تجاوز إلى المحتوى

من «طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسي (ت ٤٥٦هـ)

باب الإذاعة

وقد تَعْرِض في الحُب الإذاعة، وهو من مُنكر ما يحدُث من أعراضه، ولها أسباب، منها: أن يُريد صاحبُ هذا الفعل أن يتزيَّا بزيِّ المحبين، ويدخل في عِدادهم، وهذه خلافة لا تُرضى، وتخليج بغيض، ودعوى في الحب زائفة.

وربما كان من أسباب الكَشف غلبةُ الحب، وتسوُّر الجهر على الحياء، فلا يملك الإنسان حينئذٍ لنفسه صرفًا ولا عَدْلًا. وهذا من أبعد غايات العشق وأقوى تحكُّمه على العقل، حتى يمثل الحسن في تمثال القبيح، والقبيح في هيئة الحسن، وهنالك يرى الخير شرًّا، والشر خيرًا. وكم من مَصون الستر، مُسبل القناع، مَسدول الغِطاء، قد كَشف الحبُّ ستْره، وأباح حريمه، وأهمل حِماه! فصار بعد الصيانة عَلَمًا، وبعد السكون مثلًا، وأحبُّ شيء إليه الفضيحة فيما لو مثل له قبل اليوم لاعتراه النافض عن ذكره، ولطالت استعاذته منه، فسَهُل ما كان وعرًا، وهان ما كان عزيزًا، ولانَ ما كان شديدًا.

ولعهدي بفتًى من سَرَوات الرجال وعِلْية إخواني قد دُهِي بمحبَّة جاريةٍ مقصورة هام بها، وقطعه حُبُّها عن كثير من مصالحه، وظهرت آيات هواه لكل ذي بصر، إلى أن كانت هي تعذله على ما ظهر منه مما يقوده إليه هواه.

خبر

وحدَّثني موسى بن عاصم بن عمرو قال: كنت بين يدي أبي الفتح والدي — رحمه الله — وقد أمرني بكتابٍ أكتبه، إذ لمحتْ عيني جارية كنت أكلَف بها، فلم أملك نفسي ورميتُ الكتاب عن يدي وبادرتُ نحوها، وبُهت أبي وظن أنه عرَض لي عارض، ثم راجعني عقلي فمسحتُ وجهي ثم عُدت واعتذرت بأنه غَلبني الرُّعاف.

واعلم أن هذا داعيةُ نِفار المحبوب، وفساد في التدبير، وضعف في السياسة، وما شيء من الأشياء إلا وللمأخذ فيه سُنة وطريقة، متى تعدَّاها الطالب أو خَرِق في سلوكها انعكس عمله عليه، وكان كَدُّه عناءً، وتعبه هباءً، وبحثه وباءً، وكلما زاد عن وجه السِّيرة انحرافًا، وفي تجنُّبها إغراقًا، وفي غير الطريق إيغالًا، ازداد عن بلوغ مراده بُعدًا. وفي ذلك أقول قطعة، منها:

وَلَا تَسْعَ فِي الأَمْرِ الجَسِيمِ تَهَازُؤًاوَلَا تَسْعَ جَهْرًا فِي اليَسِيرِ تُرِيدُهُ
للشاعر ابن حزم الأندلسي، اقرأ القصيدة
وَقَابِلْ أَفَانِينَ الزَّمَانِ مَتَى يَرِدْعَلَيْكَ فَإِنَّ الدَّهْرَ جَمٌّ وُرُودُهُ
للشاعر ابن حزم الأندلسي، اقرأ القصيدة
فَأَشْكَالُهَا مِنْ حُسْنِ سَعْيِكَ يَكْفِكَ الــيَسِير بِغَيْرٍ وَالشَّرِيد شَرِيدهُ
أَلَمْ تُبْصِرِ المِصْبَاحَ أَوَّلَ وَقْدِهِوِإِشْعَالِهِ بِالنَّفْخِ يُطْفَا وَقُودُهُ
وَإِنْ يَتَصَرَّمْ لَفْحه وَلَهِيبُهفَنَفْخُكَ يُذْكِيهِ وَتَبْدُو مُدُودُهُ

خبر

وإني لأعرف من أهل قُرطبة من أبناء الكتاب وجلة الخدَمة من اسمه أحمد بن فَتْح، كنت أعهده كثير التصاون، من بُغاة العلم وطُلاب الأدب، يبزُّ أصحابه في الانقباض، ويفُوتهم في الدَّعة، لا ينظر إلا في حَلْقة فضل، ولا يُرى إلا في محفل مرضَّى، محمود المذاهب، جميل الطريقة، بائنًا بنفسه ذاهبًا بها، ثم أبعدت الأقدارُ داري من داره، فأول خبر طرأ عليَّ بعد نزولي شاطبة أنه خلَع عذاره في حُب فتًى من أبناء الفتَّانين يُسمَّى إبراهيم بن أحمد؛ أعرفه، لا تستأهل صفاته محبة مَن بيتُه خير وتقدُّم، وأموال عريضة، ووفر تالِد، وصح عندي أنه كَشف رأسه، وأبدى وجهه، ورَمَى رَسَنه، وحَسر مُحيَّاه، وشَمَّر عن ذراعيه، وصمَد صَمْد الشهوة، فصار حديثًا للسُّمار، ومُدافَعًا بين نقلة الأخبار، وتُهودي ذِكره في الأقطار، وجرت نقلته في الأرض راحلةً بالتعجب، ولم يحصل من ذلك إلا على كشف الغطاء، وإذاعة السر، وشنعة الحديث، وفَتْح الأحدوثة، وشُرُود محبوبه عنه جملة، والتَّحظير عليه من رؤيته البتة.

وكان غنيًّا عن ذلك وبمندوحةٍ ومعزلٍ رحبٍ عنه، ولو طوى مكنون سره وأخفى بليَّات ضميره لاستدام لباس العافية، ولم يُنهج بُرد الصيانة، ولكان له في لِقاء من بُلي به ومحادثته ومجالسته أملٌ من الآمال، وتعلُّلٌ كافٍ، وإنَّ حَبل العذر ليقطع به، والحُجة عليه قائمة، إلا أن يكون مُختلطًا في تمييزه، أو مصابًا في عقله بجليل ما فدحه، فربما آل ذلك لعذر صحيح، وأما إن كانت له بقية من عقل أو ثبتت مُسكه، فهو ظالم في تعرُّضه ما يعلم أن محبوبه يكرهه ويتأذَّى به.

هذا غير صفة أهل الحب، وسيأتي هذا مفسرًا في باب الطاعة إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «طوق الحمامة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.