من «رحلة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)
الفيئة إلى السلطان أبي العباس بتونس والمقام بها
ولما نزلت بقلعة ابن سلامة بين أحياء أولاد عريف، وسكنت منها بقصر أبي بكر بن عريف الذي اختطه بها، وكان من أحفل المساكن وأوثقها. ثم طال مقامي هنالك، وأنا مستوحش من دولة المغرب وتلمسان، وعاكف على تأليف هذا الكتاب، وقد فرغت من مقدمته إلى أخبار العرب والبربر وزناتة، وتشوفت إلى
مطالعة الكتب والدواوين التي لا توجد إلا بالأمصار، بعد أن أمليت الكثير من حفظي، وأردت التنقيح والتصحيح، ثم طرقني مرض أوفى بي على الثنية، لولا ما تدارك من لطف الله، فحدث عندي ميل إلى مراجعة السلطان أبي العباس، والرحلة إلى تونس، حيث قرار آبائي ومساكنهم، وآثارهم، وقبورهم، فبادرت إلى خطاب السلطان بالفيئة إلى طاعته والمراجعة، وانتظرت، فما كان غير بعيد، وإذا بخطابه وعهوده بالأمان، والاستحثاث للقدوم، فكان الخفوف للرحلة، فطعنت عن أولاد عريف مع عرب الأخضر من بادية رياح، كانوا هنالك ينتجعون الميرة بمنداس. وارتحلنا في رجب سنة ثمانين، وسلكنا القفر إلى الدوسن من أطراف الزاب. ثم صعدت إلى التل مع حاشية يعقوب بن علي وجدتهم بفرفار، الضيعة التي اختطها بالزاب، فرحلتهم معي إلى أن نزلنا عليه بضاحية قسنطينة، ومعه صاحبها الأمير إبراهيم بن السلطان أبي العباس بمخيمه، وفي عسكره فحضرت عنده، وقسم لي من بره، وكرامته فوق الرضى. وأذن لي في الدخول إلى قسنطينة، وإقامة أهلي في كفالة إحسانه، بينما أصل إلى حضرة
أبيه. وبعث يعقوب بن علي معي ابن أخيه أبي دينار في جماعة من قومهم، وسرنا إلى السلطان أبي العباس، وهو يومئذ قد خرج من تونس في العساكر إلى بلاد الجريد، لاستنزال شيوخها عن كراسي الفتنة التي كانوا عليها، فوافيته بظاهر سوسة، فحيا وفادتي، وبر مقدمي، وبالغ في تأنيسي، وشاورني في مهمات أموره، ثم ردني إلى تونس، وأوعز إلى نائبه بها مولاه فارح بتهيئة المنزل، والكفاية في الجراية، والعلوفة، وجزبل الإحسان، فرجعت إلى تونس في شعبان من السنة، وآويت إلى ظل ظليل من عناية السلطان وخرمته، وبعثت عن الأهل والولد، وجمعت شملهم في مرعى تلك النعمة، وألقيت عصا التسيار، وطالت غيبة السلطان إلى أن افتتح أمصار الجريد، وذهب فلهم في النواحي، ولحق زعيمهم يحيى بن يملول ببسكرة، ونزل على صهره ابن مزني،
وقسم السلطان بلاد الجريد بين ولده، فأنزل ابنه محمد المنتصر بتوزر، وجعل نفطة، ونفزاوة من أعماله، وأنزل ابنه أبا بكر بقفصة، وعاد إلى تونس مظفراً، ماهداً، فأقبل علي، واستدناني لمجالسته، والنجي
في خلوته، فغص بطانته بذلك، وأفاضوا في السعايات عند السلطان فلم تنجح، وكانوا يعكفون على إمام الجامع، وشيخ الفتيا، محمد بن عرفة، وكانت في قلبه نكتة من الغيرة من لدن اجتماعنا في المربى بمجالس الشيوخ، فكثيراً ما كان يظهر شفوفي عليه، وإن كان أسن مني، فاسودت تلك النكتة في قلبه، ولم تفارقه. ولما قدمت تونس انثال علي طلبة العلم من أصحابه وسواهم، يطلبون الإفادة والاستغال، واسعفتهم بذلك، فعظم عليه. وكان يسم التنفير إلى الكثير منهم فلم يقبلوا، واشتدت غيرته، ووافق ذلك اجتماع البطانة إليه، فاتفقوا على شأنهم في التأليب علي، والسعاية بي، والسلطان خلال ذلك معيرض عنهم في ذلك، وقد كلفني بالإكباب على تأليف هذا الكتاب لتشوفه إلى المعارف والأخبار، واقتناء الفضائل، فأكملت منه أخبار البربر، وزناته. وكتبت من أخبار الدولتين وما قبل الإسلام ما وصل إلي منها، وأكملت منه نسخة رفعتها إلى خزانته، وكان مما يغرون به السلطان علي، قعودي عن امتداحه، فإني كنت قد أهملت الشعر وانتحاله جملة، وتفرغت للعلم فقط، فكانوا يقولون له إنما ترك ذلك استهانة بسلطانك، لكثرة امتداحه للملوك قبلك، وتنسمت ذلك عنهم من جهة بعض الصديق من بطانتهم، فلما رفعت له الكتاب، وتوجته باسمه، أنشدته ذلك اليوم، هذه القصيدة أمتدحه، وأذكر سيره وفتوحاته، وأعتذر عن انتحال الشعر، وأستعطفه بهدية الكتاب إليه، وهي هذه:
هل غير بابك للغريب مؤملأو عن جنابك للأماني معدل
هي همة بعثت إليك على النوىعزماً كما شحذ الحسام الصيقل
متبوأ الدنيا ومنتجع المنىوالغيث حيث العارض المتهلل
حيث القصور الزاهرات منيفةتعنى بها زهر النجوم وتحفل
حيث الخيام البيض يرفع للعلاوالمكرمات طرافها المتهدل
حيث الحمى للعز في ساحاتهظل أفاءته الوشيج الذبل
حيت الكرام ينوب عن نار القرىعرف الكباء بحيهم والمندل
حيث الرماح يكاد يورق عودهامما تعل من الدماء وتنهل
حيث الجياد أملهن بنو الوغىمما أطالوا في المغار وأوغلوا
حيث الوجوه الغر قنعها الحياوالبشر في صفحاتها يتهلل
حيث الملوك الصيد والنفر الألىعز الجوار لديهم والمنزل
من شيعة المهدي بل من شيعة التوحيد جاء به الكتاب يفصل
بل شيعة الرحمن ألقى حبهمفي خلقه فسموا بذاك وفضلوا
شادوا على التقوى مباني عزهملله ما شادوا بذاك وأثلوا
قوم أبو حفص أب لهم وماأدراك والفاروق جد أول
نسب كما اطردت أنابيب القناوأتى على تقويمهن معدل
سام على هام الزمان كأنهللفخر تاج بالبدور مكلل
فضل الأنام حديثهم وقديمهمولأنت إن فضلوا أعز وأفضل
وبنوا على قلل النجوم ووطدواوبناؤك العالي أشد وأطول
ولقد أقول لخائض بحر الفلاوالليل مزبد الجوانب أليل
ماض علىغول الدجى لا يتقيتيهاً وذابله ذبال مشعل
متقلب فوق الرحال كأنهطيف بأطراف المهاد موكل
يبغي منال الفوز من طرق الغنىويرود خصبها الذي لا يمحل
أرح الركاب فقد ظفرت بواهبيعطي عطاء المنعمين فيجزل
لله من خلق كريم في الندىكالروض حياه ندى مخضل
هذا أمير المؤمنين إمامنافي الدين والدنيا إليه الموئل
هذا أبو العباس خير خليفةشهدت له الشيم التي لا تجهل
مستنصر بالله في قهر العداوعلى إعانة ربه متوكل
سبق الملوك إلى العلا متمهلالله منك السابق المتمهل
فلأنت أعلى المالكين وإن غدوايتسابقون إلى العلاء وأكمل
قايس قديماً منكم بقديمهمفالأمر فيه واضح لا يجهل
دانوا لقومكم بأقوم طاعةهي عروة الدين التي لا تفصل
سائل تلمساناً بها وزناتةومرين قبلهم كما قد ينقل
وأسأل بأندلس مدائن ملكهاتخبرك حين استيأسوا واستوهلوا
واسأل بذا مراكشاً وقصورهاولقد تجيب رسومها من يسأل
يا أيها الملك الذي في نعتهملء القلوب وفوق ما يتمثل
لله منك مؤيد، عزماتهتمضي كما يمضي القضاء المرسل
جئت الزمان بحيث أعضل خطبهفافتر عنه وهو أكلح أعصل
والشمل من أبنائه متصدعوحمى خلافته مضاع مهمل
والخلق قد صرفوا إليك قلوبهمورجوا صلاح الحال منك وأملوا
فعجلته لما انتدبت لأمرهبالبأس والعزم الذي لا يمهل
ذللت منه جامحاً لا ينثنيسهلت وعراً كاد لا يتسهل
وألنت من شرس العتاة وذدتهمعن ذلك الحرك الذي قد حللوا
كانت لصولة صولة ولقومهيعدوا ذؤيب بها وتسطو المعقل
ومهلهل تسدي وتلحم في التيما أحكموها بعد ففي مهلهل
المراد بصولة هنا صولة بن خالد بن حمزة أمير أولاد أبي الليل. وذؤيب: هو ابن عمه أحمد بن حمزة. والمعقل فريق من العرب من أحلافهم. ومهلهل: هم بنو
مهلهل ابن قاسم أنظارهم وأقتالهم. ثم رجعت إلى وصف العرب وأحيائهم:
عجب الأنام لشأنهم بادون قدقذفت بحيهم المطي الذلل
رفعوا القباب على العماد وعندهاالجرد السلاهب والرماح العسل
في كل ظامي الترب متقد الحصىتهوي للجته الظماء فتنهل
جن شرابهم السراب ورزقهمرمح يروح به الكمي ومنصل
حي حلول بالعراء ودونهمقذف النوى إن يظعنوا أو يقبلوا
كانوا يروعون الملوك بما بدواوغدت ترفه بالنعيم وتخضل
فبدوت لا تلوي على دعة ولاتأوي إلى ظلل القصور تهدل
طوراً يصافحك الهجير وتارةفيه بخفاق البنود تظلل
وإذا تعاطي ضمراً يوم الوغىكأس النجيع فبالصهيل تعلل
مخشوشنا في العز معتملاً لهفي مثل هذا يحسن المستعمل
تفري حشا البيداء لا يسري بهاركب ولا يهوي إليها جحفل
وتجر أذيال الكتائب فوقهاتختال في السمر الطوال وترفل
ترميهم منهما بكل مدججشاكي السلاح إذا استعار الأعزل
وبكل أسمر غصنه متأودوبكل أبيض شطه متهدل
حتى تفرق ذلك الجمع الألىعصفت بهم ريح الجلاد فزلولوا
ثم استملتهم بأنعمك التيخضعوا لعزك بعدها وتذللوا
ونزعت من أهل الجريد غوايةكانت بهم أبداً تجد وتهزل
خربت من بنيانها ما شيدواوقطعت من أسبابها ما أصلوا
ونظمت من أمصاره وثغورهللملك عقداً بالفتوح يفصل
فسددت مطلع النفاق وأنت لاتنبو ظباك ولا العزيمة تنكل
بشكيمة مرهوبة وسياسةتجري كما يجري فرات سلسل
عذب الزمان لها ولذ مذاقهمن بعد ما قد مر منه الحنظل
فضوى الأنام لعز أروع مالكسهل الخليقة، ماجد متفضل
وتطابقت فيك القلوب على الرضىسيان منها الطفل والمتكهل
يا مالكاً وسع الزمان وأهلهدعة وأمناً فوق ما قد أملوا
فالأرض لا يخشى بها غول ولايعدو بساحتها الهزبر المشبل
والسفر يجتابون كل تنوفةسرب القطا ما راعهن الأجدل
سبحان من بعلاك قد أحيا المنىوأعاد حلي الجيد وهو معطل
سبحان من بهداك أوضح للورىقصد السبيل فأبصر المتأمل
فكأنما الدنيا عروس تجتلىفتميس في حلل الجمال وترفل
وكأن مطبقة البلاد بعدلهعادت فسيحاً ليس فيه مجهل
وكأن أنوار الكواكب ضوعفتمن نور غرته التي هي أجمل
وكأنما رفع الحجاب لناظرفرأى الحقيقة في الذي يتخيل
وهنها في العذر عن مدحه:
مولاي غاضت فكرتي وتبلدتمني الطباع فكل شيء مشكل
تسمو إلى درك الحقائق همتيفأصد عن إدراكهن وأعزل
وأجد ليلي في امتراء قريحتيوتعود غوراً بينما تسترسل
فأبيت يعتلج الكلام بخاطريوالنظم يشرد والقوافي تجفل
من بعد حول أنتقيه ولم يكنفي الشعر حولي يعاب ويهمل
فأصونه عن أهله متوارياًأن لا يضمهم وشعري محفل
وهي البضاعة في القبول نفاقهاسيان فيها الفحل والمتطفل
وبنات فكري إن أتتك كليلةمرهاء تخطر في القصور وتخطل
فلها الفخار إذا منحت قبولهاوأنا على ذاك البليغ المقول
ومنها في ذكر الكتاب المؤلف لخزانته:
وإليك من سير الزمان وأهلهعبراً يدين بفضلها من يعدل
صحفاً تترجم عن أحاديث الألىغبروا فتجمل عنهم وتفصل
تبدي التبابع والعمالق سرهاوثمود قبلهم وعاد الأول
والقائمون بملة الإسلام منمضر وبربرهم إذا ما حصلوا
لخصت كتب الأولين لجمعهاوأتيت أولها بما قد أغفلوا
وألنت حوشي الكلام كأنماشرد اللغات بها لنطقي ذلل
أهديت منه إلى علاك جواهراًمكنونة وكواكباً لا تأفل
وجملته لصوان ملكك مفخرايبأى الندي به ويزهو المحفل
والله ما أسرفت فيما قلتهشيئاً ولا الاسراف مما يجمل
ولأنت أرسخ في المعارف رتبةمن أن يموه عنده متطفل
فملاك كل فضيلة وحقيقةبيديك تعرف وضعها إن بدلوا
والحق عندك في الأمور مقدمأبداً فماذا يدعيه المبطل
والله أعطاك التي لا فوقهافاحكم بما ترضى فأنت الأعدل
أبقاك ربك للعباد تربهمفالله يخلقهم ورعيك يكفل
وكنت لما انصرفت عنه من معسكره على سوسة إلى تونس، بلغني - وأنا مقيم بها - أنه أصابه في طريقه مرض، وعقبه إبلال، فخاطبته بهذه القصيدة:
ضحكت وجوه الدهر بعد عبوسوتجللتنا رحمة من بوس
وتوضحت غرر البشائر بعد ماانبهمت فأطلعها حداة العيس
صدعوا بها ليل الهموم كأنماصدعوا الظلام بجذوة المقبوس
فكأنهم بثوا حياة في الورىنشرت لها الآمال من مرموس
قرت عيون الخلق منها بالتيأضفت من النعماء خير لبوس
فكأن قومي نادمتهم قرقفشربوا النعيم لها بغير كؤوس
يتمايلون من المسرة والرضىويقابلون أهلة بشموس
من راكب وافى يحيي راكباًوجليس أنس قاده لجليس
ومشفع لله يؤنس عندهأثر الهدى في المعهد المأنوس
يعتد منها رحمة قدسيةفيبوء للرحمن بالتقديس
طب بإخلاص الدعاء وإنهيشفي من الداء العياء ويوسي
(والمعني به إمام الجامع الأعظم، جامع الزيتونة بتونس).
يا ابن الخلائف والذين بنورهمنهجت سبيل الحق بعد دروس
والناصر الدين القويم بعزمةطرد استقامتها بغير عكوس
هجر المنى فيها ولذات المنىفي لذة التهجير والتغليس
حاط الرعية بالسياسة فانضوتمنه لإكرم مالك وسؤوس
أسد يحامي عن حمى أشبالهحتى ضووا منه لأمنع خيس
قسماً بموشي البطاح وقد غدتتختال زهواً في ثياب عروس
والماثلات من الحنايا جثمايخبرن عن طسم وفل جديس
خوص مضمرة البطون كأنهاأنضاء ركب في الفلاة حبيس
وخز البلى منها الغوارب والذرىفلفتن خزراً بالعيون الشوس
لبقاك حرز الأنام وعصمةوحياة أرواح لنا ونفوس
ولأنت كافل ديننا بحمايةلولاك ضيع عهدها وتنوسي
الله أعطاك التي لا فوقهاوحباك حظاً ليس بالموكوس
تعنو القلوب إليك قبل وجوهناسيان من رأس ومن مرءوس
فإذا أقمت فإن رعبك راحليحمي على الأعداء كل وطيس
وإذا رحلت فللسعادة آيةتقتادها في موكب وخميس
وإذا الأدلة في الكمال تطابقتجاءت بمسموع لها ومقيس
فانعم بملكك دولة عاديةتشقي الأعادي بالعذاب البيس
وإليكها مني على خجل بهاعذراء قد حليت بكل نفيس
غذراً فقد طمس الشباب ونورهوأضاء صبح الشيب عند طموس
لولا عنايتك التي أوليتنيما كنت أعنى بعدها بطروس
والله ما أبقت ممارسة النوىمني سوى مرس أحم دريس
أنحى الزمان علي في الأدب الذيدارسته بمجامع ودروس
فسطا على وفري وروع مأمنيواجتث من دوح النشاط غروسي
ورضاك رحمتي التي أعتدهاتحيي منى نفسي وتذهب بوسي
ثم كثرت سعاية البطانة بكل نوع من أنواع السعايات، وابن عرفة يزيد في إغرائهم متى اجتمعوا إليه، إلى أن أغروا السلطان بسفري معه، ولقنوا النائب بتونس القائد فارح من موالي السلطان أن يتفادى من مقامتي معه، خشية على أمره مني بزعمه، وتواطأوا على أن يشهد ابن عرفة بذلك للسلطان، فشهد به في غيبة مني، ونكر السلطان عليهم ذلك، ثم بعت إلي وأمرني بالسفر معه، فسارعت إلى الامتثال، وقد شق ذلك علي، إلا أني لم أجد محيصاً عنه، فخرجت معه، وانتهيت إلى تبسة، وسط تلول إفريقية، وكان منحدراً في عساكره وتواليفه من العرب إلى توزر، لأن ابن يملول كان أجلب عليها سنة ثلاث وثمانين، واستنقذها من يد ابنه، فسار السلطان إليه، وشرده عنها، وأعاد إليها ابنه وأولياءه. ولما نهض من تبسه، رجعني إلى تونس، فأقمت بضيعتي الرياحين من نواحيها لضم زروعي بها، إلى أن قفل السلطان ظافراً منصوراً، فصحبته إلى تونس.
ولما كان شهر شعبان من سنة أربع وثمانين، أجمع السلطان الحركة إلى الزاب، بما كان صاحبه ابن مزنى قد آوى ابن يملول إليه، ومهد له في جواره، فخشيت
أن يعود في شأني ما كان في السفرة قبلها. وكانت بالمرسى سفينة لتجار الإسكندرية قد شحنها التجار بأمتعهم وعروضهم، وهي مقلعة إلى الإسكندرية، فتطارحت على السلطان، وتوسلت إليه في تخلية سبيلي لقضاء فرضي، فأذن لي في ذلك، وخرجت إلى المرسى، والناس متسايلون على أثري من أعيان الدولة والبلد وطلبة العلم. فودعتهم، وركبت البحر منتصف شعبان من السنة، وقوضت عنهم بحيث كانت الخيرة من الله سبحانه، وتفرغت لتجديد ما كان عندي من آثار العلم، والله ولي الأمور سبحانه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع