من «طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسي (ت ٤٥٦هـ)
باب الموت: حكاية
لم أزل أسمعها عن بعض ملوك البرابر، أن رجلًا أندلسيًّا باع جاريةً، كان يَجِد بها وَجْدًا شديدًا، لفاقةٍ أصابته، من رجل من أهل ذلك البلد، ولم يظن بائعُها أن نفسه تتبعها ذلك التتبُّعَ، فلما حصلت عند المُشتري كادت نفس الأندلسي تخرج، فأتى إلى الذي ابتاعها منه وحكَّمه في ماله أجمع وفي نفسه، فأبى عليه، فتحمَّل عليه بأهل البلد فلم يُسعف منهم أحد، فكاد عقله أن يذهب، ورأى أن يتصدَّى إلى الملك، فتعرض له وصاح، فسمعه، فأمر بإدخاله، والملك قاعد في علِّيَّة له مُشرِفة عالية فوصل إليه، فلما مَثُل بين يديه أخبره بقصته واسترحمه وتضرَّع إليه، فرقَّ له الملكُ فأمر بإحضار الرجل المبتاع فحضَر، فقال له: هذا رجل غريب، وهو كما تراه، وأنا شفيعُه إليك. فأبى المُبتاع وقال: أنا أشد حُبًّا لها منه، وأخشى إن صرفتها إليه أن أستغيث بك غدًا وأنا في أسوأ من حالته. فعرض له الملك وَمَن حواليه من أموالهم، فأبى ولجَّ واعتذر بمحبته لها، فلما طال المجلس ولم يَرَوْا منه البتة جُنوحًا إلى الإسعاف قال للأندلسي: يا هذا، ما لك بيدي أكثر مما ترى، وقد جهدتُ لك بأبلغ سَعي، وهو تراه يعتذر بأنه فيها أحب منك، وأنه يخشى على نفسه شرًّا مما أنت فيه، فاصبر لما قضى الله عليك. فقال الأندلسي: فما لي بيدك حيلة؟ قال له: وهل ها هنا غير الرغبة والبذل، ما أستطيع لك أكثر.
فلما يَئِس الأندلسي منها جمع يديه ورجليه وانصب من أعلى العلية إلى الأرض، فارتاع الملك وصرخ، فابتدر الغلمان من أسفل، فقُضي أنه لم يتأذَّ في ذلك الوقوع كبيرَ أذًى، فصُعد به إلى الملك، فقال: ماذا أردت بهذا؟ فقال: أيها الملك، لا سبيل لي إلى الحياة بعدها. ثم همَّ أن يرميَ نفسه ثانيةً، فمُنِع، فقال الملك: الله أكبر، قد ظهر وجه الحُكم في هذه المسألة. ثم التفت إلى المشتري فقال: يا هذا، إنك ذكرتَ أنك أودُّ لها منه، وتخاف أن تصير في مثل حاله. فقال: نعم. قال: فإن صاحبك هذا أبدى عنوان محبته وقذف بنفسه يريد الموت لولا أن الله عز وجل وقاه، فأنت قُم فصحِّح حبك وترامَ من أعلى هذه القصبة كما فعل صاحبك، فإن متَّ فبأجلك، وإن عشتَ كنت أولى بالجارية إذ هي في يدك، ويمضي صاحبك عنك، وإن أبَيْتَ نَزعتُ الجارية منك رغمًا ودفعتُها إليه.
فتمنَّع ثم قال: أترامى. فلما قرب من الباب ونظر إلى الهويِّ تحته رجع القَهقَرى، فقال له الملك: هو والله ما قلت. فهمَّ ثم نَكل، فلما لم يقدم قال له الملك: لا تتلاعب بنا، يا غلمان، خذوا بيديه وارموا به إلى الأرض. فلما رأى العزيمة قال: أيها الملك، قد طابت نفسي بالجارية. فقال له: جزاك الله خيرًا. فاشتراها منه ودفعها إلى بائعها، وانصرفا.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع