدينة كبيرة قديمة أزلية، كان لها سور حصين من صخر جليل بأحكم صناعة يخال لرائيه أنه كما فرغ من عمله. ويقال إن الذي بناه شيبان غلام النمرود بن كنعان الجبار، وكان اسمه منقوشا على باب
من أبوابها؛ وكانت له أربعة أبواب. فلم تزل أهواء أهلها تضطرب وقلوبهم تنقلب من حين توحيدهم بزعمهم سنة [-]، فثاروا على الموحدين وسفكوا دماءهم وقدموا على أنفسهم رجلا منهم يعرف بعلى بن الرند، فملكهم إلى سنة [-] وأخرجه منها الخليفة أبو يعقوب بن الإمام الخليفة أمير المؤمنين وولاه عمل مدينة سلا، فمات بها. وبقى أهل قفصة إلى سنة فمر عليهم الغاوى الشقى الميورقى، فأدخلوه البلد وملكوه.
وترك بها جماعة من الأغزاز الموالين له، فحصرهم بها الخليفة أبو يوسف- رضى الله عنه- فرغبوا فى عتق رقابهم على أن يكونوا عبيدا للأمر العزيز مماليكا للخليفة، وأسلموا من سواهم، فعفا الخليفة عن جرمهم وأعتقهم، وترك أهل قفصة فى بلدهم، وقتل المارقين الميورقيين لنفاقهم وشقاقهم كما قيل:
يا ذلة التلثيم عند الكرإذ يبتغون عودة للأمر
ولما تقرر نفاق أهلى قفصة وترددهم وشكهم وعتوهم وإفكهم، رأى الإمام أمير المؤمنين رضه أن كف شرهم وخسف مكرهم لا يكون إلا بهدم سورهم، وكشف ستورهم. فأمر للحين بهدمه فلم يكن فيه للمحلة إلا من ظهر يوم العصر الثالث منه، ولم يبق إلا أساسه وبرج بقرب برج بن زواج شاهدا
على عتاقه بنيانها وعظم شأنها، وإنه لمن آيات هذا الأمر العزيز التى تتبين بها عظمته لذى الفحص والتزليم.
وكان اسم مدينة قفصة مدينة الحنيّة لأن فيها بنيانا قديما مثل الحنية فكانت تسمى بها؛ وهى متوسطة بين القيروان وبين مدينة قابس. وفى داخلها عيون كثيرة منها عينان كبيرتان معينتان ليس لهما نظير فى عذوبة مائهما وصفائه وكثرته؛ إحداهما عند باب الجامع تسمى بالوادى الكبير، وهى عين عظيمة مبنية بالصخر الجليل من بنيان الأول سعتها نحو ذراعا فى مثلها، وفوقها عين أصغر منها تسمى رأس العين، وبينهما قنطرة من بنيان الأول، ولا شك أن ماءهما واحد. وماء هذه العين الأولى أزرق شديد الصفاء يرئى قعر العين من أعلاها وفيها الماء نحو قيام؛ والعين الأخرى تحت قصر قفصة وتسمى بالطرميد، عليها بنيان عجيب قديم؛ وبإزائها مسجد يعرف بمسجد الحواريين. ومنبع هذه العين من حجر صلد من ثقب وسع فم الإنسان، وينبعث منه بقوة عظيمة. وقد بنى له صهريج عليه دكاكين مبنية بالحجارة وعليه أقباء، وقد بنى فوقه مسجد عظيم. فإذا اجتمع ماء هذه العين مع ماء العين الكبيرة، التى عند الجامع، جاء منها نهر كبير تطحن عليه أرحاء كثيرة، ويسقى نصف غابة قفصة ونصف أرضها ومز درعاتها. والنصف الثانى من غابة قفصة يسقى من عين عظيمة خارج المدينة يسمى عين المنستير، وهى عين كبيرة معينة عذبة يخرج منها نهر كبير. وهذه العين من أحسن ما يرى من العيون، وهى فى جانب النهر الكبير المسمى بوادى بايش، وهو يشق غابة قفصة ويسقى بعض بساتينها، وهو نهر مشهور يأتى من جبال شرقى قفصة لكنه فى أيام الصيف يقل جريانه ولا ينشع، وأرض هذا الوادى كله تنشع. وفيه تورد العرب إبلها، تحفر فيها احساء فتخرج ماء عذبا معينا. ولأهل قفصة فى سقى جناتهم هندسة عظيمة وبرشام شديد وتدقيق حساب. يقول أهل قفصة: إذا رأيت قوما يتخاصمون وقد علا بينهم الكلام
فتعلم أنهم فى أمر الماء. وكان على أحد أبوابها كتابة منقوشة فى حجر من عمل الأول ترجم فإذا هو: هذا بلد تحقيق وتدقيق.
وكذلك ليس بإفريقية حريم أجمل من حريم قفصة مع ملاحة أخلاقهن ورخامة منطقهن؛ ويسمون الماء الذي يخرج من المدينة فيسقى نصف جناتهم «الماء الداخل»، ويسمون الماء الذي خارج المدينة، وهو عين المنستير وماء وادى بايش «بالماء الخارج». ولهم مياه غير هذه تسمى بالماء الصغير، وهى عيون كثيرة بقرب المدينة تسقى بعض جناتهم. وسقيهم بها بالساعات؛ وترى خدام تلك الجنات والبساتين أعرف الناس بأوقات النهار. إذا سألت رجلا منهم لا يفقه شيئا عما مضى من ساعات النهار، وقف ونظر إلى الشمس واكتال بقدميه فى موضع ظله، ويقول لك مضى كذا وكذا ساعة وكذا وكذا سدس من الساعة. وأهل قفصة يتنافسون فى هذه المياه، ويتابعون سقيها بأغلى ثمن. ولمدينة قفصة غابة كبيرة قد أحاطت بها من كل ناحية مثل الإكليل، فى تكسير دائرتها نحو أميال، فيها من المنازل التى تعرف بالقرى منزلا. وعلى الغابة والمنازل والكل حائط يسمونه «سور الغابة». وفى ذلك السور أبواب عظام عليها أبراج مسكونة، يسمون تلك الأبواب: الدروب. وغابة قفصة كثيرة النخل والزيتون وجميع الفواكه التى ليس فى بلد مثلها: فيها تفاح عجيب جليل زكى الرائحة يسمونه السدسى، لا يوجد فى بلد مثله؛ وكذلك الرمان والأترج والموز لا يوجد مثلها فى بلد. وفيها نوع من التمر يسمى بالكسبا، ليس مثله فى بلد وهو أكثر تمرهم؛ يكون فى التمرة فتر فى جرم بيض الدجاج، تكاد تنفذها ببصرك لصفاء لونها ورقة بشرتها. وهم يجعلونه فى أزيار، فإذا أخرجوه منها بقى فى قعر الزير عسل ألذ من عسل النحل وأعطر؛ وهم يصرفونه فى طعامهم كما يصرف العسل عندنا وتعمل منه الحلاوات. وقفصة أكثر البلاد فستقا حتى إننى أظن أنه ليس بإفريقية فستق إلا فيها؛ ومنها يجلب إلى إفريقية وبلاد المغرب، وبلاد الأندلس وبلاد مصر. فإن الذي يجلب من بلاد الشام صغير الجرم ليس مثل
القفصى، فإن القفصى يكاد أن يكون فى جرم اللوز. وهو إذا كان فى شجره أجمل ثمرة خلقها الله تعالى، فإنه يكون عناقيدا مثل عناقيد العنب، وهو زكى الرائحة حتى إنه لا يقدر أحد أن يسرق منه شيئا، فإنه تشتم عليه رائحته.
وفى بساتين قفصة من الرياحين كثير: مثل الآس والياسمين والنارنج والنرجس والسوسان والبنفسج وغير ذلك. ووردها أكثره أبيض، وماؤه أزكى ماء يكون للورد، يشبه الجورى الذي يجلب من بلاد مصر.
ويصنع بقفصة أردية وطيالس وعمائم من صوف فى نهاية الرقة تضاهى ثياب الشّرب؛ وتصنع بها أوان للساء من خزف تعرف بالريحية، شديدة البياض فى نهاية من الرقة ليس يعلم لها نظير فى جميع البلاد.
ويصنع بها زجاج حسن، وأوان عجيبة وأوان مذهبة غريبة. وهى حاضرة فى جميع أمورها، وأهلها ذوو يسار وفيهم خير كثير ولهم صدقات، وهم يعظمون يوم عاشوراء تعظيما كثيرا وهو عندهم مثل الأعياد؛ ولهم فيه صدقات كثيرة وكساء للمساكين. وكانت مدينة قفصة أعظم بلاد إفريقية نظرا: كان حولها نحو قصر آهلة عامرة، فيها الأشجار والنخل والزيتون والفستق وجميع الثمار؛ وفيها العيون والأنهار والآبار، وتسمى قصور قفصة. ومن قصورها مدينة طوارق، وهى فى منتصف الطريق من قفصة إلى فج الحمار وأنت تريد القيروان؛ وكانت مدينة آهلة كبيرة فيها جامع. وكانت القوافل إذا خطرت بين هذه القصور تكم إبلها ودوابها لئلا ترعى ورق الشجر لكثرته على ذلك الطريق. وهى اليوم خربة لا أنس (ط) بها من وقت دخلت العرب بلاد إفريقية، وأفسدت بلاد القيروان وغيرها من البلاد والقرى والعمائر وكثيرا من المدن بإفريقية.
النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع