تجاوز إلى المحتوى

من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)

ذكر كورة قسطيلية من بلاد الجريد

الصفحة ١ من ٣

وهو قطر كبير فيه مدن كثيرة قاعدتها توزر كلاها الله. وهى المدينة السعيدة التى هلك عليها عدو الله شقى ميورقة. رشقه سهم فى ترقوته فقضى نحبه. ولها هذه الفضيلة التى اختصت بها. وكان قد انتقم من أهلها سنة [-]، وحصرها مدة وضيق عليها حتى دخلها ثم أخرجه عنها الأمر العزيز، وفر إلى الصحراء على وجهه وأتصل ببنى قرة فعند قفول المحلة المنصورة عن بلاد إفريقية أقبل إليها وظن أن كل بيضاء شحمة، فأتاه الموت من حيث لم يحتسب. وقيل إنه كان سهم قوس اللولب.

وهى مدينة كبيرة قديمة عليها سور مبنى بالحجارة والطوب، وحولها أرباض واسعة، ولها أبواب وعليها غابة كبيرة. وهى أكثر بلاد الجريد تمرا ومنها تمتار جميع بلاد إفريقية وبلاد الصحراء التمر لكثرته بها ورخصه. ولأنها على طرف الصحراء لا يعلم ما وراءها ولا قدر أحد على الدخول فى الصحراء التى فى قبلتها؛ ويقال إن فى تلك الصحراء وادى رمل يجرى كما يجرى الماء؛ وهذا مستفاض. وأهلها من بقايا الروم الذين كانوا قبل استفتاح المسلمين لها؛ وكذلك أكثر أهل قسطيلية وبلاد الجريد، لأنهم فى حين دخول المسلمين إفريقية أسلموا على أموالهم. وفيهم من العرب الذين سكنوا فيها من المسلمين عند استفتاحها. وفيهم من البربر الذين دخلوها فى قديم الزمان عند خروجهم من بلادهم وانجلائهم عنها. وذلك أن بلاد البربر إنما كانت أرض فلسطين من ديار الشام، وما جاور تلك الأصقاع، وكان ملكهم جالوت الجبار العنية، وجالوت سمة لسائر ملوك البربر، إلى أن قتل داود عم جالوت كما ذكر الله تعالى فى محكم كتابه، ودخلت بلادهم تفرقوا فى البلاد. فمشى أكثرهم نحو المغرب ونزل بعضهم بالقرب من بلاد مصر، وتفرقت البرابر فى بلاد إفريقية وبلاد المغرب حتى وصلوا إلى أقاصى بلاد المغرب، على أزيد من ميل من بلاد القيروان، واستوطنوها إلى وقتنا هذا. وكانت بلاد إفريقية للافرنج فأجلتها البربر عنها إلى جزائر

من البحر مثل صقلية وغيرها ثم تراجعت الإفرنجة إلى مدنها وعمائرها على موادعة وصلح مع البربر، واختارت البربر سكنى الجبال والرمال والبرارى وأطراف البلاد، فصارت الروم بالمدن والعمائر حتى افتتح المسلمون إفريقية فانجلت الروم أمام المسلمين مرة ثانية إلى جزائر البحر وغيرها إلا من أسلم وبقى فى بلاده على ماله مثل أهل قسطيلية وغيرهم من البلاد. وأهل توزر يبيعون زبل مراحضهم وهم يعيرون بذلك لأنهم لا يدخلون المراحض بالماء لئلا يفسد الزبل؛ فإذا دخل أحدهم المرحاض مشى إلى بعض السواقى التى تشق مدينتهم أو الوادى فاغتسل. ويمشى عندهم دلال المرحاض بالزبل فى الإناء، فإذا كان جافا حرص عليه، وإذا كان رطبا زهد فيه. ويضعون فى جناتهم مراحض على الطرق العامرة لمن كان مضطرا أو غريبا ليس من أهلها. وأما البلدى فلو أمسك ذلك يوما أو يومين ما رماه إلا فى مرحاضه. وإنما ذلك لتدمين أرضهم لأنها فى غاية الجفوف لقربها من الصحراء؛ وتتفاضل بلاد الجريد فى رطوبة الأرض ودهنيتها وتوزر أيبسها.

ومن بلاد قسطيلية مدينة نفطة: بينها وبين توزر ميلا.

وهى مدينة كبيرة قديمة عليها سور من بناء الأول، ولها غابة كثيرة النخل والبساتين وجميع الفواكه. وهى كثيرة الخصب ولها نهر يسقى بساتينها؛ وهى قديمة خصيبة وأهلها ذو ويسار. وهم من بقايا الروم كما ذكرنا.

ومن بلاد قسطيلية بلد تقيوس: وهى مدن متقاربة عليها أسوار، يكاد يكلم بعض أهلها بعضا لتقاربها. ولهم غابات كثيرة النخل والزيتون وجميع الفواكه؛ وهى أكثر بلاد قسطيلية زيتونا وأكثر جباية وأحسن هواء؛ فيها العيون الكثيرة العذبة، والمياه السائحة.

ومن بلاد قسطيلية مدينة الحامّة: وتعرف اليوم بحامة بنى بهلول، وبنى بهلول من سادات بلاد قسطيلية بل هم أغنى من فيها، وهم من بقايا الروم الذين أسلموا على أموالهم. وعندهم كرم كثير وبر بالأضياف وحرص على التضييف، وهو الذي رفع ذكرهم فى تلك البلاد. وهذه المدينة لها حصن يسمونه القصر؛ وهو مختص ببنى بهلول وحاشيتهم. ولها أرباض واسعة يسكنها الناس؛ وهى كثيرة التمر والزيتون وجميع الفواكه؛ ومن مدن نفزاوة ما يضاهيها. ومياه هذه المدينة كلها حامة حارة. وليس ببلاد الجريد أكثر عنبا منها ولا أطيب، وشرابه أطيب من كل شراب وأعطر. ويزعم أهلها أنه يسرج به السراج كما يسرج بالزيت. وفيها نوع من التمر يسمونه الخنفس، وهو أسود اللون شديد الحلاوة كبير الجرم. وفى قسطيلية قصور كثيرة وعمائر متصلة أعرضنا عنها وعن ذكرها.

ومن بلاد الجريد بلاد نفزاوة: وهو قطر مثل قسطيلية فيه مدن وقصور وعمائر كثيرة متصلة آهلة.

فمن مدن نفزاوة مدينة طرّة: وهى مدينة مسورة حصينة، لها غابة كثيرة النخل والزيتون وجميع الفواكه.

ومن مدن نفزاوة أيضا مدينة بشرى: وهى مدينة مسورة قديمة، لها غابة كبيرة كثيرة النخل والزيتون وجميع الفواكه.

ومن مدن نفزاوة أيضا مدينة أيتملين: وهى مدينة لطيفة حصينة لها أرباض ولها غابة نخيل وزيتون وجميع الفواكه. قال بعض الأدباء:

ايتملين سبعة أحرف على لطفها وخمول ذكرها، ومصر ثلاثة أحرف على عظمها وسمو ذكرها.

وبنفزاوة مدن وقصور وعمائر مثل قسطيلية، وهى كثيرة النخل والبساتين كثيرة الخصب. وفى بلد نفزاوة عين كبيرة تسمى بالبربرية تاورغى، وهى من بناء الأول؛ وليس ببلاد الجريد عين أعظم منها، لا يدرك لها قعر. وبقرب نفزاوة مدينة أزلية غير مسكونة فيها آثار كثيرة للأول تعرف بالمدينة. وبين نفزاوة وقسطيلية مرحلة، والطريق بينهما فى أرض سواخة وسباخ وملاحات لا يهتدى للطريق بها إلا بخشب قد نصبت فى دهس تشبه الصابون فى الرطوبة. فإن أخطأ أحد طريق تلك الخشب المنصوبة على الطريق سلك فى تلك السباخ. وقد هلك فيه العساكر والجماعات على قديم الزمان؛ ممن دخلها ولا يعرف أمرها أو خانته تلك الخشب وتلك السباخ لا يعلم لها آخر، إنما هى قد اتسعت فى تلك الصحارى، ولا يسلك منها إلا الطريق إلى توزر، وإلى بلاد قسطيلية ما يقرب من البر بتلك العلامات. ويقال إنها متصلة ببلاد غدامس. وهذه السباخ كلها ملاليح وفيها موضع بين نفطة والحامّة يعرف «بالسبع سباخ». وفى وسط الطريق المار من مدينة توزر إلى نفزاوة جزيرة صغيرة فيها عين عذبة يشرب منها من يسير على ذلك الطريق. وإذا دخل المسافرون هذا الطريق فى أيام الصيف يكادون يهلكون من حرارة الملح ويرجع ماؤهم وهو فى الزقاق ملحا، ولا تقدر على شربه إلا أن يمزج بسكر أو بعسل؛ رأيت ذلك وشاهدته.

قال الناظر: وعندها هزم الخليفة أبو يوسف رضى الله عنه الشقى الميورقى بظهر مدينة حامة مطماطة المذكورة، فر الشقى منهز ما بخديعة الذهن آخذا على هذه السباخ، فتبعه الموحدون أعزهم الله، سالكين أثره قاصين خبره حتى أشرفوا على مدينة توزر، فلقوه قد توغل فى صحرائها. وخاطب الخليفة رضى الله عنه بلاد المغرب معلما بذلك. فمن فصل من الرسالة: « ... نهض الموحدون- أعزهم الله- من قابس- كلأها الله- آخذين على صحرائها وقاصدين إلى البلاد الجريدية من ورائها على طرق لا عهد لها بالعساكر، ولا علم فيها لعابر، ولا منفذ أمامها لوارد ولا صادر، بحيث منقطع التراب، ومتصل القفر اليباب، ولا ماء ينبع فى الأرض ولا يستقر من صوب السحاب، وإن سلوكها لمن العجائب العجاب، وآيات هذا الأمر الميسر للطلاب ... ».

وآخر بلاد الجريد مدينة درجين: وهى مدينة قديمة بقرب نفطة، وهى مدينة كبيرة وفيها تصنع الكسى الدرجينى، وهو يشبه السجلماسى فى ثوبه ولونه، ولكنه دونه فى الجودة. وبالقرب منه بلد سوف، ولا يعرف خلفه عمران ولا حيوان إلا جبال من رمل يصاد فيها الفنك الذي لا يوجد لجلده نظير فى الدنيا. وأهل تلك البلاد يخبرون أن قوما أرادوا معرفة ما وراء قسطيلية مثل توزر وغيرها، فأستعدوا بالأزودة والمياه، وذهبوا فى تلك الصحارى والرمال أياما، فلم يروا أثرا لعمران وهلك أكثرهم فى تلك الرمال. قال الناظر: ركب هذه الرمال، وشق صحراءها هذا الشقى فى حين طلب الموحدين له، أيام إقامة أمير المؤمنين على قفصة، وإنما نبه على ركوبها ما تعوده أيام كونه مع أبيه بميورقة، فإن من أفعال عدو الله ركوب ظهر اللجج طول النهار، فإذا أقبل العشى طلب أهل البر للفرضه. وكذلك فعل الشقى،

ركب هذه الصحراء طول إقامة الخليفة ببلاد إفريقية، فلما أقبل عنها، رجع إلى أقرب البلاد لها وهى توزر فقضى نحبه عليها، وإنها من براهين هذا الأمر العلى، وأخذه الله تعالى بذنوبه المتقدمة من سفك الدماء وإباحة الأموال والحريم فى بلاد إفريقية. قال المؤلف: وأهل الجريد يأكلون الكلاب ويستطيبونها، وهم يسمنونها، ويعلفونها بالتمر، فيزعمون أن لحمها يأتى ألذ اللحوم. ولا يجذم أحد ببلاد الجريد، وإن دخلها مجذوم توقفت عنه علته. ويقول أهل بلاد الجريد إن التمر إذا أكل أخضرا، وهو الذي يسمى البهر يفعل ذلك، وإنه من بدت به علة الجذام، فأكثر من أكل البهر وطبخه وشرب مائه برأ باذن الله.

ومن مدن إفريقية المشهورة مدينة باجة: وهى مدينة كبيرة أزلية قديمة فيها آثار للأول. ولها حصن حصين أزلى مبنى بالصخر الجليل، أتقن البناء، يقال إنه من عهد عيسى عم. ومدينة باجة على جبل شديد البياض، يسمى الشمس لبياضه، وهى كثيرة الأنهار والعيون؛ ومن تلك العيون عين كبيرة تسمى عين الشمس، وهى تحت سور المدينة؛ وباب المدينة بإزاء العين ويسمى الباب باب عين الشمس. ومدينة باجة رخيصة الأسعار جدا، فإذا أخصبت البلاد لم تكن للحنطة بها قيمة. وتسمى باجة هرى إفريقية، فإن بها تمتاز جميع البلاد، عربها، وبربرها، لكثرة طعامها ورخصه. وباسمها سميت باجة الغرب بجزيرة الأندلس. وباجة إفريقية على مقربة من فحص قلّ المشهور بكثرة الزرع، وأرض هذا الفحص أرض مشققة سوداء، يجود فيها جميع البذر، ويكون فيه حمص وفول قل ما يوجد مثله فى موضع.

ومدينة باجة نظر كبير، ولها قرى كبيرة عامرة ومن بعض قرى باجة، قرية تعرف بالمغيرية وهى كبيرة وبها آثار كثيرة للأول، من كنائس قائمة

البنيان، محكمة العمل، كأنها رفعت عنها الأيدى بالأمس؛ وكلها مفروشة بالرخام النفيس. وفى هذه الكنائس أعجوبة، يجتمع على حيطانها من الغربان عدد لا يحصى، يظن الرائى لها أن غربان الأرض قد جمعت هناك. ويقال إن لها بها طلسم. وكان الولاة يتنافسون فى ولاية بجاية، ويقولون من يترك قمح عندة وسفرجل دانة وعنب باطة وحوت درنة. وذرنة بحيرة كبيرة ما بين مدينة باجة، ومدينة طبرقة. وعلى الطريق من القيروان إلى قلعة أبى طويل وهى قلعة حماد، مما يلى بلاد الصحراء، مدن كثيرة خربتها العرب عند دخولهم بلاد إفريقية، منها

مدينة سبيبة: وهى مدينة قديمة أزلية، ذات أنهار، ومياه سائحة تطحن عليها أرحية. وكانت على نظر كبير ومز درعات كثيرة وقرى عامرة.

وفيها اليوم بعض سكنى لقبائل من البربر والعرب، ويسمى اليوم ذلك النظر القرى. ولم يكن بإفريقية أخصب أرضا منها، ولا أكثر بساتينا وثمارا وعيونا جارية. ولمدينة سبيبة عين عظيمة كبيرة، وهى من بنيان قديم، من عمل الأوائل، ويقال إن فيها أخباء كثيرة. ومن أغرب ما يهتف به أهلها، أنهم يقولون إنه يوجد فيها فى رأس كل شهر دينار كبير، زنته عشرة مثاقيل، ولا يجده إلا من يعرف رقية العين، ويقولون إن رجلا كان يعرف رقية العين المذكورة، فكان يبخر ببخور، ويرقى بكلام غير مفهوم، فكان يجد فيها كل يوم دينارا من تلك الدنانير، حتى كسب من ذلك مالا كثيرا.

مدينة مجّانة: وتعرف بمجانة المطاحن، لأن بها معدنا لقطع حجارة الأرحاء ليس على الأرض مثله؛ وهى مدينة قديمة أزلية ذات مياه وعيون.

مدينة مرما جنّة: كانت مدينة كبيرة قديمة أزلية. فيها آثار كثيرة للأول ولها عيون سائحة، وهى على نظر واسع كثير الزرع والخيرات.

مدينة تبسا: وهى مدينة قديمة أزلية، فيها آثار كثيرة للأول ومبان عجيبة، ما بإفريقية بعد قرطاجنة أعظم منها. فيها دار ملعب قد تهدم أكثره، أغرب ما يكون من البناء. وفيها هيكل يظن الرائى انه كما رفع اليد عنه، ما يكاد يعرف الفرق بين أحجاره، ولو غرست الإبرة بين حجرين من أحجاره ما وجدت منفذا. وفى داخله أقباء معقودة بعضها فوق بعض، وبيوت تحت الأرض وآزاج كثيرة لها منظر هائل. ويقال إن ذلك الهيكل كان لاستنزال الروحانيات، لأن فيه أثر الدخان، وفيه صور جميع الحيوانات وصور شاذة لا يعلم ما هى. وفى وسط المدينة هيكل عظيم، مبنى على سوارى رخام عظام، وقد صور خارج حيطان هذا الهيكل من صور جميع الحيوانات بأغرب ما يكون من التصوير، ويقال إنها كلها طلاسم. وتوجد فى خرائبها طلاسم، ولقد دخلتها فأعطانى إنسان من أهلها طلسما، وهو على صورة أسدين من نحاس أحمر، عجز الواحد منهما إلى عجز الآخر، قد صورتا بأعجب ما يكون من التصوير. وأخبرنى أن بلدهم تبسّا كان لا يدخلها عقرب، ولو أدخل فيها مات، حتى حفر إنسان أساس داره، فوجد قدر نحاس فيها عقارب من نحاس، فسبكها، وصرفها فيما يحتاج، فدخلت حينئذ العقارب المدينة، وأضرت بالناس فيها. والمسكون اليوم من تبسا إنما هو قصرها، وعليه سور من حجر جليل، متقن العمل كأنما فرغ منه بالأمس، وهو حصن عظيم. وفى مدينة تبسّا أقباء تدخلها الرفاق بدوابهم فى أيام الشتاء، يسع القبول منها ألفى دابة وأكثر. وبقرب مدينة تبسا، واد يعرف بوادى

ملان. وهو يقل فى أيام الصيف؛ وهو صعب المجاز كثير الدهس، وعليه جبل يسمى ملان يرى على مسيرة أيام لعلوه، وذهابه فى الجو. وعلى مقربة من تبسا جبل يعرف بالكتف، وفى أعلاه مغارة لا يقدر على الوصول إليها لا من فوق الجبل، ولا من أسفله. ويقال إن فيها مالا عظيما، فإن الطير إذا نزلت فى تلك المغارة وطارت عنها سقطت منها دنانير كبار من ذهب نفيس، وهذا متعارف فى تلك البلاد. ولمدينة تبسا بساتين كثيرة، وفواكه عجيبة، ويجود فيها الجوز حتى يضرب به المثل بإفريقية

مدينة باغاية: وهى مدينة عظيمة جليلة، فيها آثار للأول، ولها أنهار عامرة، وعيون، ومزارع، ومسارح. وهى تحت جبل أوراس، وهذا الجبل يشق بلاد المغرب وإفريقية: فطرفه من البحر الغربى ايغريطوق على البحر المحيط، حيث انتهى عقبة المستجاب، ﵀؛ وطرفه الثانى فى البحر الشرقى بقرب الإسكندرية، وهو المسمى بطرف أوثان الذي إذا عبرته المراكب استبشرت بالسلامة. ومبدؤه بالمغرب، وهو جبل المصامدة المسمى بجبل درن، وهو جبل جزولة المسمى بانكسيت وهو جبل أوراس هذا، ويسكنه لواته، وهو جبل نفوسة. ويدخل طرفه فى البحر نحو ميل وأزيد. وله جون عظيم فإذا أدخلت الرياح سفينة من السفن فى هذا الجون، وعدمت الرياح التى تخرجها منه فلا تجد هناك مرسى لأنه جبل صلد أملس مثل الحائط، وهذا الجون من أحد عجائب الدنيا.

وبقرب باغاية قبر مادغوس وهو قبر مثل الجبل العظيم مبنى بآجر رقيق معقود بالرصاص، وبنيت بجانبه طبقات صغار وصورت فيه جميع الصور من الإنس والطير والوحش. وهو مدرج النواحى؛ وقد رام كثير من الأمم هدم هذا القبر فلم يقدروا على ذلك لقوة بنيانه، ولمانع يمنع عنه. ولا يعلم على الحقيقة ما هو: هل هو قبر أو هيكل. إنما هو بناء قديم لا يعلم له أول، وهو مجمع لكل طائر؛ ويقال إن لهم هناك طلاسم.

ومن الجبال المشهورة بإفريقية جبل أوراس: وهو جبل خصيب فيه مدن كثيرة وفيه آثار كثيرة للأول ومدن خربة مثل مدينة طنفة.

وكانت مدينة قديمة فيها آثار عجيبة. لقد رأيت فيها بيتا له عضادتان من حجرين مثل جبلين وعليهما عتبة من حجر واحد مثل الجبل الضخم قد قرضت ونقشت على النوع الذي يعمل عندنا فى العمود بأتقن صناعة وأغربها، وإنما العجب كيف رفعت تلك العتبة أو زحزحت من الأرض.

مدينة الموس: فيها كذلك أثار عجيبة ومبانى غريبة تنبئ أنها كانت مدينة عظيمة كبيرة.

مدينة شقبنارية: وهى مدينة كبيرة فيها آثار عظيمة وهى على طرف هذا الجبل أوراس. وكانت فيما يقال من أعظم مدن إفريقية، وكان لها ماء مجلوب وبقى فيها اليوم مواجل عظام ما تغير منها شئ، وفيها عين عظيمة عذبة

ولها سرب كبير تحت الجبل يمشى فيه الفارس بأطول ما يكون من الرماح فلا يلحق سماك ذلك السرب. ويقال إن فيه كنوزا وأموالا كثيرة؛ ويقال إنه كان بمدينة شقبنارية كنيسة وفيها مرآة صنعت من أخلاط عجيبة؛ إذا اتهم الرجل أهله بأحد، نظر فى تلك المرآة فيرى وجه الرجل المتهم. فيقال إنه كان فى تلك الناحية رجل بربرى يدعى أنه من أهل الخير والصلاح، فاتهم ملك شقبنارية أهله بذلك البربرى فنظر فى المرآة فرأى صورة البربرى مع امرأته، فأوقف على ذلك الشهود وأخذ البربرى فقتله، فغضب لذلك أهل البربرى ودخلوا تلك الكنيسة فكسروا تلك المرآة ونزعوها. وفى هذا الجبل مدن قديمة كثيرة خربة فيها آثار عظيمة وهو كثير العمائر والقرى وهو بلد الزرع والضّرع.

ومما يقرب من هذا الجبل من المدن المشهورة بإفريقية مدينة قسنطينة:

وهى مدينة كبيرة عامرة قديمة أزلية، فيها آثار كثيرة للأول. وكان لها ماء مجلوب يأتيها على بعد على قناطر تقرب من قناطر قرطاجنة؛ وفيها مواجل عظام مثل الذي بقرطاجنة. ومدينة قسنطينة حصينة فى نهاية من المنعة والحصانة لا يعرف بإفريقية أمنع منها، ليس لها فى المنعة نظير غير مدينة رندة بالأندلس، فإنها تشبهها فى وضعها والخندق المحيط بها والحافة المحدقة بها شبها كثيرا. ولكن قسنطينة أعظم وأكبر وأعلى، على جبل عظيم من حجر صلد، وقد شق الله تعالى ذلك الجبل فكان فيه خندق عظيم يدور بالمدينة من جوانب. ونهرها الكبير يدخل على ذلك الخندق ويدور بالمدينة فيسمع لجريانه فى ذلك الخندق دوى عظيم هائل وصوت مفزع لمن يقرب منه. وقد عقد الأولون على هذا الخندق قنطرة عظيمة بل هى بعضها على بعض. و [هى] بالجو قربت من أعلى الخندق، وعليها الدخول إلى باب المدينة وهى متصلة بالباب. وقد بنى على طرف القنطرة مما يلى باب المدينة بيت على أقباء يسميه أهل المدينة «العبور» يعنون الشّعرى لأنه معلق فى جو السماء، فإذا كنت فى وسط هذه القنطرة تعبر إلى

الضفة الثانية نظن أنك تطير فى الهواء، وترى ماء النهر الكبير فى قعر الخندق البعيد المهوى مثل الجدول الصغير. وهذه المدينة من عجائب العالم قد دخلتها مرارا وتأملت آثارها ودخلت مواضع كثيرة فيها آثار للأول فتأملتها، وكان لى فى ذلك غرض. وهى على نظر واسع وقرى كثيرة عامرة آهلة، وهى كبيرة الخصب والزرع ولها بساتين كثيرة الفواكه، لكنها شديدة البرد والثلج كثيرة الرياخ لعلوها وارتفاعها. وأقرب بمدينة القسنطينة من رأس البحر مدينة القلّ بينهما نحو المرحلتين أو أقل.

مدينة ميلة: مدينة أزلية فيها بعض آثار للأول تدل على أنها كانت مدينة كبيرة. وهى الآن عامرة آهلة كثيرة الخصب رخيصة السعر، على نظر واسع وقرى عامرة. وميلة كثيرة الأسواق والمتاجر، عليها سور صخر جليل من بناء الأولين. وفى وسط المدينة عين خرارة عذبة من بناء الأوائل لها سرب كبير يدخل فيه فلا يوجد له آخر، ولا يعلم من أين يأتى ذلك الماء. ويقال إنه مجلوب من جبل بالقرب منها يسمى تامروت، وتعرف هذه العين بعين أبى السباع. وبالقرب من ميلة جبل العنصل يسمى اليوم جبل بنى زلدوى وهم قبائل كثيرة من البربر سكنوا بذلك الجبل، ولهم خلاف كثير على الولاة بسبب منعة جبلهم؛ وفيه مدن وعمائر وقرى كثيرة وهو أخصب جبال إفريقية؛ فيه جميع الفواكه من التفاح الجليل والسفرجل الذي لا يوجد مثله فى بلد والأعناب الكثيرة. وعلى الطريق من مدينة ميلة إلى قلعة أبى طويل وهى قلعة حماد، مدينة سطيف، بينها وبين ميلة مرحلة. وهى مدينة قديمة أزلية كان عليها سور صخر قديم خربه كتامة مع أبى عبد الله الشيعى.

ومدينة سطيف رخيصة الأسعار كثيرة الفواكه والثمار، غزيرة المياه والأنهار والبساتين والأشجار.

مدينة الغدير: وهى مدينة كبيرة أزلية بين جبال قد أحدقت بها، ولها نهر يجتمع من العيون فى موضع دهس يخرج منه هذا النهر، ويسمى نهر سهر ويمشى من هناك إلى مدينة المسيلة وهو نهرها. والمسيلة من بلاد الزاب، وسيأتى ذكرها عند ذكرنا بلاد الزاب إن شاء الله. وبقرب مدينة الغدير فحص عجيسة، وهو فحص مديد، كثير الزرع والضرع إلا أنه شديد البرد والثلج. ولقد دخلت هذا الفحص فى زمان الصيف فرأيت الجليد ينزل فيه بالغدو. ومن أمثال تلك البلاد، برد بلد عجيسة فى الصيف وأما الشتاء فسكرات الموت وعندهم النيلة المشهورة.

مدينة قلعة أبى طويل: وهى قلعة حماد وهى مدينة عظيمة قديمة أزلية على نظر عظيم كثير الزرع وجميع الخيرات. وهى فى جبل عظيم، وهى حصينة منيعة لا تمكن بقتال. وكانت دار مملكة بنى حماد من صنهاجة، وهم كانوا ملوك إفريقية [أيام بنى عبيد] فلما رحلوا إلى بلاد مصر، ولوا على إفريقية [بلجين بن زيرى بن مناد الصنهاجى، فكان كذلك على طاعتهم إلى أن مات ثم ولى بعده ابنه حبوس فكان كذلك على طاعتهم إلى أن مات فولى بعده ابنه باديس؛ ثم ولى بعده أبنه المعز وهو الذي خلع طاعة الشيعة وقتلهم بإفريقية قتلا ذريعا. وكان سبب ذلك أن هذا المعز بن باديس كان يضمر حب الصحابة رضه، وكان يظهر التشيع والقليل من أهل إفريقية سنية لكون

الدولة للشيعة، فقيل إن المعز كان ماشيا يوما بالقيروان، وكانت دار مملكة إفريقية، إذ كبت به دابته فقال «أبو بكر وعمر»، فلما سمع منه أهل القيروان ذلك قاموا على الشيعة فقتلوهم حيث ما وجدوهم وقتلوا فى جميع إفريقية؛ ويقال إنه قتل منهم بالقيروان وأحوازها نيف على ألفا. وملك بنو زيرى ابن مناد الصنهاجى بلاد إفريقية إلى أن دخلها عليهم العرب، فرجع صاحب القيروان يسكن مدينة المهدية. وقد كان حماد بن حبوس قام على ابن عمه باديس بهذه المدينة، فسميت قلعة حماد؛ ونزل عليه ابن عمه فى جيوش لا تحصى فما قدر عليه، ورجع عنه خاسرا؛ ويقال إنه مات عليها وحمل منها إلى القيروان.

وولى بعده ابنه المعز وهو لم يبلغ الحلم فعند ذلك عظم ملك حماد بقلعة أبى طويل، وأخذ كثيرا من مدن إفريقية. فلما دخل العرب إفريقية هرب منهم صاحب القيروان إلى المهدية، وخرج المنصور من بنى حماد لنصرة ابن عمه وهزم الهزيمة المشهورة على مدينة سبيبة، وقد ذكرنا ذلك فى أخبار بجاية، وعظم ملك بنى حماد بجهة القلعة، وبجاية، وتلك البلاد.

ولبنى حماد بالقعلة مبان عظيمة وقصور منيعة متقنة البناء عالية السناء منها قصر يسمى بدار البحر، وقد وضع فى وسطه صهريج عظيم تلعب فيه الزوارق، يدخله ماء كثير من ماء مجلوب على بعد. وهذا القصر مشرف على نهر كبير وفيه من الرخام والسوارى ما يقصر عنه الوصف، وفيه قصور غير هذا ومبان عجيبة؛ وفيها آثار للأول عجيبة. ويقال إن حماد بن مناد صاحب القلعة التى تنتسب إليه كان له دهاء وفطنة وتجربة فى الحروب، وكانت له فراسة حسنة وذكاء وله أخبار مشهورة محفوظة. فمن المحفوظ عنه من الذكاء والفطنة أن رجلا شيخا خرج مع امرأته من بعض البلاد يريد القلعة فصحبه فى الطريق فتى شاب وكان له جمال، فكلفت به المرأة وكلف بها فتواطآ على أن يدعى فى زوجيتها وتفعل هى كذلك، ويسقط الشيخ، فلما وصلوا القلعة فعلا ذلك. قال فتعرض الشيخ إلى حماد وشكا إليه

ما دهاه. وكان الشيخ مولعا بالمرأة فأمر حماد بإحضار الفتى والجارية، فسألهما عما ذكره الشيخ فأنكرا ما قال الشيخ وتعارفا أمامه بالزوجية. فجعل حماد يسأل الشيخ من صحبه فى الطريق، أو هل له بينة أو شبهة؛ فقال له الشيخ ما صحبنى وامرأتى غير هذا الكلب، خرج معنا من البلد الفلانى، وهو تربيتنا؛ فأمر حماد بربط الكلب إلى شجرة، ثم أمر المرأة أن تحله، فقربت منه فهش الكلب إليها، فحلته، ثم أمرها فربطته ثم حلته، والكلب فى ذلك كله يهش إليها ولا ينكر شيئا مما تفعل به. ثم قال للفتى قم إلى الكلب وحله واربطه فلما دنا منه خجّه الكلب وأنكره ولم يقدر على الدنو منه. فقال حماد للشيخ قم إلى الكلب، فقام إليه فهش الكلب كما هش للمرأة، فأمر بضرب عنق الفتى، وقال للشيخ شأنك والجارية. وكان له من هذا الباب كثير. ويذكر أنه قال: ما تداهى على أحد قط ولا خدعنى غير امرأة وكعاء من البربر.

قيل له وكيف كان ذلك؛ قال كان لى صاحب من البربر نشأت معه بالقيروان ولم يفرق بيننا ريب الزمان، وكنت خالطته بنية نفسى وجعلته محل أنسى، فلما صرت إلى ما أنا فيه من الرياسة، فقدته، فجعلت أطلبه فلا أقدر عليه، فلما نزلت على مدينة باغاية، ودخلتها عنوة واستبحت جميع ما فيها فإذا أنا فى صبيحة ذلك اليوم بصائح يصيح: «أنا بالله وبالأمير»؛ فقلت: «مالك ومن أنت». فقال أنا فلان، فإذا بصاحبى الذي كنت أطلب مع أهل باغاية، قد حبسه عنى نسكه، وغلب على هواه وورعه؛ فأظهرت البشر بمكانه والجزل بشأنه، ولو شفع إلى فى أهل باغاية لشفعته. فجعلت أوانسه وهو كالوالد فسألته عن أمره، فقال إنه فقد بنتا كانت له فيمن فقد من النساء؛ فقلت له والله لو خرجت إلى بالأمس لحقنت دم أهل بلدك لحرمتك عندى؛ فقال القدر غالب والمحروم خالب. قال حماد ثم أمرت القواد فأحضروا جميع ما كان فى أخبئتهم من النساء، فعرف الرجل أن ابنته فيهن. قال حماد فأمرت بسترها وترفيهها وحملها مع أبيها فى أحسن حال، قال فرفعت صوتها قائلة، والله يا حماد لا

رجعت مع أبى ولا مع الذي غصبنى، قال فقلت لها فما الذي تريدين؟ قالت إنى لا أصلح إلا للملوك فلا حاجة لى بسواهم، فلما سمع ذلك أبوها سكن ما كان فى نفسه لها من الإشفاق، وظن أنها قد فتنت وفسدت. قال حماد ومن أين تقولين أنك تصلحين للملوك؟ قالت، لأن عندى علما لا أشارك فيه ولا يدعيه غيرى، فقلت لها ألا أريتينا شيئا من علمك، قالت نعم تأمر بقتل إنسان وتحضر أمضى سيف عندك، أتكلم عليه بكلمات تمنع من تأثيره فى أحد ويعود فى كف حامله أكل من قبله. قال حماد فقلت إن الذي يجرب هذا فيه لمغرور، فقالت لى، أويتهم أحد فى قتل نفسه؟ قلت لها لا، فقالت إنى أريد أن تجرب ذلك فىّ حتى تروا عجبا. قال فأتى بسيف ماض فتكلمت عليه وأشارت إلى السماء مرارا ومدّت عنقها، فضربها السياف ضربة أبان رأسها من جسدها؛ فاستيقظت من غفلتى، وعلمت أنها تداهت على، وكرهت العيش بعد الذي جرى عليها واستبان لأبيها ذلك فجعل يلقى نفسه عليها، ويتمرغ فى دمها اغتباطا بما رأى من عظيم أنفاسها، إذ اختارت الموت على ما نزل بها، وقال لا شك أن إشارتها إلى السماء إنما كان ذكرا للشهادة والدعاء لله تعالى أن يغفر لها. وتصنع بمدينة قلعة حماد أكسية ليس لها مثيل فى الجودة والرقة إلا الوجدية التى تصنع بوجدة؛ يساوى كساء عيد من عمل القلعة دينارا.

النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع