من «طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسي (ت ٤٥٦هـ)
باب قبح المعصية
الصفحة ٢ من ٢
فيجب على اللبيب الاستجارة بالله مما يُورط فيه الهوى؛ فهذا خلفٌ مولى يوسف بن قمقام القائد المشهور، كان أحد القائمين مع هشام بن سليمان بن الناصر، فلما أُسر هشام وقُتل وهرب الذين وازروه، فَرَّ خلفٌ في جُملتهم ونجا، فلما أتى القسطلات لم يُطق الصبر عن جارية كانت له بقرطبة فكرَّ راجعًا، فظفر به أمير المؤمنين المهدي، فأمر بصلبه. فلعهدي به مصلوبًا في المرج على النهر الأعظم وكأنه القُنفذ من النبل.
ولقد أخبرني أبو بكر محمد بن الوزير عبد الرحمن بن اللَّيث — رحمه الله — أن سبب هروبه إلى محلة البرابر أيام تحوُّلهم مع سليمان الظافر إنما كان لجارية يكلَف بها تصيَّرت عند بعض من كان في تلك الناحية، ولقد كاد أن يتلف في تلك السفرة.
وهذان الفصلان وإن لم يكونا من جنس الباب فإنهما شاهدان على ما يقود إليه الهوى من الهلاك الحاضر الظاهر، الذي يستوي في فهمه العالم والجاهل، فكيف من العِصمة التي لا يفهمها من ضَعُفت بصيرته! ولا يقولن امرؤ: خلوت؛ فهو وإن انفرد فبمرأًى ومسمعٍ من علَّام الغيوب؛ الذي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، و يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، و مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا، وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وهو عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، و يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ، وقال: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ .
وليعلم المُستخفُّ بالمعاصي، المُتَّكلُ على التسويف، المُعرِض عن طاعة ربه، أن إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقرَّبين، فلمعصيةٍ واحدةٍ وقعتْ منه استحقَّ لعنة الأبد وعذاب الخلد، وصُيِّر شيطانًا رجيمًا، وأُبعد عن رفيع المكان. وهذا آدم صلى الله عليه وسلم بذنبٍ واحدٍ أُخرج من الجنة إلى شقاء الدنيا ونَكدها، ولولا أنه تلقى من ربه كلماتٍ وتاب عليه لكان من الهالكين. أفترى هذا المُغتر بالله رَبِّه وبإملائه ليزداد إثمًا يظُنُّ أنه أكرم على خالقه من أبيه آدم الذي خلقه بيده، ونَفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته الذين هم أفضل خلقه عنده؟ أو عقابه أعز عليه من عقوبته إياه؟ كلا، ولكن استعذاب التمني، واستيطاء مركب العجز، وسخف الرأي قائدةٌ أصحابَها إلى الوبال والخزي، ولو لم يكن عند ركوب المعصية زاجر من نهي الله تعالى، ولا حامٍ من غليظ عقابه؛ لكان في قَبيح الأحدوثة عن صاحبه، وعظيم الظلم الواقع في نفس فاعله، أعظم مانع، وأشد رادع لمن نظر بعين الحقيقة، واتَّبع سبيل الرشد، فكيف والله عز وجل يقول: وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا .
حدثنا الهمداني في مسجد القمري بالجانب الغربي من قرطبة سنة إحدى وأربعمائة، حدثنا ابن سبويه وأبو إسحاق البلخي بخراسان سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، قالا: ثنا محمد بن يوسف: ثنا محمد بن إسماعيل: ثنا قتيبة بن سعيد: ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل قال: قال عبد الله — وهو ابن مسعود: قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تَدْعُوَ لله ندًّا وهو خَلقك. قال: ثم أي؟ قال: أن تَقتل ولدك أن يُطعَم معك. قال: ثم أي؟ قال: أن تزانيَ حليلة جارك. فأنزل الله تصديقها: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ، وقال عز وجل: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ .
حدثنا الهمداني، عن أبي إسحاق البلخي وابن سبويه، عن محمد بن يوسف، عن محمد بن إسماعيل، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن المسيب المخزوميين، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزني الزَّاني حين يزني وهو مؤمن.» وبالسند المذكور إلى محمد بن إسماعيل، عن يحيى بن بُكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وسعيد بن المُسيب، عن أبي هريرة قال: أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه، ثم رد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أَبِكَ جنون؟ قال: لا. قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اذهبوا به فارجموه.
قال ابنُ شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال: كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة هرَب، فأدركناه بالحرَّة فرجمناه.
حدثنا أبو سعيد مولى الحاجب جعفر في المسجد الجامع بقرطبة، عن أبي بكر المقرئ، عن أبي جعفر النحاس، عن سعيد بن بشر، عن عمرو بن رافع، عن منصور، عن الحسن، عن حطَّان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خُذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد وتغريب سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.» فيا لشُنعة ذنبٍ أنزل الله وحيه مُبينًا بالتشهير بصاحبه، والعنف بفاعله، والتشديد لمقترفه! وتشدَّد في ألَّا يُرجم إلا بحضرة أوليائه عقوبةَ رجمه. وقد أجمع المسلمون إجماعًا لا يَنقضه إلا مُلحد أن الزانيَ المُحصن عليه الرجم حتى يموت.
فيا لها قتلة ما أهولَها! وعقوبة ما أفظعها، وأشد عذابها وأبعدها من الإراحة وسرعة الموت!
وطوائف من أهل العلم منهم الحسن بن أبي الحسن، وابن راهويه، وداود وأصحابه يرَوْن عليه مع الرجم جلد مائة، ويحتجُّون عليه بنص القرآن وثبات السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبفعل عليٍّ — رضي الله عنه — بأنه رَجم امرأة محصنة في الزنا بعد أن جلدها مائة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتُها بسنة رسول الله. والقول بذلك لازم لأصحاب الشافعي؛ لأن زيادة العدل في الحديث مَقبولة، وقد صح في إجماع الأمة المنقول بالكافة الذي يَصحبه العمل عند كل فرقة، وفي أهل كل نحلة من نحل أهل القبلة، حاشا طائفة يسيرة من الخوارج لا يُعتدُّ بهم، أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بكفرٍ بعد إيمان، أو نفسٍ بنفس، أو بمحاربةٍ لله ورسوله يُشهر فيها سيفه، ويسعى في الأرض فسادًا مقبِلًا غير مدبِر، وبالزنا بعد الإحصان.
فإن حد ما جعل الله مع الكفر بالله عز وجل ومحاربته، وقَطع حُجته في الأرض ومُنابذته دينه لجُرم كبير ومَعصية شنعاء، والله تعالى يقول: إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، و الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ . وإن كان أهلُ العلم اختلفوا في تسميتها، فكلهم مُجمعٌ — مهما اختلفوا فيه منها — أن الزنا يقدم فيها، لا اختلاف بينهم في ذلك، ولم يُوعد الله عز وجل في كتابه بالنار بعد الشرك إلا في سبع ذُنوب؛ وهي الكبائر: الزنا أحدها، وقذف المحصنات أيضًا منها، منصوصًا ذلك كله في كتاب الله عز وجل.
وقد ذكرنا أنه لا يجب القتل على أحدٍ من ولد آدم إلا في الذنوب الأربعة التي تقدم ذكرها. فأما الكفر منها، فإنْ عاد صاحبه إلى الإسلام، أو بالذمَّة إن لم يكن مرتدًّا قُبل منه، ودُرئ عنه الموت. وأما القتل، فإن قَبل الوليُّ الديةَ في قول بعض الفقهاء، أو عفا في قول جميعهم، سَقط عن القاتل القتل بالقصاص. وأما الفساد في الأرض، فإن تاب صاحبه قبل أن يُقدر عليه هُدر عنه القتل، ولا سبيل في قول أحدٍ مُؤَالِف أو مُخالِف في ترك رَجم المُحصن، ولا وجه لرفع الموت عنه البتة.
ومما يدل على شُنعة الزنا ما حدَّثنا القاضي أبو عبد الرحمن: ثنا القاضي أبو عيسى، عن عبيد الله بن يحيى، عن أبيه يحيى بن يحيى، عن الليث، عن الزهري، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عبيد بن عمير: أن عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — أصاب في زمانه ناسًا من هُذيل، فخرجت جارية منهم فأتبعها رجل يُريدها عن نفسها، فرمتْه بحجر فقضت كبده، فقال عمر: هذا قتيل الله، والله لا يودى أبدًا.
وما جعل الله عز وجل فيه أربعةَ شهود، وفي كل حكم شاهدين إلا حياطةً منه ألَّا تَشيع الفاحشة في عباده، لعظمها وشُنعتها وقبحها، وكيف لا تكون شنيعةً ومن قذف بها أخاه المُسلم أو أخته المسلمة دون صحة عِلم أو تيقُّن معرفة، فقد أتى كبيرة من الكبائر استحق عليها النار غدًا، ووجب عليه بنص التنزيل أن تُضرب بشرته ثمانين سوطًا!
ومالِك — رضي الله عنه — يرى ألَّا يُؤخذ في شيء من الأشياء حد بالتعريض دون التصريح إلا في قذف.
وبالسند المذكور عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عَمرة بنت عبد الرحمن، عن عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — أنه أمر أن يُجلد الرجلُ قال لآخر: ما أبي بزانٍ ولا أمي بزانية.
في حديث طويل، وبإجماعٍ من الأمة كلها دون خلاف من أحد نعلمه، أنه إذا قال رجل لآخر: يا كافر، أو يا قاتل النفس التي حرم الله، لما وجب عليه حد؛ احتياطًا من الله عز وجل إلا بثبت هذه العظيمة في مسلم ولا مسلمة.
ومن قول مالك — رحمه الله — أيضًا أنه لا حد في الإسلام إلا والقتل يغني عنه وينسخه إلا حد القذف؛ فإنه إن وجب على مَن قد وجب عليه القتل حُدَّ ثم قتل، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الغَضب واللعنة المذكوران في اللِّعان، إنهما مُوجبتان.»
حدثنا الهمداني، عن أبي إسحاق، عن محمد بن يوسف، عن محمد بن إسماعيل، عن عبد العزيز بن عبد الله، قال: ثنا سليمان، عن ثور بن يزيد، عن أبي الغيث، عن أبي هُريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اجتنبوا السَّبع المُوبقات.» قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات.»
وإن في الزنا من إباحة الحريم، وإفساد النسل، والتفريق بين الأزواج الذي عظَّم الله أمره، ما لا يهون على ذي عقل، أو من له أقل خَلاق، ولولا مكان هذا العُنصر من الإنسان، وأنه غير مأمون الغلبة لما خفَّف الله عن البِكْرين وشدد على المحصنين. وهذا عندنا وفي جميع الشرائع القديمة النازلة من عند الله عز وجل حُكمًا باقيًا لم يُنسخ ولا أُزيل، فيترك الناظر لعباده الذي لم يَشغله عظيم ما في خَلقه، ولا يحيف قدرته كبير ما في عوالمه عن النظر لحقير ما فيها، فهو كما قال عز وجل: الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، وقال: يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا، وقال: عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ .
وإن أعظم ما يأتي به العبد هَتْك ستر الله عز وجل في عباده، وقد جاء في حكم أبي بكر الصديق — رضي الله عنه — في ضربه الرجلَ الذي ضَمَّ صبيًّا حتى أمنَى ضربًا كان سببًا للمنيَّة، ومن إعجاب مالك — رحمه الله — باجتهاد الأمير الذي ضرب صبيًّا مكَّن رجلًا من تَقبيله حتى أمنَى الرجل، ضربه إلى أن مات، ما يُنسي شدة دواعي هذا الشأن وأسبابه. والتزيُّد في الاجتهاد، وإن كنا لا نراه، فهو قول كثيرٍ من العلماء يتبعه على ذلك عالَم من الناس. وأما الذي نذهب إليه فالذي حدَّثناه الهمداني، عن البلخي، عن البخاري، عن الفربري، عن البخاري قال: ثنا يحيى بن سليمان: ثنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو أن بكيرًا حدثه عن سليمان بن يسار، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، عن أبي بردة الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يُجلد فوق عشرة أسواط إلا في حَدٍّ من حدود الله عز وجل.»
وبه يقول أبو جعفر محمد بن علي النسائي الشافعي — رحمه الله.
وأما فعل قوم لوطٍ فشنيعٌ بشيع، قال الله تعالى: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ وقد قذَف الله فاعليه بحجارة من طين مسوَّمة، ومالك — رحمه الله — يَرى على الفاعل والمَفعول به الرَّجم، أحصنا أم لم يُحصنا، واحتج بعض المالكيين في ذلك بأن الله عز وجل يقول في رجمه فاعليه بالحجارة: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ، فوجب بهذا أنه من ظَلم الآن بمثل فعلهم قربت منه.
والخلاف في هذه المسألة ليس هذا موضعه. وقد ذكر أبو إسحاق إبراهيم بن السري، أن أبا بكر — رضي الله عنه — أحرق فيه بالنار، وذكر أبو عبيدة مَعْمَر بن المُثنَّى اسم المحرَق فقال: هو شجاع بن ورقاء الأسدي، أحرقه بالنار أبو بكر الصديق لأنه يُؤتَى في دُبره كما تؤتى المرأة.
وإن عن المعاصي لمذاهب للعقل واسعة، فما حرَّم الله شيئًا إلا وقد عوض عباده من الحلال ما هو أحسن من المحرَّم وأفضل. لا إله إلا هو.
وأقول في النهي عن اتباع الهوى على سبيل الوعظ:
أَقُولُ لِنَفْسِي مَا مُبِينٌ كَحَالِكٍوَمَا النَّاسُ إِلَّا هَالِكٌ وَابْنُ هَالِكِ
صُنِ النَّفْسَ عَمَّا عَابَهَا وَارْفُضِ الهَوَىفَإِنَّ الهَوَى مِفْتَاحُ بَابِ المَهَالِكِ
رَأَيْتُ الهَوَى سَهْلَ المَبَادِي لَذِيذَهَاوَعُقْبَاهُ مُر الطَّعْمِ، ضَنْك المَسَالِكِ
فَمَا لَذَّةُ الإِنْسَانِ وَالمَوْتُ بَعْدَهَاوَلَوْ عَاشَ ضِعْفَي عُمْر نُوح بنِ لَامَك
فَلَا تَتَّبِعْ دَارًا قَلِيلًا لِبَاثُهَافَقَدْ أَنْذَرَتْنَا بِالفَنَاءِ المُوَاشِكِ
وَمَا تَرْكُهَا إِلَّا إِذَا هِيَ أَمْكَنَتْوَكَمْ تَارِكٍ إِضْمَاره غَيْر تَارِكِ
فَمَا تَارِكُ الآمَالِ عُجْبًا جُؤَاذِرًاكَتَارِكِهَا ذَات الضُّرُوعِ الحَوَاشِكِ
وَمَا قَابَلَ الأَمْرَ الَّذِي كَانَ رَاغِبًابِشَهْوَةِ مُشْتَاقٍ وَعَقْلٍ مُبَارَكِ
لَأَجْدَى عِبَادِ اللهِ بِالفَوْزِ عِنْدَهُلَدَى جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ فَوْقَ الأَرَائِكِ
وَمَنْ عَرَفَ الأَمْرَ الَّذِي هُوَ طَالِبٌرَأَى سَبَبًا مَا فِي يَدَيْ كُلِّ مَالِكِ
وَمَنْ عَرَفَ الرَّحْمَنَ لَمْ يَعْصِ أَمْرَهُوَلَوْ أَنَّهُ يُعْطَى جَمِيعَ المَمَالِكِ
سَبِيلُ التُّقَى وَالنُّسكِ خَيْرُ المَسَالِكِوَسَالِكُهَا مُسْتَبْصِرٌ خَيْرُ سَالِكِ
فَمَا فَقَدَ التَّنْغِيص منْ عَاج دُونَهَاوَلَا طَابَ عَيْشٌ لِامْرِئٍ غَيْرِ سَالِكِ
وَطُوبَى لَأَقْوَامٍ يَؤُمُّونَ نَحْوَهَابِخِفَّةِ أَرْوَاحٍ وَلِينِ عَرَائِكِ
لَقَدْ فَقَدُوا غِلَّ النُّفُوسِ وفُضِّلُوابِعِزِّ سَلَاطِين وَأَمْنِ صَعَالِكِ
فَعَاشُوا كَمَا شَاءُوا وَمَاتُوا كَمَا اشْتَهَوْاوَفَازُوا بِدَارِ الخُلْدِ رَحب المَبارِكِ
عَصوا طَاعَةَ الأَجْسَادِ فِي كُلِّ لَذَّةٍبِنُورٍ محلٍّ ظُلْمَةَ الغَيِّ هَاتِكِ
فَلَوْلَا اعْتِدَادُ الجِسْمِ أَيْقَنْتَ أَنَّهُمْيَعِيشُونَ عَيْشًا مِثْلَ عَيْشِ المَلَائِكِ
فَيَا رَبُّ قَدِّمْهُمْ وَزِدْ فِي صَلَاحِهِمْوَصَلِّ عَلَيْهِم حَيْثُ حَلُّوا وَبَارِكِ
وَيَا نَفْسُ جِدِّي لَا تَمَلِّي وَشَمِّرِيلِنَيْلِ سُرُورِ الدَّهْرِ فِيمَا هُنَالِكِ
وَأَنْتِ مَتَى دَمَّرْتِ سَعْيَكِ فِي الهَوَىعَلِمْتِ بِأَنَّ الحَقَّ لَيْسَ كَذَلِكِ
فَقَدْ بَيَّنَ الله الشَّرِيعَةَ لِلْوَرَىبِأَبْيَنَ مِنْ زُهْرِ النُّجُومِ الشَّوَابِكِ
فَيَا نَفْسُ جِدِّي فِي خَلَاصِكِ وَانْفُذِينَفَاذَ السُّيُوفِ المُرْهَفَاتِ البَوَاتِكِ
فَلَوْ أَعْمَلَ النَّاسُ التَّفَكُّرَ فِي الَّذِيلَهُ خُلِقُوا مَا كَانَ حَيٌّ بِضَاحِكِ
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع