من «رحلة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)
الرحلة إلى المشرق وولاية القضاء بمصر
ولما رحلت من تونس منتصف شعبان من سنة أربع وثمانين، أقمنا في البحر نحواً من أربعين ليلة، ثم وافينا مرسى الإسكندرية يوم الفطر. ولعشر ليال من جلوس الملك الظاهر على التخت، واقتعاد كرسي الملك دون أهله بني قلاوون، وكنا على ترقب ذلك، لما كان يؤثر بقاصية البلاد من سموه لذلك، وتمهيده له. وأقمت بالإسكندرية شهراً لتهيئة أسباب الحج ولم يقدر عامئذ، فاننقلت إلى القاهرة أول في القعدة، فرأيت حضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك، تلوح القصور والأواوين في جوه، وتزهر الحوانك والمدارس بآفاقه، وتضيء البدور والكواكب من علمائه، قد مثل بشاطئ
بحر النيل نهر الجنة ومدفع مياه السماء، يسقيهم النهل والعلل سيحه ويجني إليهم الثمرات والخيرات ثجه، ومررت في سكك المدينة تغص بزحام المارة، وأسواقها تزخر بالنعم. وما زلنا نحدث عن هذا البلد، وبعد مداه في العمران، واتساع الأحوال، ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا، حاجهم وتاجرهم، بالحديث عنه. سألت صاحبنا قاضي الجماعة بفاس، وكبير العلماء بالمغرب، أبا عبد الله المقري، (مقدمه من الحج سنة أربعين)، فقلت له: كيف هذه القاهرة؟ فقال: من لم يرها لم يعرف عز الإسلام.
وسألت شيخنا أبا العباس بن إدريس كبير العلماء ببجاية مثل ذلك فقال: كأنما انطلق أهله من الحساب، يشير إلى كثرة أممه وأمنهم العواقب.
وحضر صاحبنا قاضي العسكر بفاس، الفقيه الكاتب أبو القاسم البرجي بمجلس السلطان أبي عنان، منصرفه من السفارة عنه إلى ملوك مصر، وتأدية رسالته النبوية إلى الضريح الكريم، سنة ست وخمسين وسأله عن القاهرة فقال:
أقول في العبارة عنها على سبيل الاختصار: إن الذي يتخيله الإنسان، فإنما يراه دون الصورة التي تخيلها، لاتساع الخيال عن كل محسوس، إلا القاهرة، فإنها أوسع
من كل ما يتخيل فيها. فأعجب السلطان والحاضرون بذلك.
ولما دخلتها، أقمت أياماً، وانثال علي طلبة العلم بها، يلتمسون الإفادة مع قلة البضاعة، ولم يوسعوني عذراً، فجلست للتدريس بالجامع الأزهر منها.
ثم كان الاتصال بالسلطان، فأبر اللقاء، وأنس الغربة، ووفر الجراية من صدقاته، شأنه مع أهل العلم، وانتظرت لحاق أهلي وولدي من تونس، وقد صدهم السلطان هنالك عن السفر، اغتباطاً بعودي إليه، فطلبت من السلطان صاحب مصر الشفاعة إليه في تخلية سبيلهم، فخاطبه في ذلك بما نصه.
بسم الله الرحمن الرحيم.
عبد الله ووليه أخوه برقوق......
السلطان الأعظم، المالك الملك الظاهر، السيد الأجل، العالم العادل، المؤيد المجاهد، المرابط المثاغر، المظفر، الشاهنشاه، سيف الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، محيي العدل في العالمين، منصف المظلومين من الظالمين، وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك، اسكندر الزمان، مولي الإحسان، مملك أصحاب التخوت والأسرة والتيجان، واهب الأقاليم والأقطار، مبيد الطغاة والبغاة والكفار، ملك البحرين، مسلك سبيل القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، ظل الله في
أرضه، القائم بسنته وفرضه، سلطان البسيطة مؤمن الأرض المحيطة، سيد الملوك والسلاطين، قسيم أمير المؤمنين، أبو سعيد برقوق ابن الشهيد شرف الدنيا والدين أبي المعالي أنس. خلد الله سلطانه، ونصر جيوشه وأعوانه يخص الحضرة السنية السرية، المظفرة الميمونة، المنصورة المصونة، حضرة السلطان العالم، العادل المؤيد، المجاهد الأوحد، أبي العباس، ذخر الإسلام والمسلمين، عدة الدنيا والدين،
قدوة الموحدين، ناصر الغزاة والمجاهدين، سيف جماعة الشاكرين، صلاح الدول. لا زالت مملكته بقوته عامرة، ومهابته لنفوس الجبابرة قاهرة، ومعدلته تبوئه غرفات العز في الدنيا والآخرة. سلام صفا ورده وضفا برده، وثناء فاح نده، ولاح سعده، ووداد زاد وجده وجاد جده.
أما بعد حمد الله الذي جعل القلوب أجناداً مجندة، وأسباب الوداد على البعاد مؤكدة، ووسائل المحبة بين الملوك في كل يوم مجددة، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله، الذي نصره لله بالرعب مسيرة شهر وأيده وأعلى به منار الدين وشيده، وعلى آله وأصحابه الذين اقتفوا طريقه وسؤدده، صلاة دائمة مؤبده. فإننا نوضح لعلمه الكريم، أن الله - وله الحمد - جعل جبلتنا الشريفة مجبولة على تعظيم العلم الشريف وأهله، ورفعة شأنه، ونشر أعلامه، ومحبة أهله وخدامه، وتيسير مقاصدهم وتحقيق أملهم، والإحسان إليهم، والتقرب إلى الله بذلك في السر والعلانية، فإن العلماء ﵃ ورثة الأنبياء وقرة عين الأولياء، وهداة خلق الله في أرضه، لا سيما من رزقه الله الدراية فيما علمه من ذلك، وهداه للدخول إليه من أحسن المسالك، مثل كل سطرنا هذه المكاتبة بسببه: المجلس السامي، الشيخي،
الأجلي، الكبيري، العالمي، الفاضلي، الأثيلي، الأثيري، الإمامي، العلامي القدوة، المقتدي، الفريدي، المحققي، الأصيلي، الأوحدي، الماجدي، الولوي، جمال الإسلام والمسلمين جمال العلماء في العالمين، أوحد الفضلاء، قدوة البلغاء، علامة الأمة، إمام الأئمة، مفيد الطالبين، خالصة الملوك والسلاطين عبد الرحمن بن خلدون المالكي. أدام الله نعمته، فإنه أولى بالإكرام، وأحرى، وأحق بالرعاية وأجل قدراً، وقد هاجر إلى ممالكنا الشريفة، وآثر الإقامة عندنا بالديار المصرية، لا رعبة عن بلاده، بل تحبباً إلينا، وتقرباً إلى خواطرنا، بالجواهر النفيسة، من ذاته الحسنة، وصفاته الجميلة، ووجدنا منه فوق ما في
النفوس، مما يجل عن الوصف ويربي على التعداد. يا له من غريب وصف ودار، قد أتى عنكم بكل غريب، وما برح - من حين ورد علينا - يبالغ في شكر الحضرة العلية ومدح صفاتها الجميلة، إلى أن استمال خواصرنا الشريفة إلى حبها، وآثرنا المكاتبة إليها.
والعين تعشق قبل الأذن أحياناً
وذكر لنا في أثناء ذلك، أن أهله وأولاده، في مملكة تونس تحت نظر الحضرة العلية، وقصد إحضارهم إليه ليقيموا عنده، ويجتمع شمله بهم مدة إقامته عندنا، فاقتضت آراؤنا الشريفة، الكتابة إلى الحضرة العلية لهذين السببين الجميلين، وقد آثرنا إعلام الحضرة العلية بذلك، ليكون على خاطره الكريم، والقصد من محبته، يقدم أمره العالي بطلب أهل الشيخ ولي الدين المشار إليه، وإزاحة أعذارهم، وإزالة عوائقهم، والوصية بهم، وتجهيزهم إليه مكرمين، محترمين، على أجمل الوجوه صحبة قاصده الشيخ الصالح، العارف السالك الأوحد، سعد الدين مسعود المكناسي، الواصل بهذه المكاتبة أعزه الله، ويكون تجهيزهم على مركب من مراكب الحضرة العلية، مع توصية من بها من البحرية بمضاعفة إكرام المشار إليهم ورعايتهم، والتأكيد عليهم في هذا
المعنى، وإذا وصل من بها من البحرية، كان لهم الأمن والإحسان فوق ما في أنفسهم، ويربي على أملهم، بحيث يهتم بذلك على ما عهد من محبته، وجميل اعتماده، مع ما يتحف به من مراسلاته، ومقاصده ومكاتباته. والله تعالى يحرسة بملائكته وآياته، بمنه ويمنه إن شاء الله.
كتب خامس عشر صفر المبارك من سنة ست وثمانين وسبعمائة حسب المرسوم الشريف. الحمد لله وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
ثم هلك بعض المدرسين بمدرسة القمحية بمصر، من وقف صلاح الدين بن أيوب، فولاني تدريسها مكانه، وبينا أنا في ذلك، إذ سخط السلطان قاضي المالكية
في دولته، لبعض النزعات فعزله، وهو رابع أربعة بعدد المذاهب، يدعى كل منهم قاضي القضاة، تمييزاً عن الحكام بالنيابة عنهم، لاتساع خطة هذا المعمور، وكثرة عوالمه، وما يرتفع من الخصومات في جوانبه، وكبير جماعتهم قاضي الشافعية، لعموم ولايته في الأعمال شرقاً وغرباً، وبالصعيد والفيوم، واستقلاله بالنظر في أموال الأيتام، والوصايا، ولقد يقال بأن مباشرة السلطان قديماً بالولاية إنما كانت تكون له.
فلما عزل هذا القاضي المالكي سنة ست وثمانين، اختصني السلطان بهذه الولاية، تأهيلاً لمكاني، وتنويهاً بذكري، وشافهته بالتفادي من ذلك، فأبى إلا إمضاءه، وخلع علي بإيوانه، وبعث من كبار الخاصة من أقعدني بمجلس الحكم بالمدرسة الصالحية بين القصرين، فقصت بما دفع إلي من ذلك المقام المحمود، ووفيت جهدي بما أمنني عليه من أحكام الله، لا تأخذني في الحق لومة، ولا يزعني عنه جاه ولا سطوة، مسوياً في ذلك بين الخصمين، آخذاً بحق الضعيف من الحكمين، معرضاً عن الشفاعات والوسائل من الجانبين، جانحاً إلى التثبت في سماع البينات، والنظر في عدالة المنتصبين لتحمل الشهادات، فقد كان البر منهم مختلطاً بالفاجر، والطيب ملتبساً بالخبيث، والحكام ممسكون عن انتقادهم متجاوزون عما يظهرون عليه من هناتهم، لما يموهون به من الاعتصام بأهل الشوكة، فإن غالبهم مختلطون بالأمراء، معلمين للقرآن، وأئمة في الصلوات، يلبسون عليهم بالعدالة، فيظنون بهم الخير، ويقسمون لهم الحظ من الجاه في تزكيتهم عند القضاة، والتوسل لهم، فأعضل داؤهم، وفشت المفاسد بالتزوير والتدليس بين الناس منهم، ووقفت على بعضها فعاقبت فيه بموجع العقاب، ومؤلم النكال، وتأدى إلي العلم بالجرح في طائفة منهم، فمنعتهم من تحمل الشهادة، وكان منهم كتاب لدواوين القضاة، والتوقيع في مجالسهم، قد دربوا على إملاء الدعاوى، وتسجيل
الحكومات، واستخدموا للأمراء فيما يعرض لهم من العقود، بإحكام كتابتها، وتوثيق شروطها، فصار لهم بذلك شفوف على أهل طبقتهم، وتمويه على القضاة
بجاههم، يدرعون به مما يتوقعونه من عتبهم، لتعرضهم لذلك بفعلاتهم، وقد يسلط بعض منهم قلمه على العقود لمحكمة، فيوجد السبيل إلى حلها بوجة فقهي، أو كتابي، ويبادر إلى ذلك متى دعا إليه داعي جاه أو منحة، وخصوصاً في الأوقاف التي جاوزت حدود النهاية في هذا المصر بكثرة عوالمه، فأصبحت خافية الشهرة، مجهولة الأعيان، عرضة للبطلان، باختلاف المذاهب المنصوبة للحكام بالبلد، فمن اختار فيها بيعاً أو تمليكاً شارطوه وأجابوه، مفتاتين فيه على الحكام الذين ضربوا دونه سد الحظر والمنع حماية عن التلاعب، وفشا في ذلك الضرر في الأوقاف، وطرق الغرر في العقود والأملاك.
فعاملت الله في حسم ذلك بما آسفهم علي وأحقدهم، ثم التفت إلى الفتيا بالمذهب، وكان الحكام منهم على جانب من الخبرة، لكثرة معارضتهم، وتلقينهم الخصوم، وفتياهم بعد نفوذ الحكم، وإذا فيهم أصاغر، بيناهم يتشبثون بأذيال الطلب والعدالة ولا يكادون، إذا بهم طفروا إلى مراتب الفتيا والتدريس، فاقتعدوها، وتناولوها بالجزاف، واحتازوها من غير مثرب ولا منتقد للأهلية ولا مرشح، إذ الكثرة فيهم بالغة، ومن كثرة الساكن مشتقة، وقلم الفتيا في هذا المصر طلق، وعنانها مرسل، يتجاذب كل الخصوم منه رسنا، ويتناول من حافته شقاً، يرم به الفلج على خصمه، ويستظهر به لإرغامه، فيعطيه المفتي من ذلك ملء رضاه، وكفاء أمنيته، متتبعاً إياه في شعاب الخلاف، فتتعارض الفتاوى وتتناقض، ويعظم الشغب إن وقعت بعد نفوذ الحكم، والخلاف في المذاهب كثير، والإنصاف متعذر، وأهلية المفتي أو شهرة الفتيا ليس تمييزها للعامي، فلا يكاد هذا المدد ينحسر، ولا الشغب ينقطع.
فصدعت في ذلك بالحق، وكبحت أعنة أهل الهوى والجهل، ورددتهم على أعقابهم. وكان فيهم ملتقطون سقطوا من المغرب، يشعوذون بمفترق من اصطلاحات
العلوم هنا وهناك، لا ينتمون إلى شيخ مشهور، ولا يعرف لهم كتاب في فن، قد اتخذوا الناس هزؤاً، وعقدوا المجالس مثلبة للأعراض، ومأبنة للحرم، فأرغمهم ذلك مني، وملأهم حسداً وحقداً علي، وخلوا إلى أهل جلدتهم من سكان الزوايا المنتحلين للعبادة، يشترون بها الجاه ليجيروا به على الله، وربما اضطر أهل الحقوق إلى تحكيمهم، فيحكمون بما يلقي الشيطان على ألسنتهم يترخصون به للإصلاح، لا يزعهم الدين عن التعرض لأحكام الله بالجهل، فقطعت الحبل في أيديهم، وأمضيت أحكام الله فيمن أجاروه، فلم يغنوا عنه من الله شيئاً، وأصبحت زواياهم مهجورة، وبئرهم التي يمتاحون منها معطلة. وانطلقوا يراطنون السفهاء في النيل من عرضي، وسوء الأحدوثة عني بمختلق الإفك، وقول الزور، يبثونه في الناس، ويدسون إلى السلطان التظلم مني فلا يصغي إليهم، وأنا في ذلك محتسب عند الله ما فنيت به من هذا الأمر، ومعرض فيه عن الجاهلين، وماض على سبيل سواء من الصرامة، وقوة الشكيمة، وتحري المعدلة، وخلاص الحقوق، والتنكب عن خطة الباطل متى دعيت إليها، وصلابة العود عن الجاه والأغراض متى غمزني لامسها، ولم يكن ذلك شأن من رافقته من القضاة، فنكروه علي، ودعوني إلى تبعهم فيما يصطلحون عليه من مرضاة الأكابر، ومراعاة الأعيان، والقضاء للجاه بالصور الظاهرة، أو دفع الخصوم إذا تعذرت، بناء على أن الحاكم لا يتعين عليه الحكم مع وجود غيره، وهم يعملون أن قد تمالأوا عليه.
وليت شعري! ما عذرهم في الصور الظاهرة، إذا علموا خلافها، والنبي ﷺ يقول في ذلك: من قضيت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقضي له من النار.
فأبيت في ذلك كله إلا إعطاء العهدة حقها، والوفاء لها ولمن قلدنيها، فأصبح الجميع علي ألبا، ولمن ينادي بالتأفف مني عوناً، وفي النكير علي أمة، وأسمعوا الشهود الممنوعين أن قد قضيت فيهم بغير الحق، لاعتمادي على علمي في الجرح،
وهي قضية إجماع، وانطلقت الألسنة، وارتفع الصخب، وأرادني بعض على الحكم بغرضهم فوقفت، وأغروا بي الخصوم فتنادوا بالتظلم عند السلطان، وجمع القضاة وأهل الفتيا في مجلس حفل للنظر في ذلك، فخلصت تلك الحكومة من الباطل خلوص الإبريز، وتبين أمرهم للسلطان، وأمضيت فيها حكم الله إرغاماً لهم، فغدوا على حرد قادرين، وعسوا لأولياء السلطان وعظماء الخاصة، يقبحون لهم إهمال جاههم، ورد شفاعتهم مموهين بأن الحامل على ذلك جهل المصطلح، وينفقون هذا الباطل بعظائم ينسبونها إلي، تبعث الحليم، وتغري الرشيد، يستثيرون حفائظهم علي، ويشربونهم البغضاء لي، والله مجازيهم ومسائلهم.
فكثر الشغب علي من كل جانب، وأظلم الجو بيني وبين أهل الدولة. ووافق ذلك مصابي بالأهل والولد، وصلوا من المغرب في السفين، فأصابها قاصف من الريح فغرقت، وذهب الموجود والسكن والمولود، فعظم المصاب والجزع، ورجح الزهد، واعتزمت على الخروج عن المنصب، فلم يوافقني عليه النصيح ممن استشرته، خشية من نكير السلطان وسخطه، فوقفت بين الورد والصدر، وعلى صراط الرجاء واليأس، وعن قريب تداركني اللطف الرباني، وشملتني نعمة السلطان - أيده الله - في النظر بعين الرحمة، وتخلية سبيلي من هذه العهدة التي لم أطق حملها، ولا عرفت - كما زعموا - فصطلحها، فردها إلى صاحبها الأول، وأنشطني من عقالها،
فانطلقت حميد الأثر، مشيعاً من الكافة بالأسف والدعاء وحميد الثناء، تلحظني العيون بالرحمة، وتتناجى الآمال في بالعودة، ورتعت فيما كنت راتعاً فيه قبل من مراعي نعمته وظل رضاه وعنايته، قانعاً بالعافية التي
سألها رسول الله ﷺ من ربه، عاكفاً على تدريس علم، أو قراءة كتاب، أو إعمال قلم في تموين أو تأليف، مؤملاً من الله، قطع صبابة العمر في العبادة، ومحو عوائق السعادة بفضل الله ونعمته.
ثم مكثت بعد العزل ثلاث سنين، واعتزمت على قضاء الفريضة، فودعت السلطان والأمراء، وزودوا وأعانوا فوق الكفاية. وخرجت من القاهرة منتصف رمضان سنة تسع وثمانين، إلى مرسى الطور بالجانب الشرقي من بحر السويس، وركبت البحر من هنالك، عاشر الفطر، ووصلنا إلى الينبع لشهر، فوافينا المحمل، ورافقتهم من هنالك إلى مكة، ودخلتها ثاني ذي الحجة، فقضيت الفريضة في هذه السنة، ثم عدت إلى الينبع، فأقمت به خمسين ليلة حتى تهيأ لنا ركوب البحر، ثم سافرنا إلى أن قاربنا مرسى الطور، فاعترضتنا الرياح، فما وسعنا إلا قطع البحر إلى جانبه الغربي، ونزلنا بساحل القصير، ثم بَذْرَقْنا مع أعراب تلك الناحية إلى مدينة قوص قاعدة الصعيد، فأوحنا بها أياماً، ثم ركبنا في بحر النيل إلى مصر، فوصلنا إليها لشهر من
سفرنا، ودخلتها في جمادى سنة تسعين، وقضيت حق السلطان في لقائه، وإعلامه بما اجتهدت فيه من الدعاء له، فتقبل ذلك مني بقبول حسن، وأقمت فيما عهدت من رعايته وظل إحسانه. وكنت لما نزلت بالينبع، لقيت بها الفقيه الأديب المتقن، أبا القاسم بن محمد ابن
شيخ الجماعة، وفارس الأدباء، ومنفق سوق البلاغة، أبي إسحق إبراهيم الساحلي المعروف جده بالطويجن، وقد قدم حاجاً، وفي صحبته كتاب رسالة من صاحبنا الوزير الكبير العالم، كاتب سر السلطان ابن الأحمر صاحب غرناطة، الحظي لديه، أبي عبد الله بن زمرك، خاطبني فيه بنظم ونثر يتشوق، ويذكر بعهود الصحبة نصه:
سلوا البارق النجدي من علمي نجدتبسم فاستبكى جفوني من الوجد
أجاد ربوعي باللوى بورك اللوىوسح به صوب الغمائم من بعدي
ويا زاجري الأظعان وهي ضوامردعوها ترد هيماً عطاشفاً على نجد
ولا تنشقوا الأنفاس منها مع الصبافإن زفير الشوق من مثلها يعدي
يراها الهوى بري القداح وخطهاحروفاً على صفح من القفر ممتد
عجبت لها أني تجاذبني الهوىوما شوقها شوقي ولا وجدها وجدي
لئن شاقها بين الغذيب وبارقمياه بفيء الظل للبان والرند
فما شاقني إلا بذور خدورهاوقد لحن يوم النفر في قصب ملد
فكم في قباب الحي من شمس كلةوفي فلك الأزرار من قمر سعد
وكم صارم قد شل من لحظ أحوروكم ذابل قد هز من ناعم القد
خذوا الحذر من سكان رامة إنهاضعيفات كر اللحظ تفتك بالأسد
سهام جفون عن قسي حواجبيصاب بها قلب البريء على عمد
وروض جمال ضاع عرف نسيمهوما ضاع غير الورد في صفحة الخد
ونرجس لحظ أرسل الدمع لؤلؤاًفرش بماء الورد روضاً من الورد
وكم غصن قد عانق الغصن مثلهوكل على كل من الشوق يستعدي
قبيح وداع قد جلا لعيوينامحاسن من روض الجمال بلا عد
رعى الله ليلى لو علمت طريقهمافرشت لأخفاف المطي به خدي
وما شاقني والطيف يرهب أدمعيويسبح في بحر من الليل مزبد
وقد سل خفاق الذؤابة بارقكما سل لماع الصقال من الغمد
وهزت محلاة يد الشوق في الدجىفحل الذي أبرمت للصبر من عقدي
وأفلق خفاق الجوانح نسمةتنم مع الإصباح خافقة البرد
وهب عليل لف طي برودهأحاديث أهداها إلى الغور من نجد
سوى صادح في الأيك لم يدر ما الهوىولكن دعا مني الشجون على وعد
فهل عند ليلى نعم الله ليلهابأن جفوني ما تمل من السهد
وليلة إذ ولى الحجيج على منىوفت لي المنى منها بما شئت من قصد
فقضيت منها - فوق ما أحسب - المنىوبرد عفافي صانه الله من برد
وليس سوى لحظ خفي نجيلهوشكوى كما ارفض الجمان من العقد
غفرت لدهري بعدها كل ما جنىسوى ما جنى وفد المشيب على فودي
عرفت بهذا الشيب فضل شبيبتيوما زال فضل الضد يعرف بالضد
ومن نام في ليل الشاب ضلالةسيوقظه صبح المشيب إلى الرشد
أما والهوى ما حلت عن سنن الهوىولا جرت في طرق الصبابة عن قصدي
تجاوزت حد العاشقين الألى قضواوأصبحت في دين الهوى أمة وحدي
نسيت وما أنسى وفائي لخلتيوأقفر ربع القلب إلا من الوجد
إليك أبا زيد شكاة رفعتهماوما أنت من عمرو لدي ولا زيد
بعيشك خبرني وما زلت مفضلاًأعندك من شوق كمثل الذي عندي
فكم ثار بي شوق إليك مبرحفظلت يد الأشواق تقدح من زندي
وصفق حتى الريح في لمم الربىوأشفق حتى الطفل في كبد المهد
يقابلني منك الصباح بوجنةحكى شفقاً فيه الحياء الذي تبدي
وتوهمني الشمس المنيرة غرةبوجهك صان الله وجهك عن رد
محياك أجلى في العيون من الضحىوذكرك أحلى في الشفاه من الشهد
وما أنت إلا الشمس في علو أفقهاتفيدك من قرب وتلحظ من بعد
وفي عمة من لا ترى الشمس عينهوما نفع نور الشمس في الأعين الرمد
من القوم صانوا المجد صون عيونهمكما قد أباحوا المال ينهب للرفد
إذا ازدحمت يوماً على المال أسرةفما ازدحموا إلا مورد المجد
ومهما أغاروا منجدين صريخهميشبون نار الحرب في الغور والنجد
ولم يقتنوا بعد البناء ذخيرةسوى الصارم المصقول والصافن النهد
وما اقتسم الأنفال إلا ممدحبلاها بأعراف المطهمة الجرد
أتنسى ولا تنسى ليالينا التيخلسنا بهن العيش في جنة الخلد
ركبنا إلى اللذات في طلق الصبامطايا الليالي وادعين إلى حد
فإن لم نرد فيها الكؤس فإنناوردنا بها للأنس مستعذب الورد
أتيتك في غرب وأنت رئيسهوبابك للأعلام مجتمع الوفد
فآنست حتى ما شكوت بغربةوواليت حتى لم أجد مضض الفقد
وعدت لقطري شاكراً ما بلوتهمن الخلق المحمود والحسب العد
إلى أن أجزت البحر يا بحر نحوناوزرت مزار الغيث في عقب الجهد
ألذ من النعمى على حال فاقةوأشهى من الوصل الهني على صد
وإن ساءني أن قوضت رحلك النوىوعوضت عنا بالذميل وبالوخد
لقد سرني أن لحت في أفق العلاعلى الطائر الميمون والطالع السعد
طلعت بأفق الشرق نجم هدايةفجئت مع الأنوار فيه على وعد
يميناً بمن تسري المطي سواهماًعليها سهام قد رمت هدف القصد
إلى بيته كيما تزور معاهداًأبان بها جبريل عن كرم العهد
لأنت الذي مهما دجا ليل مشكلقدحت به للنور وارية الزند
وحيث استقلت بي ركاب لطيةفأنت نجي النفس في القرب والبعد
وإني بباب الملك حيث عهدتنيمديد ظلال الجاه مستحصف العقد
أجهز بالإنشاء كل كتيبةمن الكتب، والكتاب في عرضها جندي
نلوذ من المولى الإمام محمدبظل على نهر المجرة ممتد
إذا فاض من يمناه بحر سماحةوعم به الطوفان في النجد والوهد
ركبنا إلى الإحسان في سفن الرجابحور عطاء ليس تجزر عن مد
فمن مبلغ الأمصار عني ألوكةمغلغلة في الصدق منجزة الوعد
بآية ما أعطى الخليفة ربهمفاتيح فتح ساقها سائق السعد
ودونك من روض المحامد نفحةتفوت إذا اصطف الندي عن الند
ثناء يقول المسك إن ضاع عرفهأيا لك من ند أما لك من ند
وما الماء في جوف السحاب مروقاًبأطهر ذاتاً منك في كنف بالمهد
فكيف وقد حلتك أسرابها الحلىوباهت بك الأعلام بالعلم الفرد
وما الطل في ثغر من الدهر باسمبأصفى وأذكى من ثنائي ومن ودي
ولا البحر معصوباً بتاج تمامهبأبهر من ودي وأسير من حمدي
بقيت ابن خلدون إمام هدايةولا زلت من دنياك في جنة الخلد
ووصلها بقوله: سيدي علم الأعلام، كبير رؤساء الإسلام، مشرف حملة السيوف والأقلام، جمال الخواص والظهراء، أثير الدول، خالصة الملوك، مجتبى الخلفاء، نير أفق العلاء، أوحد الفضلاء، قدوة العلماء، حجة البلغاء.
أبقاكم الله بقاء جميلاً يعاقد لواء الفخر، ويعلي منار الفضل، ويرفع عماد المجد، ويوضح معالم السؤدد، ويرسل أشعة السعادة، ويفيض أنوار الهداية، ويطلق ألسنة المحامد، وينشر أفق المعارف، ويعذب موارد العناية ويمتع بعمر النهاية ولا نهاية.
بأي التحيات أفاتحك وقدرك أعلى، ومطلع فضلك أوضح وأجلى، إن قلت تحية كسرى في السناء وتبع فأثر لا يقتفر ولا يتبع، تلك تحية عجماء لا تبين ولا تبين، وزمزمة نافرها اللسان العربي المبين، وهذه جهالة جهلاء، لا ينطبق على
حروفها الاستعلاء، قد محا رسومها الجفاء، وعلى آثار دمنتها العفاء، وإن كانت التحيتان طالما أوجف بهما الركاب وقعقع البريد، ولكن أين يقعان مما أريد.
تحية الإسلام أصل شي الفخر نسبا، وأوصل بالشرع سببا، فالأولى أن أحييك بما حيا الله في كتابه رسله وأنباءه، وحيت به ملائكته في جواره أولياءه فأقول:
سلام عليكم يرسل من رحمات الله غماماً، ويفتق من الطروس عن أزهار المحامد كماماً، ويستصحب من البركات ما يكون على الذي أحسن من ذلك تماماً، وأجدد
السؤال عن الحال الحالية بالعلم والدين، المستمدة من أنوارها سرج المهتدين. زادها الله صلاحاً، وعرفها نجاحاً يتبع فلاحاً، وأقرر ما عندي من تعظيم أرتقي كل آونة شرفه، واعتقاد جميل يرفع عن وجه البدر كلفه، وثناء انشر بيد الترك صحافه، وعلى ذلك أيها السيد المالك، فقد تشعبت علي في مخاطبتك المسالك، إن أخذت في تقرير فخرك العميم، وحسبك الصميم، فو الله ما أدري بأي ثنية للفخر يرفع العلم، وفي أي بحر من ثنائك يسبح القلم، الأمر جلل، والشمس تكبر عن حلي وعن حلل، وإن أخذت في شكاة الفراق، والاستعداء على الأشواق، اتسع المجال، وحصرت الروية والارتجال، فالأولى أن أترك عذبة اللسان تلعب بها رياح الأشواق، وأسلة اليراع تخضب مفارق الطروس بنجيع الحبر المراق، وغيرك من تركض في مخاطبته جياد اليراع، في مجال الرقاع، مستولية على أمد الإبداع والاختراع، إنما هو بث يبكى، وفراق يشكى، فيعلم الله حرصي على أن أشافه عن أنبائك ثغور البروق البواسم، وأن أحملك الرسائل حتى مع سفراء النواسم، وأن أجتلي غرر ذلك الجبين في محيا الشارق، ولمح البارق.
ولقد وجهت لك جملة من الكتب والقصائد، ولا كالقصيدة الفريدة في تأبين الجواهر التي استأثر بهن البحر، قدس الله أرواحهم، وأعظم أجرك فيهم، فإنها أنافت على مائة وخمسين بيتاً، ولا أدري هل بلغكم ذلك أم غاله الضياع، وغدر وصوله بعد
المسافة، والذي يطرق لي سوء الظن بذلك، ما صدر في مقابله منكم. فإني على علم من كرم قصدكم، وحسن عهدكم.
ومن حين استقل نيركم بذلك بالأفق الشرقي، لم يصلني منكم كتاب، مع علمي بضياع اثنين منها بهذا الأفق الغربي. انتهى.
وفي الكتاب إشارة إلى أنه بعث قصيدة في مدح الملك الظاهر صاحب مصر، ويطلب مني رفعها إلى السلطان، وعرضها عليه بحسب الإمكان، وهي على روي
الهمزة، ومطلعها:
أمدامع منهلة أم لؤلؤلما استهل العارض المتلألئ
وبعثها في طي الكتاب، واعتذر بأنه استناب في نسخها، فكتبت همزة رويها ألفاً، قال وحقها أن تكتب بالواو، لأنها تبدل بالواو، وتسهل بين الهمزة والواو، وحرف الإطلاق أيضا يسوقها واواً. هذا مقتضى الصناعة، وإن قال بعض الشيوخ تكتب ألفاً على كل حال، على لغة من لا يسهل، لكنه ليس بشيء.
وأذن لي في نسخ القصيدة المذكورة بالخط المشرقي لتسهل قراءتها عليهم ففعلت ذلك، ورفعت النسخة والأصل للسلطان، وقرأها كاتب سره عليه، ولم يرجع إلي منهما شيء، ولم أستجز أن أنسخها قبل رفعها إلى السلطان، فضاعت من يدي.
وكان في الكتاب فصل عرفني فيه بشأن الوزير مسعود بن رحو المستبد بأمر المغرب لذلك العهد، وما جاء به من الانتقاض عليهم، والكفران لصنيعهم، يقول فيه: كان مسعود بن رحو الذي أقام بالأندلس عشرين عاماً يتبنك النعيم، ويقود الدنيا، ويتخير العيش والجاه، قد أجيز صحبة ولد أبي عنان، كما تعرفتم من نسخة كتاب أنشأته بجبل الفتح لأهل الحضرة، فاستولى على المملكة، وحصل على الدنيا، وانفرد برياسة دار المغرب، لضعف السلطان ﵀، ولم يكن إلا أن كفرت الحقوق، وحنظلت نخلته السحوق، وشف على سواد جلدته العقوق،
وداخل من بسبتة، فانتقضت طاعة أهلها، وظنوا أن القصبة لا تثبت لهم، وكان قائدها الشيخ البهمة، فل الحصار وحلي القتال، ومحش الحرب، أبو زكرياء بن شعيب، فثبت للصدمة، ونور للأندلس فبادره المدد من الجبل، ومن مالقة. وتوالت الأمداد، وخاف أهل البلد، وراجع شرفاؤه، ودخلوا القصبة. واستغاث أهل البلد بمن جاورهم وجاءهم المدد أيضاً. دخل الصالحون في رغبة هذا المقام، ورفع القتال. وفي أثناء ذلك غدروا ثانية، فاستدعى الحال إجازة السلطان المخلوع أبي العباس
لتبادر القصبة به، ويتوجه منها إلى المغرب، لرغبة بني مرين وغيرهم فيه، وهو ولد السلطان المرحوم أبي سالم الذي قلدكم رياسة داره، وأوجب لكم المزية على أوليائه وأنصاره انتهى.
وبعده فصل آخر يطلب فيه كتباً من مصر يقول فيه:
والمرغوب من سيدي أن يبعث لي ما أمكن من كلام فضلاء الوقت وأشياخهم على الفاتحة، إذ لا يمكن بعث تفسير كامل، لأني أثبت في تفسيرها ما أرجو النفع به عند الله. وقد أعلمتكم أن عندي التفسير أوصله إلى المغرب عثمان التجاني من تأليف الطيبي، والسفر الأول من تفسير أبي حيان، وملخص إعرابه، وكتاب
المغني لابن هشام وسمعت عن بدأة تفسير للإمام بهاء الدين بن عقيل، ووصلت إلي بدأة من كلام أكمل الدين الأثيري رضي الله عن جميعهم. ولكن لم يصل إلا للبسملة، وذكر أبو حيان في صدر تفسيره أن شيخه سليمان النقيب، أو أبو سليمان. لا أدري الآن، صنف كتاباً في البيان في سفرين، جعله مقدمة في كتاب تفسيرة الكبير، فإن أمكن سيدي توجيهه. انتهى.
وفي الكتاب فصول أخرى في أغراض متعددة لا حاجة إلى ذكرها هنا. ثم ختم الكتاب بالسلام، وكتب اسمه: محمد بن يوسف بن زمرك الصريحي، وتاريخه العشرون من محرم تسع وثمانين.
وكتب إلي قاضي الجماعة بغرناطة، أبو الحسن علي بن الحسن البني:
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسول الله.
يا سيدي وواحدي وداً وحباً، ونجي الروح بعداً وقرباً. أبقاكم الله، وثوب سيادتكم سابغ، وقمر سعادتكم - كلما أفلت الأقمار - بازغ، أسلم بأتم السلام عليكم، وأقرر بعض ما لدي من الأشواق إليكم، من حضرة غرناطة - مهدها الله -، عن ذكر لكم يتضوع طيبه، وشكر لا يذوي - وإن طال الزمان - رطيبه، وقد كان بلغ ما
جرى من تأخيركم عن الولاية التي تقلدتم أمرها، وتحملتم مرها، فتمثلت بما قاله شيخنا أبو الحسن ابن الجياب، عند انفصال صاحبه الشريف أبي القاسم عن خطة القضاء:
لا مرحباً بالناشز الفاركإذ جهلت رفعة مقدارك
لو أنها قد أوتيت رشدهاما برحت تعشو إلى نارك
ثم تعرفت كيفية انفصالكم، وأنه كان عن رغبة من السلطان المؤيد هنالكم، فرددت - وقد توهمت مشاهدتكم - هذه الأبيات:
لك الله يا بدر السماحة والبشرلقد حزت في الأحكام منزلة الفخر
ولكنك استعفيت عنها تورعاًوتلك سبيل الصالحين كما تدري
جريت على نهج السلامة في الذيتخيرته أبشر بأمنك في الحشر
وحقق بأن العلم ولاك خطةمن العز لا تنفك عنها مدى العمر
تزيد على مر الجديدين جدةوتسري النجوم الزاهرات ولا تسري
ومن لاحظ الأحوال وازن بينهاولم ير للدنيا الدنية من خطر
وأمسى لأنواع الولايات نابذاًفغير نكير أن تواجه بالنكر
فيهنيك يهنيك الذي أنت أهلهمن الزهد فيها والتوقي من الوزر
ولا تكترث من حاسديك فإنهمحصى والحصى لا يرتقي مرتقى البدر
ومن عامل الأقوام بالله مخلصاًله منهم نال الجزيل من الأجر
بقيت لربع الفضل تحمي ذمارهوخار لك الرحمن في كل ما تجري
إيه سيدي رضي الله عنكم وأرضاكم، وأطنبتم في كتابكم في الثناء على السلطان الذي أنعم بالإبقاء، والمساعدة على الانفصال عن خطة القضاء، واستوهبتم الدعاء له ممن هنا من الأولياء، ولله دركم في التنبيه على الإرشاد إلى ذلكم، فالدعاء له من الواجب، إذ فيه استقامة الأمور، وصلاح الخاصة والجمهور، وعند ذلك
ارتفعت أصوات العلماء والصلحاء بهذا القطر له ولكم بجميل الدعاء. أجاب الله فيكم أحسنه وأجمله، وبلغ كل واحد منكم ما قصده وأمله. وأنتم أيضاً من أنتم من أهل العلم والجلالة، والفضل والأصالة، وقد بلغتم بهذه البلاد الغاية من التنويه، والحظ الشريف النبيه، لكن أراد الله سبحانه أن يكون لمحاسنكم في تلك البلاد المعظمة ظهور، وتحدث بعد الأمور أمور، وبكل اعتبار، فالزمان بكم - حيث كنتممباه، والمحامد مجموعة لكم جمع تناه. ولما وقف على مكتوبكم إلي مولانا السلطان أبو عبد الله، أطال الثناء على مقاصدكم، وتحقق صحيح ودادكم، وجميل اعتقادكم، وعمر مجلسه يومئذ بالثناء عليكم، والشكر لما لديكم.
ثم ختم الكتاب بالسلام من كاتبه علي بن عبد الله بن الحسن مؤرخاً بصفر تسعين. وفي طيه مدرجة بخطه، وقد قصر فيها عن الإجادة نصها:
سيدي رضي الله عنكم وأرضاكم، وأظفر يمناكم بنوائب مناكم.
أعتذر لكم عن الكتاب المدرج هذا طيه بغير خطي، فإني في الوقت بحال مرض من عيني، ولكم العافية الواقية، فيسعني سمحكم، وربما أن لديكم تشوقاً لما نزل في هذه المدة بالمغرب من الهرج حاطه الله، وأمن جميع بلاد المسلمين.
والموجب أن الحصة الموجهة لتلك البلاد في خدمة أميرهم الواثق، ظهر له ولوزيره ومن ساعده على رأيه إمساكها رهينة، وجعلهم في القيود إلى أن يقع الخروج لهم عن مدينة سبتة. وكان القائد على هذه الحصة العلج المسمى مهند، وصاحبه الفتى المدعو نصر الله. وكثر التردد في القضية، إلى أن أبرز القدر توجيه السلطان أبي العباس - تولاه الله - صحبة فرج بن رضوان بحصة ثانية، وكان ما كان، حسبما تلقيتم من الركبان، هذا ما وسع الوقت من الكلام. ثم دعا، وختم.
وإنما كتبت هذه الأخبار وإن كانت خارجة عن غرض هذا التعريف بالمؤلف، لأن
فيها تحقيقاً لهذه الواقعات، وهي مذكورة في أماكنها من الكتاب، فربما يحتاج الناظر إلى تحقيقها من هذا الموضع.
وبعد قضاء الفريضة، رجعت إلى القاهرة محفوفاً بستر الله ولطفه ولقيت السلطان، فتلقاني - أيده الله - بمعهود مبرته وعنايته. وكانت فتنة الناصري بعدها سنة إحدى وتسعين. ولحقت السلطان النكبة التي محصه الله فيها وأقاله، وجعل إلى الخير فيها عاقبته ومآله، ثم أعاده إلى كرسيه للنظر في مصالح عباده، فطوقه القلادة التي ألبسه كما كانت، فأعاد لي ما كان أجراه من نعمته، ولزمت كسر البيت ممتعاً بالعافية، لابساً برد العزلة، عاكفاً على قراءة العلم وتدريسه، لهذا العهد فاتح سبع وتسعين.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع