من «الاستبصار في عجائب الأمصار» لكاتب مراكشي (ت ق ٦هـ)
ذكر كورة قسطيلية من بلاد الجريد
الصفحة ٣ من ٣
الساكنين عليها. قال المؤلف، ومن الجبال المشهورة ببلاد المغرب فازار، وهو جبل كبير تسكنه أمم كثيرة من البربر، ويطردهم الثلج عنه فينزلون إلى ريف البحر الغربى. وهم أهل كسب من الغنم والبقر والخيل؛ وخيل هذا الجبل من أعتق الخيول لصبرها وخدمتها، وهى مدورة القدود حسنة الخلق والأخلاق؛ ولحوم غنمه أطيب اللحوم وكذلك أسمانها. وفى هذا الجبل أنواع النبات من العقاقير التى تنصرف فى العلاجات الرفيعة، وفيه خشب الأرز العتيق العالى، وهى مأوى القردة، عاينتها تثب من الأرزة لأخرى وهى فى الجو الأعلى. وفى هذا الجبل قلعة كبيرة تنسب للمهدى بن توالى الجيفشى، وهى فى نهاية المنعة، أقام عليها عسكر اللمتونيين أعوام، وبناؤها بالألواح. وإليها كان تغريب المعتمد بن عباد، فقال متمثلا حزينا بنقض العهود لبلد أهله يهود، وبناؤه عود، وجيرانه قرود، وكان اليهود فى ذلك التاريخ أكثر سكانه، لأنهم سوقة فيلجؤون للحصن حيطة على سلعهم.
ومن نظر مدينة فاس إلى جهة الغرب مدينة مكناسة الزيتون:
وهى أربعة مدن وقرى كثيرة متصلة بالمدن والحصون. المدن منها تاقرارات وتفسيره المحلة، وهو محدث البناء وهو مشرف على بطاح وبقاع مملوءة نفيضات الثمار، وأكثرها الزيتون فسميت به. وهذه المدينة عليها سور كبير وأبراج عظيمة، وهى مدينة جليلة فيها أسواق حفيلة، وأحدث فيها الأمر العالى- أيد الله دوامه- بحائر عظيمة فى نهاية من الاتساع، وجلب لها ماء نهرها، وأمر بغرسها زيتونا وكروما،
فزينها أكثر زيت فى جميع المغرب. وبعده زيت النظر الكبير المسمى ببنى بسيل ومغيلة وجهاتها، وفيها اليوم تسع خطب: فى الحصن خطبة، وفى المدينة المسماة السوق القديم خطبة، وفى تاورا خطبة، وفى أولاد عطوش خطبة، وفى أولاد برنوس خطبة، وفى بنى موسى خطبة، وفى بنى زياد، وفى بنى ورزيعة وفى بنى مروان، ونحن فى سنة [-].
وهى من البلاد العتيقة المجيدة لو كان بها خدمة لغلاتها، فإن أرضها كريمة، طيبة المزارع كثيرة المياه، وبركات هذا الأمر العالى تعيش الموتى فكيف من فطر على الحياة الطبيعية. وهى من عز بلاد المغرب لها أنظار واسعة، وقرى عامرة، وعمائر متصلة، تشقها الأنهار والمياه السائحة والعيون الكثيرة، وتطحن عليها الأرحية، وتحم بها الحمامات، إلا أن فى صبيانها دعارة وسفاهة لأنهم أكثرهم حاكة يصنعون أشغالهم فى بيوتهم، فإذا خرجوا إلى الفضاء الواسع حركتهم طباعهم الذميمة، فلا يعرفون إلا تجرد الشررة، سيما من كان منهم يجد زعامة فى نفسه أو نجدة فى بدنه. وميتها طعمة للجرذان.
قال المؤلف، ومن المدن المعمورة والعمائر من فاس إلى طنجة بلد جنيارة: وفيه قرى كثيرة عامرة زرعا وضرعا فى جبل سهل أبيض مثل الطيلسان، ويسمى الجبل الأشهب، وقل ما تخلف أرض جنيارة لا فى خصب ولا فى جدب. سأل رجل أراد أن يقتنى ضيعة ببلاد المغرب شيخا من العارفين، فقال له: عليك ببلد جنيارة فإنها مثل الدجاجة إن أصابها ديك أتت بالديك، وإن لم يصبها ديك أتت بالبيض، تحتك بالغبار وتلد. ومنه إلى نهر ردات مرحلة، وهو نهر كبير فى أصل جبل وفى أعلاه.
مدينة- كرت: وكانت مدينة كبيرة حصينة كثيرة الخير على نظر كبير، يعمرها قبائل من البربر يقال لهم بياتة، وهى اليوم قرية عامرة.
ثم منها إلى مدينة البصرة، مدينة كبيرة على ربوة مشرفة على بسائط ونظر واسع، كثيرة الزرع والضرع ليس بتلك النواحى أوسع مرعى منها، وبكثرة ألبانها كانت تعرف ببصرة الألبان. وتعرف أيضا ببصرة الكتان، لأن أهلها كانوا يتبايعون بالكتان؛ وكانت تعرف بالحمراء لحمرة تربيتها. وكان عليها سور مبنى بالحجارة والطوب يحمر من بعيد، وكانت لها أبواب. ونساؤها مخصوصات بالجمال الفائق، والحسن الرائق، لم يكن ببلاد المغرب أجمل منهن.
مدينة قصر صنهاجة: وهى على تل وتحته نهر لكس تدخله المراكب، وتعرف بقصر عبد الكريم، وكان من أشياخ كتامة القاطنين هناك فرأس فيهم وأستوطن ذلك الموضع. وكانت فيه آثار قديمة، فبنى فيه دارا سميت قصرا لعدم القصور بتلك الجهات، وأحدث الأمر العالى فى موضعه فى هذه المدة فندقين عجبين، وتمدن هذا الموضع، وشرف وقصده التجار وأستوطنوه. ومصب واديه فى البحر على ميلا أو نحوها؛ على المدخل حصن كبير قديم يسمى تشمّس قدمنا ذكره. وكان إدريس بن القاسم بن ابراهيم العلوى قد أحيار سمه وأظهره فهو إلى الآن معمور ويسكنه المتعيشون من البحر، وهو كثير الأمراض وبى الهواء وخم الماء، ومنه تشحن المراكب بالزرع.
قلعة ابن جندوب: وكانت مدينة كبيرة فيها أسواق، ولها جنات وأشجار، وهى كثيرة الزرع والضرع ومنها إلى طنجة وقد ذكرناها.
قال المؤلف، وهذه البلاد كلها فى هذا الأمر العزيز بحمد الله مشحونة بالعمائر، متصلة المحارث والمزارع فى السهول والجبال، منها جبل زالغ وهو مشرف على مدينة فاس، كان فيه حصن بناه المظفر بن المنصور بن أبى عامر.
ثم إلى عقبة الأفارق، ثم إلى نهر سبو حيث محجة القوافل، وهو نحو ال ميلا فى عمائر متصلة، وقرى حصينة مانعة كثيرة الزرع والضرع، ثم من نهر سبو إلى نهر ورغة إلى قصر كتامة المذكور فى عمائر متصلة. وطريق أخرى على جبل غمارة، وذلك أنك إذا أقمت من وادى سبو، أخذت على يمينك فى عمائر متصلة إلى مدينة تاودا، وكانت مدينة كبيرة أسسها الملثمون، ليملكوا منها جبل عمارة لتتابع نفاقه عليهم، وكان يسكنها ولاة المغرب منهم بالعسكر. وكانت فى أيامهم معمورة بالمبانى الحسان والقصور المنيعة. وهى على وادى ورغة وحواليها قبائل، وهى على قطر واسع كثير الزرع والضرع، وعليها جبل منيف فيه حصن كبير من بناء الملثمين يسمى أمرجوا، وهو مبنى بالحجارة والجير لا يقدر أحد على هدم شئ منه إلا بالمشقة؛ وفى أعلى الجبل الماء الكثير. وجبل غمارة من أخصب جبال المغرب، وهو من الجبال المشهورة، يسكنه قبائل كثيرة من غمارة وهم أمم لا تحصى؛ وفى هذا الجبل بسائط كثيرة لا تحصى للحرث، ومدن قديمة، وآثار كثيرة للأوائل، تنبئ أن عمارته قديمة أزلية. وطول هذا الجبل مسيرة أيام وعرضه نحو أيام، وهو الآن كثير العمارة تشقه الأنهار والمياه السائحة، ففيه غياض وأودية ومنتزهات لا توجد فى غيره من الأماكن، وهو كثير الأعناب والفواكه
والعسل والضرع؛ وفيه جبال قد لحقت بأعنان السماء علوا، وحصون كثيرة تمتنع فيها غمارة، وتنفق على الولاة، بذلك عرفوا حتى كسر الأمر العزيز شوكتهم، وأباد شرارهم واستأصل شأفتهم. ولأهل هذا الجبل مذاهب شتى، وسير مختلفة، وقد تنبأ عندهم إنسان يعرف بحاميم بن من الله ولقب بالمفترى. والجبل الذي تنبأ فيه ينسب إليه وهو جبل حاميم على مقربة من تيطاوان، وأجابه بشر كثير من غمارة، وأقروا بنبوته. ووضع لهم قرآنا بل شريعة أستهواهم برخصها، فرد لهم الصلاة صلاتين عند طلوع الشمس وعند غروبها، يسجدون على ظهور أكفهم. ووضع لهم قرآنا بلسانهم تفسيره: خلنى من الذنوب يا من يخلى النظر ينظر فى الدنيا، خلنى من الذنوب يا من أخرج من موسى من البحر. وفيه: آمنت بحاميم وآمنت بأبى يخلف وهو والد حاميم واسمه من الله، وفيه: آمنت بتاليت، وكانت عمة حاميم كاهنة ساحرة. وكان لحاميم أخت تسمى دبّو، وكانت ساحرة كاهنة وكانوا يستغيثون بها فى كل حرب وضيق. وكان حاميم فرض عليهم صوم يوم الخميس كله، وصوم يوم الأربعاء إلى الظهر، فمن أكل فيهما غرم أثوار لحاميم. ووضع لجميعهم صوم يوما من رمضان، وجعل عيدهم فى ثانى يوم فطرهم، وفرض عليهم الزكاة العشر من كل شىء، وأسقط عنهم الحج والطهر والوضوء؛ وأحل لهم أكل أنثى الخنازير وقال لهم إنما حرم قرآن محمد الذكر، وحرم عليهم الحوت حتى يذّكى، وحرم بيض كل طائر. ونظم عبد الله الكفيف الطنجى يهجوه:
وقالوا افتراء إن حاميم مرسلإليهم بدين واضح الحق باهر
فقلت كذبتم بدد الله شملكمفما هو إلا عاهر وابن عاهر
فإن كان حاميم رسولا فإننىبإرسال حاميم لأول كافر
روى عن عجوز ذات إفك ذميمةتقارن فى أسحارها كل ساحر
أحاديث إفك حاك إبليس نسجهايسرّونها كتما وبئس السرائر
وجهز إليه الناصر المروانى من قرطبة عسكرا، فالتقت معه بأحواز طنجة سنة [-] فهزم وقتل لعنه الله، وحمل رأسه لقرطبة.
ويقال إنه كان فى بعض جبال مجسكة من بلاد غمارة رجل كان من السحرة المهرة يعرف بأبى كسيّة، وكان أهل موضعه يسمعون منه ولا يعصونه طرفة عين؛ فإن عصاه أحد منهم أو خالفه، حول كساه الذي يلتحف به فيصيب ذلك الإنسان فى ماله أو بدنه أو كليهما صائبة وعاهة، وإن كانوا جماعة أصابهم مثل ذلك، وكان يخيل إليهم كأن برقة تلوح من تحت كسائه. ولبنيه اليوم وعقبه فى تلك الناحية مزية وحظوة على من سواهم.
ومن عجائب غمارة أن عندهم قوما يعرفون بالرقّادة، يغشى على الرجل منهم يومين وثلاثة فلا يتحرك ولا يستيقظ، ولو بلغ به أقصى مبلغ من العذاب حتى يقطع قطعا، فإذا أستيقظ من غشيته كان كالسكران طول يومه لا يتجه لشئ ولا يخبر بشيء، فإذا كان بعد يوم، وصح، أتى بعجائب وغرائب مما يكون فى ذلك العام من خصب أو جدب أو فتنة أو هدنة، وغير ذلك من الكوائن والأحداث، وهذا عندهم مستفيض مشهور.
وكان ببلد غمارة المواربة مشهورة متعارفة يفتخر بها نساؤهم، وذلك أن الرجل إذا دخل بامرأته البكر واربها شبان أهل ناحيتها، فإن رأوها جميلة حسنة احتملوها وأمسكوها عن زوجها شهرا أو أكثر ثم ردوها، وربما فعل ذلك مرارا على قدر جمالها ومقدار الرغبة فيها. ولا يتم إكرام الضيف عندهم إلا بأن يؤنسه بنسائهم الأيامى منهن: يبيت الرجل مع ضيفه أخته إذا كانت ثيبا أو ابنته أو من لم تكن ذات زوج من نسائه. وهم يرغبون فى الرجل الجميل أو الشجاع أن يأخذوا منه نسلا، ولا يتركون ذا عاهة يستقر ببلدهم،
ويقولون إنه يفسد النسل. وبلد غمارة جميل كبير، وكانت لهم فيما سلف شعور طوال يسد لونها كشعور النساء، ويتخذوها ضفائر ويطيبونها ويهتمون بها كثيرا حتى دخل الإسلام بلادهم وتخللها فألجأتهم الضرورة إلى التشمر والتوعر فى الجبال الشامخة فحلقوا رؤوسهم، وورث ذلك الأبناء عن الآباء.
قال المؤلف، ومن المدن والعمائر من مدينة فاس إلى سجلماسة حرسها الله، مدينة صفروى: وهى مدينة لطيفة قديمة عليها سور، ذات أنهار ومياه جارية ولها جنات كثيرة الفواكه والأعناب، وأكثر شجرها اللوز ومنها يحمل إلى فاس وغيرها. ومنها إلى فاس مرحلة، ومنها إلى تاسغمرت وهو بلد خصب فيه قرى كثيرة وعمائر متصلة، ومنه يدخل إلى بلاد سجلماسة بعد أيام. ولها طريق آخر من قابس إلى لواتة مدين، وهو بلد خصيب على نهر سبو، وله قصبة منيعة، منها إلى فاس مرحلة؛ ثم إلى مغيلة القاط، وهو حصن كبير له سوق حافلة وجامع، وهو كثير الأنهار ومنه يحمل التين المزبب إلى مدينة فاس وغيرها؛ ومنه إلى مطماطة أمكسور، وهو بلد كبير على نهر ملوية، كثير الزرع والضرع. ونهر ملوية كبير مشهور فى أنهار بلاد المغرب، وعليه نظر واسع، وفيه قرى كثيرة، وعمائر متصلة تسقى كلها من نهر ملوية، وبعده نظر سجلماسة. وكانت مدينة فاس دار مملكة بنى إدريس العلويين، وملكوا منها بلاد المغرب إلى أقصى بلاد السوس طاعة فى معصية، وكانت فى أيامهم دولة برغواطة الذين تدينوا بديانة الغوى صالح بن طريف البرباطى، وسيأتى ذكره بعد هذا. وملك العلويون بعض بلاد الأندلس، وتسموا فيها بأمير المؤمنين، وخطب لهم فيها بالإمامة.
النص من طبعة دار الشؤون الثقافية ببغداد (١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع