تجاوز إلى المحتوى

من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)

ذكر كورة قسطيلية من بلاد الجريد

الصفحة ٢ من ٣

مدينة أشير: بناها زيرى بن مناد الصنهاجى وتعرف بأشير زيرى، وكانت مدينة قديمة فيها آثار عجيبة، وإنما بنى زيرى سورها وحصنها وعمرها فليس فى تلك الأقطار أحسن منها. وهى بين جبال شامخة محيطة بها. وداخل المدينة عينان لا يبلغ لهما غور ولا يدرك لهما قعر من بناء الأول، وبالقرب من المدينة بنيان عظيم يعرف بمحراب سليمان لم ير بنيان أعظم منه ولا أحكم، فيه من الرخام والأعمدة والنقوش ما يقصر عنه الوصف.

مدينة مليانة: قريبة من مدينة أشير، وهى مدينة كبيرة من بنيان الروم جددها زيرى بن مناد أيضا وفيها آثار قديمة. وهى مدينة حصينة فى سفح جبل يسمى نكار، وشعراء هذا الجبل كلها ريحان، وينبعث من هذا الجبل عين خرارة عظيمة تطحن عليها الأرحية لقوتها. ولمدينة مليانة مياه سائحة وأنهار وبساتين فيها جميع الفواكه، وهى من أخصب بلاد إفريقية وأرخصها أسعارا. ومدينة مليانة مشرفة على فحوص واسعة وقرى كثيرة عامرة ومزارع واسعة؛ وحولها قبائل كثيرة من البربر. ويشق تلك الفحوص نهر شلف وهو نهر كبير مشهور. وعلى نهر شلف مدينة قديمة أزلية فيها آثار أولية تسمى شلف، وإليها ينسب النهر الكبير، وهى اليوم خراب.

مدينة الخضراء: وإنما سميت الخضراء لكثرة بساتينها، وكانت مدينة كبيرة قديمة فيها آثار أولية وهى على نهر إذا حمل دخل بعضها، وأظنه نهر شلف.

ذكر بلاد الزاب: وهى على طرف الصحراء، فى سمت بلاد الجريد، وهى مثلها فى حر هوائها وكثرة نخلها. وهى مدن كثيرة، وأنظار واسعة وعمائر متصلة، فيها المياه السائحة والأنهار والعيون الكثيرة.

مدينة المسيلة: أقرب بقلعة حماد من بلاد الزاب مدينة المسيلة، وهى فى بسيط من الأرض على نهر كبير يسمى بسهر، ومنبعه من مدينة

الغدير وقد ذكرناه. مدينة المسيلة أحدثها أبو القاسم إسماعيل بن عبيد الله الشيعى منذ سنة [-] وكان المتولى لبنائها على بن حمدون بن سماك المعروف بابن الأندلسى، فلم يزل بها أميرا حتى مات فى فتنة أبى يزيد، وبقى ابنه جعفر أميرا فيها، وولى على بلاد الزاب كلها. وهذا جعفر ممدوح محمد بن هانئ الأندلسى الشاعر المشهور، له فيه مدائح كثيرة حسان، وكان من أكثر أهل زمانه إحسانا. ومدينة المسيلة كثيرة النخل والبساتين تشقها جداول المياه العذبة، وكانت مدينة عظيمة على نظر كبير، وحواليها قبائل كثيرة من البربر من عجيسة وهوّارة، وبنى برزال.

مدينة نقاوس: مدينة كثيرة الأنهار والثمار والمزارع، كثيرة شجر الجوز، منها يحمل الجوز إلى قلعة حماد وإلى بجاية وإلى أكثر تلك البلاد.

مدينة طبنة: وهى مدينة كبيرة قديمة عليها سور من طوب ولها حصن قديم عليه سور من صخر جليل ضخم متقن البناء من عمل الأوائل، ولها أرباض واسعة وهى مما افتتح موسى بن نصير حين دخل بلاد إفريقية والمغرب وبلاد الأندلس فبلغ سبيها ألف رأس. ويشق مدينة طبنة جداول الماء العذب ولها بساتين كثيرة النخل والثمار ولها نهر يشق غابتها، وقد بنى له صهريج كبير يقع فيه وتسقى منه جميع بساتينها وأرضها، ولم يكن من القيروان إلى سجلماسة مدينة أكبر منها

مدينة بسكرة: وهى مدينة كبيرة، وحواليها حصون كثيرة وقرى عامرة وهى قاعدتها، ولها غابة كبيرة كثيرة النخل والزيتون وجميع الثمار، ببسكرة النخل لكثرته بها، وفى جميع البلاد إنما يصيحون عليه «بسكرة».

وأكثر تمرها الجنس المعروف بالكسبا وهو المعروف ببلاد المشرق وبمدينة الرسول عم وغيرها بالسيمانى، وببسكرة أيضا جنس من التمر يعرف بالليارى وهو أبيض أملس وكان صاحب القيروان يأمر عماله بالمنع من بيعه، وبعث ما هناك منه إليه لطيبه وحسنه. ويشق غابة بسكرة نهر كبير ينحدر من جبل أوراس يسقى بساتينها ونخلها، وهو نحو أميال فى غابة متصلة بالمدينة يشق غابتها وقراها. وبسكرة دار فقه وعلم، فيها العلماء. ومن قرى بسكرة قرية تسمى ملسون، ومنها كان أبو عبيد الله الملسونى، وكان عالما فقيها يحمل عنه العلم، وهو الذي أخبرنى أن فى طريق بسكرة جبلا وفيه كهف فيه رجل قتيل لم يعرف أحد من أى عهد هو، ولم تغيره الدهور ولا تقادم الأزمان كأنما جراحه تقطر دما كأنه قد قتل من يومين، وتخبر الكافة عن الكافة والخلف عن السلف، أنهم كذا عرفوه منذ كانوا؛ وقد نقله أهل تلك النواحى ودفنوه بأقبيتهم تبركا به ثم لم يلبثوا أن وجدوه فى الكهف على حاله، يحدث بذلك ثقات أهل النواحى، ويقال إنه من الحواريين. ذكر محمد بن يوسف فى كتابه أن هذا القتيل فى شق جبل بشرقى عين أو بان، وهذه العين عظيمة بين مدينة مرماجنة وبين مدينة سبيبة، وذكر أنه يخيل لرائيه أنه كما ذبح من يومه وإنه هناك من قبل فتح إفريقية ولم يذكر أمر نقله ودفنه. وقد ذكر المسعودى ﵀، هذا القتيل والله أعلم بحقيقة أمره.

مدينة تهودة: بالقرب من بسكرة مدينة تهودة وهى مدينة كبيرة قديمة أزلية عليها سور عظيم مبنى بالحجر الجليل، ولها رياض كبيرة ولها أرباض كثيرة يدور بجميعها خندق، ولها نهر كبير ينصب إليها من جبل أوراس، فإذا كانت بينهم وبين أحد حرب، وخافوا النزول إليهم أجروا ماء ذلك النهر فى الخندق المحيط ببلدهم فامتنعوا منه. وهى كثيرة البساتين والزرع والنخل وجميع الثمار. وفى هذه المدينة خبر مشهور عن رسول الله ﷺ، يروى عن شهر بن حوشب أن النبي ﷺ نهى عن سكنى هذه البقعة الملعونة التى يقال لها تهودة؛ وقال له سوف يقتل بها رجال من أمتى على الجهاد فى سبيل الله ثوابهم كثواب أهل بدر وأهل أحد، والله ما بّدلوا حتى ماتوا. وكان شهر بن حوشب يقول:

وا شوقاه إليهم، وقال شهر سألت جماعة من التابعين عن هذه الصحابة التى ذكرها رسول الله ﷺ، فقالوا ذلك عقبة بن نافع وأصحابه قتلهم البربر والنصارى بمدينة يقال لها تهودة، فمنها يحشرون يوم القيامة وسيوفهم على عواتقهم حتى يقفوا بين يدى الله تعالى. وروى أبو المهاجر قال: قدم عقبة بن نافع مصر وعليها عمرو بن العاص فى خلافة معاوية بن أبى سفيان فنزل منزلا من بعض قرى مصر ومعه جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم عبد الله بن عمرو بن العاص فوضعت بين أيديهم سفرة فيها طعام فلما تناولوا من الطعام، ضربت حدأة على ما بين أيديهم من الطعام فأخذت منه عرقا، فقال عقبة اللهم دق عنقها، قال وأقبلت منقضة حتى ضربت بنفسها الأرض فأندقت عنقها، فأسترجع ابن عمرو فسمعه عقبة يترجع فقال: ما لك يا أبا عبد الله، فقال بلغنى أن قوما يغزون إلى هذه الناحية فيستشهدون بها جميعا، فقال عقبة اللهم أنا ومنهم، وكان مستجاب الدعوة. قال ثم إن عقبة بن نافع خرج فى أيام يزيد بن معاوية على جيش كبير غازيا إلى بلاد المغرب، فمر على عبد الله بن عمرو بمصر فقال له:

«يا عقبة لعلكم من الجيش الذي يدخل الجنة»، قال أبو المهاجر فافتتح عقبة بلاد المغرب حتى وصل إلى أقصاها وعلى ضفة البحر المحيط، وقد ذكرناها.

ويقال إنه أدخل فرسه فى البحر حتى بلغ تلبيب سرجه، وقال اللهم إنى

أطلب السبب الذي طلب عبدك ذو القرنين، فقيل له يا ولى الله وما السبب الذي طلب، قال ألا يعبد فى الأرض إلا الله وحده، وانصرف إلى إفريقية.

فلما دنا منها تفرق أصحابه عنه فوجا فوجا، فلما وصل إلى مدينة طبنة من نظر الزاب، أذن لسائر جيشه وبقى فى عدة يسيرة من أصحابه، وقد كان فى دخوله بلاد المغرب خطر على مدينة تهودة وعلى مدينة بادس، فرأى فيها قوة كثيرة من النصارى والبربر، وكانت فى ذلك الوقت أعظم مدن المغرب. فلما رجع قال أمر على مدينة تهودة وبادس، أعرف ما فيهما من القوة والجيش، فلما انتهى إلى مدينة تهودة اعتمده كسيلة بن أقدم وكان أميرها فى جيوش من الروم، وقد كان سمع تفرق جيش عقبة عنه، وأقبلت عليه عساكر من البربر، فلما رآهم عقبة وأصحابه كسروا أجفان سيوفهم ورجعوا إليهم فقاتلوا حتى قتلوا جميعا ﵏؛ وقبر عقبة اليوم بمدينة تهودة على مقربة منها بمرحلة.

مدينة بادس: وهى مدينة كبيرة، لها حصنان وأرباض واسعة وبسائط كثيرة ومزارع جليلة يزدرعون فيها الشعير مرتين فى السنة على مياه سائحة ونخل كثير وجميع الفواكه والثمار. وهى مدينة قديمة فيها آثار للأولين ولها مياه وعيون كثيرة، وبالقرب منها قيطون بياضة وهو أول بلاد سماطة، ومنه تفترق الطرق إلى بلاد السودان وإلى القيروان وإلى بلاد الجريد وطرابلس وغيرها. وقيطون بياضة قرية كبيرة كثيرة النخل فيها تجتمع الرفاق، ومنها تخرج إلى جميع البلاد، وهى آخر بلاد الزاب.

ذكر المغرب الأوسط

وفيه مدن كثيرة، وقاعدتها مدينة تلمسان، وحّد المغرب الأوسط من وادى مجمع وهو فى نصف الطريق بين مدينة مليانة ومدينة تلمسان بلاد تازا من بلاد المغرب فى الطول، وفى العرض من البحر الذي على ساحل البلاد التى ذكرنا فى البلاد الساحلية، مثل مدينة وهران ومليلة وغيرها من البلاد الساحلية إلى مدينة تنزل، وهى مدينة فى أول الصحراء وهى على الطريق إلى سجلماسة.

مدينة تلمسان: مدينة عظيمة قديمة فيها آثار كثيرة أزلية تنبئ أنها كانت دار مملكة لأمم سالفة، وهى فى سفح جبل أكثر شجره الجوز، وكان لها ماء مجلوب من عمل الأوائل من عيون يسمى بوريط، بينها وبين المدينة أميال؛ ولها نهر كبير يسمى سطفسيف. وكانت تلمسان دار مملكة زناتة وحواليها قبائل كثيرة من زناتة وغيرهم من البربر. وهى كثيرة الخصب رخيصة الأسعار كثيرة الخيرات والنعم، ولها قرى كثيرة وعمائر متصلة ومدن كثيرة ترجع إلى نظرها.

وفى الجنب من مدينة تلمسان قلعة منيعة كثيرة الثمار غزيرة المياه والأنهار ويتصل بها جبل تاورناية، وهو جبل كبير معمور فيه القرى الكثيرة والعمائر المتصلة.

وفى الجنوب من مدينة تلمسان قرية كبيرة تسمى باب القصر، فوقها جبل يسمى البغل، كثير الخصب والعمارة ينبعث تحته نهر سطفسيف ويصب فى بركة

عظيمة منقورة فى حجر صلد من عمل الأولين فيسمع لوقوعه فى تلك البركة خرير شديد هائل على مسافة أميال، ثم يخرج من تلك البركة بحكمة مدبرة إلى موضع يسمى المهماز، فيسقى هناك مزارع وأولاجا كثيرة تسمى أولاج الجنان؛ وتلك المواضع من أجمل بقاع تلك البلاد؛ ثم يصب فى نهر أسر ثم يصب فى نهر ثافي وهو النهر الذي يتصل بمدينة أرشقول فى البلاد الساحلية. ومدينة تلمسان مدينة علم وخير ولم تزل دار العلماء والمحدثين.

وكان هذا المغرب الأوسط قد تملكه العلويون من بنى إدريس وأمرهم مشهور، وتملكوا بلاد الأندلس وتسموا بالخلافة.

مدينة وجدة: وهى مدينة كبيرة مسورة قديمة أزلية، كثيرة البساتين والجنات والمزدرعات، كثيرة المياه والعيون طيبة الهواء جيدة التربة، يمتاز أهلها من غيرهم بنضارة ألوانهم وتنعم أجسامهم. ومراعيها أنجع المراعى وأصلحها للماشية، يذكر أنه يوجد فى الشاة من شياههم مائتى أوقية شحما، ويصنعون من صوفها أكسية ليس لها نظير فى الجودة مثل العبيدى، يساوى الكساء الجيد منها دينارا وأزيد. وعلى مدينة وجدة طريق المار والصادر من بلاد المشرق إلى بلاد المغرب وسجلماسة وغيرها.

مدينة أجر سيف: مدينة كبيرة لها بساتين كثيرة وهى على نهر ملوية وهو نهر كبير من الأنهار المشهورة، وكانت أجر سيف قرية كبيرة على نهر ملوية حتى خرج الملثمون من الصحراء فنزلوها ومدنوها، وبنوا عليها سورا من طوب.

ومن مدن المغرب الأوسط المشهورة، مدينة تاهرت: وهى مدينة مشهورة قديمة كبيرة، عليها سور صخر، ولها قصبة منيعة على سوقها تسمى المعصومة. ومدينة تاهرت فى سفح جبل يسمى قرقل، وهى على نهر كبير يأتيها من تاحية المغرب، يسمى منية، ولها نهر آخر يجرى من عيون تجتمع يسمى تانس، [ومنه] تشرب أرضها وبساتينها، وكان لها بساتين كثيرة فيها جميع الثمار، وفيها سفر جل يفوق سفرجل جميع البلاد حسنا وطعما ورائحة. وبلد تاهرت شديدة البرد، كثيرة الغيوم والثلج، قال أبو بكر ابن حماد يصفها:

ما أصعب البرد وريعتهوأظرف الشمس بتاهرت
تبدو من الغمام إذا ما بدتكأنها تنشر من تحت
نفرح بالشمس إذا أشرقتكفرحة الذمى بالسبت

ويقال إن رجلا من أهل تاهرت حج فرأى توقد الشمس بمكة فقال لها وقد أحرقته: احرقى ما شئت فو الله إنك بتاهرت لذليلة.

وقرب هذه المدينة قلعة هوّارة: وهى قلعة منيعة فى جبل خصيب فيه بساتين وثمار وأشجار ومزارع، وأعناب، وتحتها فحص طوله نحو ميلا يشقه نهر سيرات ويسقى أكثر أرضه، يسمى ذلك الفحص سيرات بأسم النهر. ونهر سيرات نهر كبير مشهور يقع فى البحر عند مدينة أزواوا، وهى مدينة قديمة رومية. وفحص سيرات يسكنه قبائل كثيرة من البربر،

ومطغرة وغيرهم من قبائل زناته، وزناته تتشعب على قبائل كثيرة، وبلادهم واسعة يخالطهم من جهة إفريقية بنو زغبة من العرب من بنى هلال بن عامر، ومن جهة المغرب بلاد مسوفة، وهم القبائل كثيرة من صنهاجة، يسكنون بتلك الصحراء لا يستوطنون بلدا، وإنما عيشهم على اللبن واللحم، وهم خلق كثير. وفى صحارى بلادهم جبل عظيم يعرف بقلقل وهو كثير الخصب والعيون والأنهار، وفيه آثار عمائر كثيرة، وبيوت محصنة وقرى واسعة لا أنيس بها ولا يسكنها خلق، ويقال إن الجن أخلت تلك العمائر والبلاد. ويرى فى تلك الصحارى بالليل نيران الجن، ويسمع عزفهم وغناؤهم وهم كثيرا ما يختطفون الأناس ويحملونهم معهم وربما يفلت الإنس من بينهم فيرجع إلى أهله فيحدث بما رأى عندهم، وهذا متعارف. ويقال إنهم يبدلون أولاد الإنس، ولذلك يقول أهل إفريقية: يا مبدول، وقد ذكرنا السر فى ذلك. وبقرب تلك البلاد أرض فجيج، وهى بلاد خصبة، وفيها نخل كثير وتسكنها أمم شتى.

وللمغرب الأوسط مدن كثيرة قد ذكرنا أكثرها فى البلاد الساحلية، وهى كثيرة الخصب والزرع كثيرة الغنم والماشية، طيبة المراعى ومنها تجلب الأغنام إلى بلاد المغرب وبلاد الأندلس لرخصها وطيب لحومها.

ذكر بلاد المغرب

فيه مدن كثيرة، وأقطار واسعة، وعمائر متصلة، يحد بلاد المغرب من آخر المغرب الأوسط إلى بلاد تازا، إلى آخر بلاد المغرب على ساحل البحر الكبير الداخل من البحر المحيط عند مرسى أزّمور طولا. وأما عرضا من بلاد طنجة وسبتة إلى بلاد ملوية وأحوازها، وهو أول بلاد سجلماسة إلى الصحراء، وآخر بلاد المغرب.

وقاعدة بلاد المغرب مدينة فاس- كلأها الله: هى أعظم مدينة من مصر إلى آخر بلاد المغرب، ومدينة فاس مدينتان كبيرتان مفترقتان، يشق بينهما نهر كبير يسمى بوادى فاس، يدور عليها سور عظيم. وبين المدينتين قناطر كثيرة، وتطرد فيها جداول ماء لا تحصى، تخترق كلتى المدينتين تسمى بالسوانى لابد لكل دار من ديار المدينتين منها. وفيها عيون كثيرة لا تحصى عددا، وفيها من أرحية الماء نحو رحى، وهى فى المزيد، وربما وصلت؛ والنهر الذي يخترق مدينة فاس ينبعث من عين عظيمة لها منظر عجيب، فيها نحو ال فوارة، فى دائرة، يجتمع منها هذا النهر الكبير، بينها وبين المدينة نحو أميال فى بسيط من الأرض، يكاد لا يتبين جرى الماء فيه لاستواء أرضه.

ومدينة فاس محدثة، أسست عدوة الأندلس فى سنة [-]، وعدوة القرويين فى سنة [-] فى ولاية إدريس بن إدريس الفاطمى؛ ومن ذريته بفاس إلى اليوم ونحن فى سنة [-]. ومدينة فاس اليوم فى نهاية العمارة والصلاح، قد بنيت أكثر جناتها الملاصقة لها دورا، وأضيفت إليها.

وفيها اليوم جوامع للخطبة: جامع عدوة الأندلس، وهو جامع كبير متقن البناء، يقال إن ابن عامر زاد فيه، وجامع عدوة القرويين، جامع كبير أكبر من جامع الأندلس، وزيد فى هذه المدة فى هذا الجامع باب كبير مشرف جميل المنظر، [و] من جهة الجوف سقاية متقنة البناء ملاصقة له، ماؤها من الوادى، وجلب لها ماء عين هو فى أيام الحر فى نهاية البرودة، وفى أيام البرد فيها بعض الحرارة. وكذلك صنعت فى جوف جامع القرويين سقاية متقنة البناء، ومياه جارية مع عتبة الباب الجوفى، وفوارة فى بيلة مرتفعة نصف قامة داخل

الصحن، وزيد فيه من جهة الغرب باب كبير، مرتفع البناء عالى السناء يسمى باب النجارين، كل ذلك فى حدود سنة [-]، فكملت منافع هذا الجامع المكرم وشرفت حومته بما شرفه الله تعالى به. وكذلك بقصبة السلطان جامع شريف معظم فيه الخطبة، وأحدثها فيه هذا الأمر العزيز- أدام الله اعتلاءه- لأن القصبة منحازة عن البلد بسور، فوجب أن يكون فيها جامع وفى كل عدوة شريعة لخطبة العيدين. ومدينة فاس كثيرة الخصب والرخاء، كثيرة البساتين والمزدرعات والفواكه، وجميع الثمار، ولها أقطار واسعة متصلة العمائر. وعدوة القرويين من هذه المدينة أكثرها بساتين وأشجار ومياه وعيون من عدوة الأندلس، وكلاهما خصبة عظيمة القدر، جليلة الخطر ويقال إن رجال عدوة الأندلس أشجع وأنجد من رجال عدوة القرويين، ونساؤهم أجمل من نساء القرويين، ورجال عدوة القرويين أجمل من رجال عدوة الأندلس. ويقال إن بعدوة الأندلس تفاح حلو يعرف بالأطرابلسى، جليل حسن الطعم والرائحة، يصلح بها ولا يصلح بعدوة القرويين. وكذلك بعدوة القرويين أترج جليل، يجود بها ولا يجود بعدوة الأندلس، وكذلك سميد عدوة الأندلس أطيب من سميد عدوة القرويين. وهذه المدينة قصبة بلاد المغرب، بل وبلاد المشرق والأندلس، لا سيما فى هذا الأمر العزيز- أيد الله دوامه- ومنها يتجهّز إلى بلاد السودان وإلى بلاد المشرق، ومنها يحمل النحاس الأصقر إلى جميع الآفاق. قال الناظر هذه المدينة العظيمة، لما كانت على هذا الوضع المتقدم، وفاضت عليها بركة الواضع لها، وهو إدريس بن إدريس العلوى الفاطمى رضه، ترتب على هذا اتساع مكاسب أهلها، ورغد عيشهم، وكثرة تنعمهم، لجمال المدينة، وعظم حماماتها وكثرتها، وهى أصل التنعيم. قال الشاعر:

إذا زفر الحمام، واشتد غيضهوهاجت لو اعيج به وحميم
رأيت نعيما فى الحميم وراحةوذاك غريب فى الجحيم نعيم

فعطفت نفوس أربابها، وشمخت أنوفهم، وكبرت هممهم. وكان فيها من الولاة الملثمين رجال عظماء، عقلاء فضلاء، بادروا إلى مخاطبة الخليفة أمير المؤمنين رضه، وتساعدوا مع الوالى المتصرف بها، فأدخلوا الموحدين أعزهم الله، يوم الاثنين فى العشر الأول من ذى حجة سنة [ مايو]، وسلمت لهم أملاكهم وأموالهم، ولم تزل أحوالهم تنعم، وأموالهم تتزايد مع الأمن والدعة والسكون فى ظل أمن هذا الأمر العالى بهدى الله. ومن شأن النفوس استدعاء الخيرات لذواتها، وجلب المكاسب والمنافع والمحاماة عليها، والرغبة فى تحصيلها، وهذا كله من دواعى الشح، والبخل، والمنع، وقلة الجود، وترك البذل، ولو كان الجود موجودا مع استجلاب المنافع الجسمانية، لما تمكن تحصيلها لطالبها، للمتابعة اللازمة بين الضدين. فلما أحس بهذا من له نباهة، وخاصة الأدباء أظهروا أساليب القوم وأفشوها وخلدوا فيهم عجائب القبائح، مثلما فعل أبو بكر البكى عفا الله عنه، فمن أعجب ما حكى الشيخ العالم الصوفى الزاهد أبو الحسن بن حرزهم رحمة الله عليه، عتبه على ما خلده فيهم من القبائح، فأطرق البكى ساعة وأنشده.

رأيت جنان عدن فى منامىوحور العين فى أسنى لباس
فقلت بما أحصل بعض هذافقال إذا هجوت لأهل فاس
فدع عنك الصلاح وكل برفهجوهم يؤمن كل باس

فانظر يا أخى تحديه وتهديه إلى استنزال الشيخ الزاهد بذكره لجنان عدن، وحور العين، إلى أن أصغى له حتى دس فى سمعه هذه الإبرة، وسرت إلى فهمه هذه السمعة الفاسدة، ولو كان عمل الشرّ مهلكا لفاعله لمجرد لهلك البكى لحينه بأقل منظوماته فيهم، لأن نفوس أهل المغرب مجبولة على الاستنصار، وقيل الحقد مغربى. وعلى الحقيقة فلا يجب أن يعاب أحد بشىء وضع فى جبلته وإنما يعاب المرء بما يحمله عليه نظره السيئ الفكرة وتخلقه العقربى الكسبى. فهؤلاء قوم وضعوا فى مدينة عظيمة النعيم، رغدة المعايش، ومن شأن النفوس جلب المنافع لذاتها، وتحصيل شهواتها ولذاتها، فهم يتأبدون على التحصيل لجميع منافعهم الشهوانية الجسمانية، فمن كان مثلهم طلبهم بأن يسهموه منها وقدمنا [أن] المنع الجبلى فى طباع البشر، كما فى دفع المطالب له، فلزم طرده وزجره، فنتج من هذا تخليد هذه الشناعات، وقبلتها النفوس المناسبة لها فخلدت، ولو كان الذي يطلبهم غير مثلهم، لما عرج ولا ألتفت إليهم، وهو كما قيل:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيهفالناس أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجههاحسدا وبغيا إنه لدميم
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»

وذكرنا أنه كان فى الدولة اللمتونية رجال فضلاء، عقلاء علماء حلماء، وشهرتهم فيها أغنت عن ذكرهم. لكنى أردت أن أذكر شيئا من المدح، وأوصاف المدح والخير، وشيئا من الذم وأوصاف المذمومين، فمن محبيهم أبو بكر البكى، فهو ممن مدحهم، والجوزى، وغيرهم من الأحباء؛

وممن هجاهم كثيرا وأكثرت الرواة لذلك. وقد قدمت السبب فى ذلك أن من شأن النفوس استدعاء الخيرات لذواتها، وجلب المكاسب والمنافع، والمحاماة عليها، والرغبة فى تحصيلها، وهذا كله من دواعى البخل والمنع وقلة الجود، وترك البذل. قال الشاعر:

قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهمواستوثقوا برتاج الباب فى الدار
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم»
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهمقالوا لأمهم بولى على النار
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ما زال فينا رباط الخيل معلمة»

قال المؤلف، وموضع وادى فاس بوادى سبو على أميال من المدينة. وهذا الوادى نهر عظيم من أعظم أنهار بلاد المغرب، ومنبعه من جبل فى بلاد بنى وارتين، ورأس العين فى بئر غامضة يهاب الدخول فيها، وهى دهسة عظيمة لا يدرك لها قعر. وللبربر المجاورين لذلك الموضع تجارب منها أن المريض إذا أرادوا أن يعلموا هل هو يستريح أو يموت، حملوه لرأس العين بذلك الموضع المهول، فيغطسونه فيه حتى يقرب أن يطفى، ثم يخرجونه، فإن خرج على فمه دم فيستبشرون بحياته، وإن لم يخرج من فمه دم، أيقنوا بهلاكه؛ وهذا عندهم متعارف لا ينكر.

قال الناظر، ويتصيّد فى هذا الوادى الشابل الكثير، ويطلع إلى رأس العين أو قرب منه، ويدخل فى هذا الوادى الحوت الكثير، ويتصيد فى بعض الأحيان البورى الكبير؛ وذكر الثقات أنه بيع واحد ب درهما، ورطل كبير منه بدرهم ونصف. ويصل إلى المدينة الحوت الكبير المسمى عندهم بالقرب يحمله الحمار؛ وأخبرنى الثقة أنه عاين لبيسا

تصيد فيه، زنته رطلا، ونازعنى فى القرب والشولى فغلبته.

وأخبرنى الثقات أنه كان»

بمدينة فاس ومكناسة الحوت الذي يسمى بالشولى، وهو ألذ ما يوجد من أنواع السمك، تصنع منه الألوان بأصناف البقل، فلا تشم له رائحة سمك. ولو كان هذا النهر يخرج فى البطاح، لكانت البلاد التى يسقيها أشرف البلاد وأخصبها، وما أسهل خروجه فى بعض المواضع لو تنبه له الأمر العالى، وهذا لابد منه؛ وهو عنوان فتح ديار مصر، فنيل المغرب مفتاح نيل المشرق، فيظهر العجائب، ونيلها بعد له قيوم.

قال المؤلف، وبوادى سبو فوق فاس نحو مسيرة يوم، مضيق ما بين جبلين، يسمى ذلك الموضع بتاغيت، معناه بلسانهم الحق، وذلك المضيق نحو مسيرة يومين، وكان من يسكن بقرب تلك الحوافى، إنما يعبر الوادى فى زنبيل معلق بين الجانين فى حبل قد شد طرفاه فى الحافتين، يسع ذلك الزنبيل نفسين وثلاثة، وعلى ذلك المعبر حبل من الضفتين جميعا، فإذا دخل الزنبيل جذبه أهل الضفة الأخرى إليهم، وبين الزنبيل وبين الماء مهوى بعيد. قال الناظر، ورأيت مضيقا فى وادى وانسيفن بين معدن عرام وبين قلعة مهدى ببلد فزاز، ينحدر الوادى كله فى سعة بلاط قدره شبرا أو نحوها، وعليه قنطرة محدثة وعليها لوح كبير؛ وهذا الوادى هو المعروف بأم ربيع، وهو مثل وادى سبو، ولو عاينه أهل الأمر، أدام الله نصرهم، لأحدثوا عليه قنطرة على قوس واحد مثل قنطرة السيف المشهورة. وبمثل هذه الآثار تفتخر الملوك، فهى من أعظم منافع البشر. قال الناظر، وبالقرب من مدينة فاس غربى عدوة القرويين، موضع يعرف بالشيخ يقال إنه ساخ بأهله.

وبالقرب منها أيضا قلعة يقال لها قلعة زيد، فيها مسجد يقال إن عقبة بن نافع بناها، وفيها شجر زيتون، يذكر من يسكن بقرب ذلك المسجد أن كل دابة من حمار أو ثور أو جمل أو غير ذلك من الدواب، إذا دخله وأكل من ورق الزيتون مات؛ لا يشكون فى ذلك، وهو عندهم متعارف.

وبين مدينة فاس ومدينة تلمسان، مسيرة عشرة أيام فى عمائر متصلة. وقد ذكرنا أن آخر بلاد المغرب الأوسط وأول بلاد المغرب بلاد تازا، وهى جبال عظيمة حصينة كثيرة التين والأعناب وجميع الفواكه، وأكثر شجرها الجوز، وهو يجود بها كثيرا. ويسكنها قبائل من البربر يعرفون بغياتة وقد بنى ببلاد تازا فى هذه المدة مدينة الرباط، وهى مدينة كبيرة فى سفح جبل مشرفة على بسائطه، يشقها جداول المياه العذبة، وعليها سور عظيم، وقد بنى بالجير والحصى، يبقى مع الدهر. وهى فى فسحة على أميال ما بين جبال ينصب إليها من تلك الجبال مياه كثيرة، وأنهار تسقى جميع بساتينها فى أعلاها وأسفلها، ولها نظر كبير، كثير الزرع وجميع الفواكه والخيرات، ولا أعلم ببلاد المشرق والمغرب بلدا أخصب منها ولا أكثر فوائد. وأسست هذه المدينة من نحو سنة، فى حين توجه الخليفة رضه إلى فتح بلاد بنى الناصر وشيدت سنة [-] مدينة الرباط على الطريق المار من بلاد المغرب إلى بلاد المشرق، وتسمى مكناسة تازا. ومكناسة قبيلة كثيرة من البربر سكنوا هناك، يسمى الموضع بهم. وتحت مدينة الرباط بنحو الميل بركة كبيرة يذكر أنها تتصل بالبحر من تحت الأرض، وقيل إنه رئى فيها فى بعض الأزمان دابة من دواب البحر؛ ويقال إن ماء هذه البركة يحمر فى بعض الأوقات حتى يعود كالدم، أخبرنى بذلك رجل من الثقات

النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع