من «طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسي (ت ٤٥٦هـ)
باب قبح المعصية
الصفحة ١ من ٢
قال المصنف — رحمه الله تعالى: وكثير من الناس يُطيعون أنفسهم ويعصون عقولهم، ويَتبعون أهواءهم، ويرفضون أديانهم، ويتجنَّبون ما حضَّ الله تعالى عليه ورتَّبه في الألباب السليمة من العِفَّة وترك المعاصي ومُقارعة الهوى، ويخالفون الله ربَّهم، ويوافقون إبليس فيما يُحبه من الشهوة المُعْطِبَة، فيواقعون المعصية في حبهم. وقد علمنا أن الله عز وجل ركَّب في الإنسان طبيعتين متضادتين؛ إحداهما لا تُشير إلا بخير، ولا تحُضُّ إلا على حسن، ولا يُتَصوَّر فيها إلا كل أمر مَرْضيٍّ، وهي العقل، وقائده العدل.
والثانية ضدٌّ لها، لا تشير إلا إلى الشهوات، ولا تقود إلا إلى الردى، وهي النفس، وقائدها الشهوة، والله تعالى يقول: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، وكنَّى بالقلب عن العقل فقال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ، وقال تعالى: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ . وخاطب أولي الألباب.
فهاتان الطبيعتان قُطبان في الإنسان، وهما قُوتان من قُوى الجسد الفعَّال بهما، ومطرحان من مَطارح شُعاعات هذين الجوهرين العجيبين الرفيعين العُلويين؛ ففي كل جسد منهما حظُّه على قدر مُقابلته لهما في تقدير الواحد الصمد، تقدَّست أسماؤه، حين خَلَقه وهيَّأه، فهما يتقابلان أبدًا ويتنازعان دأبًا، فإذا غلب العقلُ النفسَ ارتدع الإنسان، وقمَع عوارضه المَدخولة واستضاء بنور الله واتبع العدل، وإذا غلبت النفسُ العقلَ عميت البصيرة، ولم يصحَّ الفرقُ بين الحسن والقبيح، وعَظُم الالتباس، وتردَّى في هُوَّة الرَّدى ومَهواة الهَلكة، وبهذا حَسُن الأمر والنهي، ووجب الاكتمال، وصحَّ الثواب والعقاب، واستُحق الجزاء. والروح واصل بين هاتين الطبيعتين، ومُوصِّل ما بينهما، وحامل الالتقاء بهما. وإن الوقوف عند حدِّ الطاعة لمعدوم إلا بطُول الرياضة، وصحة المعرفة، ونفاذ التمييز، ومع ذلك اجتناب التعرض للفِتَن ومُداخلة الناس جملة، والجلوس في البيوت، وبالحريِّ أن تقع السلامة المضمونة، أو يكون الرجل حَصورًا لا أرب له في النساء، ولا جارحة له تُعينه عليهن قديمًا. ووَرَد: من وُقي شرَّ لَقْلقه وقَبْقبه وَذبْذبه، فقد وُقي شَرَّ الدنيا بحذافيرها. واللقلق: اللسان، والقبقب: البطن، والذبذب: الفرج.
ولقد أخبرني أبو حفص الكاتب — هو من ولد رَوح بن زِنباع الجذامي — أنه سمع بعض المُتَّسمين باسم الفقه من أهل الرواية المشاهير وقد سُئل عن هذا الحديث فقال: القبقب: البطيخ.
وحدثنا أحمد بن محمد بن أحمد، حدثنا وهب بن مَسرة ومحمد بن أبي دليم، عن محمد بن وضَّاح، عن يحيى بن يحيى، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث طويل: مَن وقاه الله شرَّ اثنتين دخل الجنة. فسُئل عن ذلك فقال: ما بين لِحْيَيه وما بين رِجْلَيه.
وإني لأسمع كثيرًا ممن يقول: الوفاء في قمع الشهوات في الرِّجال دون النساء. فأُطيلُ العجب من ذلك، وإنَّ لي قولًا لا أحول عنه: الرجال والنساء في الجنوح إلى هذين الشيئين سواء، وما رجل عرضت له امرأة جميلة بالحُبِّ وطال ذلك ولم يكن ثَمَّ من مانعٍ إلا وقع في شَرَك الشيطان، واستهوتْه المعاصي، واستفزَّه الحرص، وتَغوَّله الطمع، وما امرأة دعاها رجل بمثل هذه الحالة إلا وأمكنتْه، حتمًا مَقضيًّا، وحكمًا نافذًا لا محيد عنه البتة.
ولقد أخبرني ثقةٌ صدق من إخواني من أهل التَّمام في الفقه والكلام والمعرفة، وذو صلابة في دينه، أنه أحب جاريةً نبيلةً أديبةً ذات جمال بارع، قال: فعرضتُ لها فنفرتْ، ثم عرضتُ فأبتْ، فلم يزل الأمر يطول وحبُّها يزيد وهي لا تُطيع البتة، إلى أن حملني فرط حبي لها مع عَمَى الصِّبَى على أن نذرتُ أني متى نلتُ منها مرادي أن أتوب إلى الله توبةً صادقةً. قال: فما مَرَّت الأيام والليالي حتى أذعنت بعد شماس ونفار. فقلت له: أبا فلان، وفيتَ بعهدك؟ فقال: إي والله. فضحكتُ.
وذكرتُ بهذه الفَعلة ما لم يزل يُتداول في أسماعنا من أن في بلاد البربر التي تجاوز أندلسنا يتعهد الفاسق على أنه إذا قضى وطره ممن أراد أنْ يتوب إلى الله، فلا يُمنع من ذلك، ويُنكرون على من تعرَّض له بكلمة ويقولون له: أتحرم رجلًا مسلمًا التوبة؟
قال: ولعهدي بها تبكي وتقول: والله لقد بلَّغتني مبلغًا ما خَطَر قطُّ لي ببالٍ، ولا قدرتُ أن أجيب إليه أحدًا.
ولست أُبعد أن يكون الصلاح في الرجال والنساء موجودًا، وأعوذ بالله أن أظن غير هذا، وإني رأيت الناس يَغلطون في معنى هذه الكلمة — أعني الصلاح — غلطًا بعيدًا. والصحيح في حقيقة تفسيرها أن الصالحة من النساء هي التي إذا ضُبطت انضبطت، وإذا قُطعت عنها الذرائع أمسكت، والفاسدة هي التي إذا ضُبطت لم تَنضبط، وإذا حيل بينها وبين الأسباب التي تُسَهِّل الفواحش تحيَّلت في أن تتوصل إليها بضروب من الحيل، والصالح من الرجال من لا يُداخل أهل الفسوق، ولا يتعرَّض إلى المناظر الجالبة للأهواء، ولا يرفع طرفه إلى الصور البديعة التركيب، والفاسق من يعاشر أهل النقص، وينشُر بصره إلى الوجوه البديعة الصنعة، ويتصدى للمشاهد المؤذية، ويحب الخلوات المهلكات، والصالحانِ من الرجال والنساء كالنار الكامنة في الرماد لا تحرق من جاورها إلا بأن تُحَرَّك، والفاسقانِ كالنار المشتعلة تحرق كل شيء.
وأما امرأة مهملة ورجل متعرض فقد هلكا وتلفا؛ ولهذا حُرِّم على المسلم الالتذاذ بسماع نغمة امرأة أجنبية، وقد جُعلت النظرة الأولى لك والأخرى عليك. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من تأمل امرأة وهو صائم حتى يرى حَجم عظامها فقد أفطر. وإن فيما ورد من النهي عن الهوى بنصِّ التنزيل لشيئًا مقنعًا، وفي إيقاع هذه الكلمة — أعني الهوى — اسمًا على معانٍ، واشتقاقها عند العرب، وذلك دليل على ميل النفوس وهويِّها إلى هذه المقامات، وإن المتمسك عنها مُقارع لنفسه، مُحارب لها.
وشيء أصفه لك تراه عِيانًا، وهو أني ما رأيت قط امرأة في مكانٍ تُحسُّ أن رجلًا يراها أو يسمع حسَّها إلا وأحدثت حركةً فاضلةً كانت عنها بمعزل، وأتت بكلام زائد كانت عنه في غُنية، مخالفَينِ لكلامها وحركتها قبل ذلك، ورأيت التهمُّم لمخارج لفظها وهيئة تقلُّبها لائحًا فيها ظاهرًا عليها لا خفاء به، والرجال كذلك إذا أحسوا بالنساء. وأما إظهار الزينة وترتيب المشي وإيقاع المزح عند خُطور المرأة بالرجل، واجتياز الرجل بالمرأة؛ فهذا أشهر من الشمس في كل مكان، والله عز وجل يقول: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ، وقال تقدَّست أسماؤه: وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ . فلولا علم الله عز وجل برقة إغماضهن في السعي لإيصال حُبهن إلى القلوب، ولُطف كيدهن في التحيُّل لاستجلاب الهوى، لما كشف الله عن هذا المعنى البعيد الغامض الذي ليس وراءه مرمًى، وهذا حد التعرُّض فكيف بما دونه!
ولقد اطلعت من سرِّ معتقد الرجال والنساء في هذا على أمر عظيم، وأصل ذلك أني لم أحسن قط بأحد ظنًّا في هذا الشأن، مع غَيرة شديدة رُكِّبت فيَّ.
وحدَّثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن أحمد، حدَّثنا أحمد، حدَّثنا محمد بن علي بن رفاعة، حدَّثنا علي بن عبد العزيز، حدَّثنا أبو عبيد القاسم بن سلام عن شيوخه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الغَيْرة من الإيمان. فلم أزل باحثًا عن أخبارهن، كاشفًا عن أسرارهن، وكن قد أنسنَ منِّي بكتمان، فكنَّ يُطْلِعنني على غوامض أمورهن. ولولا أن أكون مُنبِّهًا على عوراتٍ يُستعاذ بالله منها لأوردتُ من تنبههن في السرِّ ومكرهن فيه عجائب تُذهل الألباب.
وإني لأعرف هذا وأتقنه، ومع هذا يعلم الله — وكفى به عليمًا — أني بريء الساحة، سليم الأديم، صحيح البشرة، نقي الحجزة، وإني أقسم بالله أجلَّ الأقسام أني ما حللت مِئزري على فرج حرام قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مذ عقلتُ إلى يومي هذا، والله المحمود على ذلك، والمشكور فيما مضى، والمستعصَم فيما بقي.
حدثنا القاضي أبو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن جحاف المعافري — وإنه لأفضل قاضٍ رأيتُه — عن محمد ابن إبراهيم الطليطلي، عن القاضي بمصر بكر بن العلاء في قول الله عز وجل: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ أن لبعض المتقدمين فيه قولًا؛ وهو أن المسلم يكون مخبرًا عن نفسه بما أنعم الله تعالى به عليه من طاعة ربه التي هي من أعظم النعم، ولا سيما في المفترض على المسلمين اجتنابه واتباعه. وكان السبب فيما ذكرته أني كنت وقتَ تأجُّج نار الصبا وشِرَّة الحداثة وتمكُّنِ غَرارة الفُتوة مَقصورًا محظَّرًا عليَّ بين رُقباء ورقائب، فلما ملكتُ نفسي وعقلت صَحبتُ أبا علي الحسين بن علي الفاسي في مجلس أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي يزيد الأزدي شيخنا وأستاذي — رضي الله عنه — وكان أبو علي المذكور عاقلًا عاملًا عالمًا ممن تقدَّم في الصلاح والنسك الصحيح في الزهد في الدنيا والاجتهاد للآخرة، وأحسبه كان حصورًا لأنه لم تكن له امرأة قط، وما رأيت مثله جُملة عِلمًا وعملًا ودينًا وورعًا، فنفعني الله به كثيرًا، وعلمتُ موقع الإساءة وقبح المعاصي. ومات أبو علي — رحمه الله — في طريق الحج.
ولقد ضمني المبيت ليلةً في بعض الأزمان عند امرأة من بعض معارفي مشهورة بالصلاح والخير والحزم، ومعها جارية من بعض قراباتها من اللاتي قد ضمتها معي النشأة في الصبا، ثم غبت عنها أعوامًا كثيرةً، وكنت تركتها حين أعصرت، ووجدتُها قد جرى على وجهها ماءُ الشباب ففاض وانساب، وتفجَّرت عليها ينابيع الملاحة فترددت وتحيرت، وطلعتْ في سماء وجهها نجوم الحُسن فأشرقت وتوقَّدت، وانبعث في خدَّيها أزاهير الجمال فتمَّت واعتمت، فأتت كما أقول:
خَرِيدَةٌ صَاغَهَا الرَّحْمَنُ مِنْ نُورِجَلَّتْ مَلَاحَتُهَا عَنْ كُلِّ تَقْدِيرِ
لَوْ جَاءَنِي عَمَلِي فِي حُسْنِ صُورَتِهَايَوْمَ الحِسَابِ وَيَوْمَ النَّفْخِ فِي الصُّورِ
لَكُنْتُ أَحْظَى عِبَادِ الله كُلِّهِمُبِالجَنَّتَيْنِ وَقُرْبِ الخُرَّدِ الحُورِ
وكانت من أهل بيت صباحة، وقد ظهرت منها صورة تُعجز الوُصَّاف، وقد طَبَّق وصفُ شبابها قرطبة، فبتُّ عندها ثلاث ليالٍ متوالية، ولم تُحجب عنِّي على جاري العادة في التربية. فلعمري لقد كاد قلبي أن يصبوَ ويثوب إليه مَرفوض الهوى، ويعاوده منسيُّ الغزل. ولقد امتنعتُ بعد ذلك من دخول تلك الدار خوفًا على لُبي أن يزدهيه الاستحسان. ولقد كانت هي وجميع أهلها ممن لا تتعدَّى الأطماعُ إليهن، ولكن الشيطان غير مأمون الغوائل، وفي ذلك أقول:
لَا تُتْبِعِ النَّفْسَ الهَوَىوَدَعِ التَّعَرُّضَ لِلْمِحَنْ
إِبْلِيسُ حَيٌّ لَمْ يَمُتْوَالعَيْنُ بَابٌ لِلْفِتَنْ
وأقول:
وَقَائِلٌ لِيَ هَذَاظَنٌّ يَزِيدُكَ غَيًّا
فَقُلْتُ دَعْ عَنْكَ لَوْمِيأَلَيْسَ إِبْلِيسُ حَيًّا
وما أورد الله تعالى علينا من قصة يوسف بن يعقوب وداود بن إيشي — رُسُل الله عليهم السلام — إلا ليُعلِّمنا نُقصاننا وفاقتَنا إلى عِصمته، وأن بِنْيتنا مدخولة ضعيفة، فإذا كانا — صلى الله عليهما — وهما نبيَّان رسولان أبناء أنبياءَ رُسُلٍ ومن أهل بيت نبوة ورسالة، متكررَين في الحفظ، مغموسَين في الولاية، محفوفَين بالكلاءة، مؤيدَين بالعصمةِ، لا يُجعل للشيطان عليهما سبيل، ولا فُتح لوسواسه نحوهما طريق، وبلغا حيث نَصَّ الله عزَّ وجلَّ علينا في قرآنه المنزَّل بالجبلة الموكلة، والطبع البشريِّ، والخِلقة الأصيلة، لا بتعمد الخطيئة ولا القصد إليها؛ إذ النبيُّون مُبرَّءون من كل ما خالف طاعة الله عزَّ وجلَّ، لكنه استحسان طبيعي في النفس للصور، فمن ذا الذي يَصف نفسه بِملْكها ويتعاطى ضَبطَها إلا بحول الله وقُوته! وأول دم سُفك في الأرض فدمُ أحد ابنَي آدم على سبب المنافسة في النساء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: باعِدُوا بين أنفاس الرجال والنساء. وهذه امرأة من العرب تقول، وقد حبلت من ذي قرابة لها، حين سُئلت: ما ببطنك يا هند؟ فقالت: قُرب الوساد وطُول السواد. وفي ذلك أقول شعرًا، منه:
لَا تَلُمْ مَنْ عَرَّضَ النَّفْسَ لِمَالَيْسَ يُرْضِي غَيْرَهُ عِنْدَ المِحَنْ
لَا تُقرِّبْ عَرْفَجًا مِنْ لَهَبٍوَمَتَى قَرَّبْتَهُ قَامَتْ دَخَنْ
لَا تُصَرِّفْ ثِقَةً فِي أَحَدٍفَسَدَ النَّاسُ جَمِيعًا وَالزَّمَن
خُلِقَ النِّسْوَانُ لِلْفَحْلِ كَمَاخُلِقَ الفَحْلُ بِلَا شَكٍّ لَهُن
كُلُّ شَكْلٍ يَتَشَهَّى شَكْلَهُلَا تَكُنْ عَنْ أَحَدٍ تَنْفِي الظِّنَن
صِفَةُ الصَّالِحِ مَنْ إِنْ صُنْتَهُعَنْ قَبِيحٍ أَظْهَرَ الطَّوْعَ الحَسَنْ
وَسِوَاهُ مَنْ إذَا ثَقَّفْتَهُأَعْمَلَ الحِيلَةَ فِي خَلْعِ الرَّسَنْ
وإني لأعلم فتًى من أهل الصيانة قد أُولع بهوًى له، فاجتاز بعضُ إخوانه فوجده قاعدًا مع مَن كان يُحب، فاستجلبه إلى منزله، فأجابه إلى منزله بامتثال المسير بعده، فمضى داعيه إلى منزله وانتظره حتى طال عليه التربُّص فلم يأتِه، فلما كان بعد ذلك اجتمع به داعيه فعدَّد عليه وأطال لَومه على إخلافه موعده، فاعتذر وورَّى. فقلت أنا للذي دعاه: أنا أكشف عُذره صحيحًا من كتاب الله عز وجل إذ يقول: مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ، فضحِك مَن حضَر. وكُلِّفت أن أقول في ذلك شيئًا، فقلت:
وَجَرْحُكَ لِي جَرْحٌ جُبَارٌ فَلَا تَلُمْوَلَكِنَّ جَرْحَ الحُبِّ غَيْرُ جُبَارِ
وَقَدْ صَارَت الخِيلَانُ وَسْطَ بَيَاضِهِكَنَيْلُوفَرٍ حَفَّتْهُ رَوْضُ بَهَارِ
وَكَمْ قَالَ لِي مَنْ مِتُّ وَجْدًا بِحُبِّهِمَقَالَةَ مَحْلُولِ المَقَالَةِ زَارِي
وَقَدْ كَثُرَتْ مِنِّي إِلَيْهِ مَطَالِبٌأُلِحُّ عَلَيْهِ تَارَةً وَأُدَارِي
أَمَا فِي التَّدَانِي مَا يُبرِّدُ غُلَّةًوَيُذْهِبُ شَوْقًا فِي ضُلُوعِكَ سَارِي
فَقُلْتُ لَهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْعَدَاوَةُ جَارٍ فِي الأَنَامِ لِجَارِ
وَقَدْ يَتَرَاءَى العَسْكَرَانِ لَدَى الوَغَىوَبَيْنَهُمَا لِلْمَوْتِ سَيْلُ بَوَار
ولي كلمتان قلتُهما مُعرِّضًا بل مُصرِّحًا برجل من أصحابنا كنَّا نعرفه كلنا، من أهل الطلب والعناية والورع وقيام الليل واقتفاء آثار النُّسَّاك وسلوك مذاهب المتصوفين القدماء باحثًا مجتهدًا، وقد كنَّا نتجنَّب المزاح بحضرته، فلم يمضِ الزمنُ حتى مكَّن الشيطانَ من نفسه، وفتك بعد لباس النساك، وملك إبليس من خِطامه فسوَّل له الغرور، وزيَّن له الويل والثبور، وأجرَّه رَسَنه بعد إباء، وأعطاه ناصيته بعد شماس، فخَبَّ في طاعته وأوضع، واشتُهر بعد ما ذكرته في بعض المعاصي القبيحة الوضرة. ولقد أطلتُ ملامه، وتشدَّدت في عَذله؛ إذ أعلن بالمعصية بعد استتار، إلى أن أفسد ذلك ضميره عليَّ، وخبثتْ نيَّتُه لي، وتربص بي دوائر السوء. وكان بعض أصحابنا يساعده بالكلام استجرارًا إليه، فيأنس به ويُظهر له عداوتي، إلى أن أظهر الله سريرته، فعلمها البادي والحاضر، وسقط من عيون الناس كلِّهم بعد أن كان مقصدًا للعلماء، ومُنتابًا للفضلاء، ورَذَل عند إخوانه جملةً. أعاذنا الله من البلاء، وسترنا في كفايته، ولا سلبنا ما بنا من نعمته. فيا سَوأتاه لمن بدأ بالاستقامة ولم يعلم أن الخذلانَ يَحل به، وأن العصمة ستفارقه. لا إله إلا الله، ما أشنع هذا وأفظعه! لقد دهمته إحدى بنات الحرس، وألقت عصاها به أم طَبق؛ مَن كان لله أولًا ثم صار للشيطان آخرًا، ومن إحدى الكلمتين:
أَمَّا الغُلَامُ فَقَدْ حَانَتْ فَضِيحَتُهُوَأَنَّهُ كَانَ مَسْتُورًا فَقَدْ هُتِكَا
مَا زَالَ يَضْحَكُ مِنْ أَهْلِ الهَوَى عَجَبًافَالآنَ كُلُّ جَهُولٍ مِنْهُ قَدْ ضَحِكَا
إِلَيْكَ لَا تَلْحُ صَبًّا هَائِمًا كَلِفًايَرَى التَّهَتُّكَ فِي دِينِ الهَوَى نُسُكا
ذُو مَخْبَرٍ وَكِتَابٍ لَا يُفَارِقُهُنَحْوَ المُحَدِّثِ يَسْعَى حَيْثُمَا سَلَكَا
فَاعْتَاضَ مِنْ سُمْرِ أَقْلَامٍ بَنَانَ فَتًىكَأَنَّهُ مِنْ لُجَيْنٍ صِيْغ أَوْ سُبِكَا
يَا لَائِمِي سَفَهًا فِي ذَاكَ قِلَّ فَلَمْتَشْهَدْ جَبِينَيْنِ يَوْمَ المُلْتَقَى اشْتَبَكَا
دَعْنِي وَوِرْدِيَ فِي الآبَارِ أَطْلُبُهُإِلَيْكَ عَنِّي كَذَا لَا أَبْتَغِي البِرَكَا
إِذَا تَعَفَّفْتَ عَفَّ الحُبُّ عَنْكَ وَإِنْتَرَكْتَ يَوْمًا فَإِنَّ الحُبَّ قَدْ تَرَكَا
وَلَا تَحُلَّ مِنَ الهجْرَانِ مُنْعَقِدًاإِلَّا إِذَا مَا حَلَلْتَ الأُزْرَ وَالتِّكَكَا
وَلَا تُصَحِّح لِلسُّلْطَانِ مَمْلَكَةًأَوْ تُدْخِل البَردَ عَنْ إِنْفَاذِهِ السِّكَكَا
وَلَا بِغَيْرِ كَثِيرِ المَسْحِ يَذْهَبُ مَايَعْلُو الحَدِيدَ مِنَ الأَصْدَاءِ إِنْ سُبِكَا
وكان هذا المذكور من أصحابنا قد أحكم القراءات إحكامًا جيدًا، واختصر كتاب الأنباري في الوقف والابتداء اختصارًا حسنًا أُعجب به من رآه من المقرئين، وكان دائبًا على طلب الحديث وتقييده، والمتولي لقراءة ما يسمعه على الشيوخ المحدِّثين، مثابرًا على النسخ مجتهدًا به، فلما امتُحن بهذه البليَّة مع بعض الغِلمان رَفَض ما كان مُعتنيًا وباع أكثر كُتبه، واستحال استحالةً كليةً. نعوذ بالله من الخذلان. وقُلتُ فيه كلمةً، وهي التالية للكلمة التي ذكرت منها في أول خَبره ثم تركتها.
وقد ذكر أبو الحُسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الرويدي في كتاب اللفظ والإصلاح: أن إبراهيم بن سيَّار النظَّام رأس المعتزلة، مع علوِّ طبقته في الكلام وتمكُّنه وتحكُّمه في المعرفة، تسبَّب إلى ما حرم الله عليه من فتًى نصراني عشقه؛ بأن وضع له كتابًا في تفضيل التثليث على التوحيد. فيا غوثاه! عياذك يا رب من تولُّج الشيطان ووقوع الخذلان! وقد يعظم البلاء وتَكلب الشهوة ويهون القبيح ويرقُّ الدين حتى يرضى الإنسان في جنب وصوله إلى مراده بالقبائح والفضائح، كمثل ما دهم عُبيد الله بن يحيى الأزدي المعروف بابن الحريري؛ فإنه رضي بإهمال داره وإباحة حريمه والتعريض بأهله طمعًا في الحصول على بغيته من فتًى كان عَلِقه — نعوذ بالله من الضلال، ونسأله الحياطة وتحسين آثارنا وإطابة أخبارنا — حتى لقد صار المسكين حديثًا تَعمرُ به المحافل، وتصاغ فيه الأشعار، وهو الذي تسميه العرب الدَّيوث، وهو مشتق من التدييث، وهو التسهيل، وما بعد تسهيل من تَسمح نفسه بهذا الشأن تسهيل، ومنه بعير مديَّث؛ أي مذلل. ولعمري إن الغيرة لتُوجَد في الحيوان بالخِلْقة، فكيف وقد أكَّدتها عندنا الشريعة، وما بعد هذا مصاب. ولقد كنت أعرف هذا المذكور مَستورًا إلى أن استهواه الشيطان. ونعوذ بالله من الخِذلان. وفيه يقول عيسى بن محمد بن محمل الحولاني:
يَا جَاعِلًا إِخْرَاجَ حُرِّ نِسَائِهِشَرَكًا لِصَيْدِ جَآذِرِ الغزْلَانِ
إِنِّي أَرَى شَرَكًا يُمَزَّقُ ثُمَّ لَاتَحْظَى بِغَيْرِ مَذَلَّةِ الحِرْمَانِ
وأقول أنا أيضًا:
أَبَاحَ أَبُو مَرْوَانَ حُرَّ نِسَائِهِلِيَبْلُغَ مَا يَهْوَى مِنَ الرَّشَأ الفَرْدِ
فَعَاتَبْتُهُ الدَّيُّوثَ فِي قُبْحِ فِعْلِهِفَأَنْشَدَنِي إِنْشَادَ مُسْتَبْصِرٍ جَلْدِ
لَقَدْ كُنْتُ أَدْرَكْتُ المُنَى غَيْرَ أَنَّنِييُعَيِّرُنِي قَوْمِي بِإِدْرَاكِهَا وَحْدِي
وأقول أيضًا:
رَأَيْتُ الحزيرى فِيمَا يُعَانِيقَلِيلَ الرَّشَادِ كَثِيرَ السِّفَاهِ
يَبِيعُ وَيَبْتَاعُ عِرْضًا بِعِرْضٍأُمُورٌ وَجَدِّكَ ذَاتُ اشْتِبَاهِ
وَيَأْخُذُ مِيمًا بِإِعْطَاءِ هَاءٍأَلَا هَكَذَا فَلْيَكُنْ ذُو النَّوَاهِي
وَيُبْدِلُ أَرْضًا تُغَذِّي النَّبَاتَبِأَرْضٍ تُحَفُّ بِشَوْكِ العِضَاهِ
لَقَدْ خَابَ فِي تَجْرِهِ ذُو ابتِيَاعٍمَهَبَّ الرِّيَاحِ بِمَجْرَى المِيَاهِ
ولقد سمعته في المسجد الجامع يستعيذ بالله من العصمة كما يُستعاذ به من الخذلان.
ومما يُشبه هذا أني أذكر أني كنت في مجلس فيه إخوان لنا عند بعض مياسير أهل بلدنا، فرأيت بين بعض مَن حَضر وبين مَن كان بالحضرة أيضًا من أهل صاحب المجلس أمرًا أنكرتُه، وغَمزًا استبشعتُه، وخلوات الحين بعد الحين، وصاحب المجلس كالغائب أو النائم، فنبَّهتُه بالتعريض فلم ينتبه، وحركته بالتصريح فلم يتحرك، فجعلت أكرر عليه بيتين قديمين لعله يَفطن، وهما هذان:
إِنَّ إِخْوَانَهُ المُقِيمِينَ بِالأَمــسِ أَتَوْا لِلزِّنَاءِ لَا لِلْغِنَاءِ
قَطَعُوا أَمْرَهُمْ وَأَنْتَ حِمَارٌمُوقَرٌ مِنْ بَلَادَةٍ وَغَبَاءِ
وأكثرت من إنشادهن حتى قال لي صاحبُ المجلس: قد أمللتنا من سماعهما، فتفضل بتركهما أو إنشاد غيرهما. فأمسكت وأنا لا أدري أغافل هو أم متغافل. وما أذكر أني عدت إلى ذلك المجلس بعدها، فقلت فيه قطعةً، منها:
أَنْتَ لَا شَكَّ أَحْسَنُ النَّاسِ ظَنًّاوَيَقِينًا وَنِيَّةً وَضَمِيرًا
فَانْتَبِهْ إِنَّ بَعْضَ مَنْ كَانَ بِالأَمْــسِ جَلِيسًا لَنَا يُعَانِي كَبِيرًا
لَيْسِ كُلُّ الرُّكُوعِ — فَاعْلَمْ — صَلَاةًلَا وَلَا كُلُّ ذِي لِحَاظٍ بَصِيرًا
وحدَّثني ثعلب بن موسى الكلاذاني قال: حدثني سليمان بن أحمد الشاعر قال: حدثتني امرأة اسمها هند، كنت رأيتها في المشرق، وكانت قد حجَّت خمس حجات، وهي من المتعبِّدات المجتهدات. قال سليمان: فقالت لي: يا ابن أخي، لا تُحسن الظن بامرأةٍ قط؛ فإني أخبرك عن نفسي بما يعلمه الله عز وجل: ركبتُ البحر مُنصرفةً من الحج وقد رفضت الدنيا وأنا خامسة خمس نِسوة، كلهن قد حَجَجْنَ، وصِرنا في مركب في بحر القلزم، وفي بعض مَلَّاحي السفينة رجل مضمر الخلق، مديد القامة، واسع الأكتاف، حسن التركيب، فرأيته أولَ ليلة قد أتى إلى إحدى صواحبي فوضع إحليله في يدها، وكان ضخمًا جدًّا، فأمكنتْه في الوقت من نفسها، ثم مرَّ عليهن كلهن في ليالٍ متواليات، فلم يبقَ له غيرها — تعني نفسها — قالت: فقلت في نفسي: لأنتقمن منك. فأخذتُ موسى وأمسكتها بيدي، فأتى في الليل على جاري عادته، فلما فعَل كفعله في سائر الليالي سقطت الموسى عليه، فارتاع وقام لينهض. قالت: فأشفقتُ عليه وقلتُ له وقد أمسكتُه: لا زُلتَ أو آخذ نصيبي منك. قالت العجوز: فقضى وطره وأستغفرُ الله.
وإن للشعراء من لطف التعريض عن الكناية لعجبًا، ومن بعض ذلك قولي حيث أقول:
أَتَانِي وَماءُ المُزْنِ فِي الجَوِّ يُسْفَكُكَمَحْضِ لُجَينٍ إِذْ يُمَدُّ وَيُسْبكُ
هِلَال الدَّيَاجِي انْحَطَّ مِنْ جَوِّ أُفقِهِفَقُلْ فِي مُحِبٍّ نَالَ مَا لَيْسَ يُدْرَكُ
وَكَانَ الَّذِي إِنْ كُنْتَ لِي عَنْهُ سَائِلًافَمَا لِي جَوَابٌ غَيْرَ أَنِّيَ أَضْحَكُ
لِفَرْطِ سُرُورِي خِلْتُنِي عَنْهُ نَائِمًافَيَا عَجَبًا مِنْ مُوقِنٍ يَتَشَكَّكُ
وأقول أيضًا قطعةً، منها:
أَتَيْتَنِي وَهِلَالُ الجَوِّ مُطَّلِعٌقُبَيْلَ قَرْعِ النَّصَارَى لِلنَّوَاقِيسِ
كَحَاجِبِ الشَّيْخِ عَمَّ الشَّيْبُ أَكْثَرَهُوَأَخْمَص الرِّجْلِ فِي لُطْفٍ وَتَقْوِيسِ
وَلَاحَ فِي الأُفْقِ قَوْسُ الله مُكْتَسِيًامِنْ كُلِّ لَوْنٍ كَأَذْنَابِ الطَّوَاوِيسِ
وإن فيما يبدو إلينا من تعادي المُتواصلين في غير ذات الله تعالى بعد الألفة، وتدابرهم بعد الوصال، وتقاطعهم بعد المودة، وتباغضهم بعد المحبة، واستحكام الضغائن، وتأكد السخائم في صدورهم؛ لكاشفًا ناهيًا لو صادف عُقولًا سليمة، وآراءً نافذة، وعزائمَ صحيحة. فكيف بما أعد الله لمن عصاه من النَّكال الشديد يوم الحساب وفي دار الجزاء، ومن الكشف على رءوس الخلائق يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ . جعلنا الله ممَّن يفوز برضاه، ويستحقُّ رحمته.
ولقد رأيتُ امرأة كانت مودتها في غير ذات الله عزَّ وجلَّ، فعهِدتُها أصفى من الماء، وألطف من الهواء، وأثبت من الجبال، وأقوى من الحديد، وأشد امتزاجًا من اللون في الملون، وأنفذ استحكامًا من الأعراض في الأجسام، وأضوأ من الشمس، وأصح من العيان، وأثقب من النجم، وأصدق من كدر القطا، وأعجب من الدهر، وأحسن من البر، وأجمل من وجه أبي عامر، وألذ من العافية، وأحلى من المُنى، وأدنى من النفس، وأقرب من النسب، وأرسخ من النقش في الحجر، ثم لم ألبث أن رأيت تلك المودة قد استحالت عداوة أفظع من الموت، وأنفذ من السهم، وأمر من السقم، وأوحش من زوال النعم، وأقبح من حلول النقم، وأمضى من عقم الرياح، وأضر من الحمق، وأدهى من غلبة العدو، وأشد من الأسر، وأقسى من الصخر، وأبغض من كشف الأستار، وأنأى من الجوزاء، وأصعب من معاناة السماء، وأكبر من رؤية المصاب، وأشنع من خرق العادات، وأقطع من فجأة البلاء، وأبشع من السم الزعاف، وما لا يتولد مثله عن الذحول والترات، وقتل الآباء وسبي الأمهات. وتلك عادة الله في أهل الفسق القاصدين سواه، الآمِّين غيره، وذلك قوله عز وجل: يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي .
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع