من «نفاضة الجراب في علالة الاغتراب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
عبور السّلطان محمد الخامس المخلوع إلى الأندلس
وحث السلطان أبو عبد الله بن نصر الموجه إلى الأندلس ركابه إلى سبتة لا يُصدق بالإفلات ولا يثق بالنجاة، فعارت له خيلُ ونفقت حُموله لشدة السَّيْر، واستقر بسَبتة واستعجل الجواز وحلَّ بجبل الفتح بعد مراوضة كبيرة لقواد الأسطول الرومي ومحاورة، إذ تبرعوا بإِجازته ولم يسمحوا في خلاف ذلك ليجلبوا الفخر لسلطانهم وينسبوا الحركة إليه، فأعملت الحيلةُ ولُفقت الحُجة، وقطع السلطان ألسِنَتَهُم بمال بذله مُكارمة لهم، وأركب أجفانَهم طائفة من كبار قرابته، واستقرَّ بجبل الفتح وطال به مقامه تتردد الرسل بينه وبين ملك الروم، ثم ارتحل نحوه في لُمَّةٍ من مماليكه ووجوه قرابته، وتحفَّى السلطانُ بمقدمه، وبالغ في بِرِّه، وأفرط في التَّنزل لوجهته، وأبعد المَدى في خُطا تلقيه، وأَرْجَل الأكابر لأداء حقه، وتوسع في نُزُله، وعمَّ بالملاحظة جميع مَنْ في صُحْبَتِه، وأعطاه صفقة يمينه بالمظاهرة والمعاضدة والتهالك من دون بغيته، وسلفه ثلاثين ألف دينار من الذهب العين بنفقته، وشرط له أن لا يبتزَّه حصناً ولا ينقصه فتحاً، ولا يعلق به طماعية، وأنه يصل معه السلم مدة حياته، ويتركه وصيةً في عَقِبه. وانصرف مجبوراً قريرَ العين، منشرحَ الصدر، فلحق بسائر الجيش المريني ومن تخلف عنه من قومه بظاهر رُنْدَه، وارتحل إلى أحواز أنْتِقَيْرَة في جُوَيْشٍ من المسلمين وطاع له حصن أنكَيرة من الحصون المنسوبة إلى مالقة، نزع إليه قائده فجعل به حصة من الخيل وثَقِفَه. وبيناهُ يرتقب إنجاز وعد ملك الروم ولحاق جيش مظاهرته له، إذ يجيء النبأ المشنوء، من الفتك بالسلطان أبي سالم، ملك المغرب مٌعينِه ورائشِ جناحه، والكادح له، وقد تطاولت الأعناق لمقدمه واهتزت الأندلس لوجهته، وترددت المخاطبات بينه وبين من يرجو القيام بدعوته. وكان قد بذل المجهود في طلب استصحابي، وتواترت مخاطبتُه إياي على عادة اعتداده وسَنَن فضله، فآثرت ما أنا بسبيله من الراحة، والفرار عن هفوات الغِيَر والانكماش عن الخدمة وأقنعته بالوعد من تَوجُهي إليه بولده عند تصير الأمر إليه. والنيابة في اقتضاء جميل سراحه من باب السلطان، وخطة كرامةٍ طريفة له، وإكناف رواق الستر على من تصحَبُهُ من حرمته، وترتيب القدوم عليه به، وتقرير حال لقائه إياهُ، في آمال عديدةٍ أخذها الترتيب وزيَّنها البيان والخطابة، ثم محاولة الانصراف عنه إلى بيت الله من غير تَلَبُّسٍ بخدمة، ولا غمسِ يدٍ في فرث خُطة، ولا مغير للنَسْكِ من هيئة ولا لبسة. فقنع بذلك وراكنني إليه واستدعى المشورة فيما يَعِنُّ له، فرسمت من ذلك ما قُدِّرَ غناؤه، وتُوُهِّمت الحاجة إليه.
ونظَمت القصيدة المُعَدة لإنشاده إياها عند تملي المنيحة وتهني الموهبة، فتعددت منها الأغراض وأخذها الطول، وتَفَنَّنَتْ منها المقاصد. ومن الأمور التي أعثَرَتْ عليها التجربة، إخفاق المساعي في الأغراض التي تُقدم لها القصائد والإنشاءات وتروي الخطب والمنظومات، ليتبرأ قضاء الله من تحكم البشر وتبدو مزية القدر. وأنا أجلب القصيدة على جهة الإحْمَاض والتنشيط إذ فائدتها مع تمام الأمر وإحقاقه حاصلة لمن ارتاد الآداب وكلف بالفضائل، وتشوف إلى الأنحاء البلاغية والمقاصد وهي:
الحقُّ يَعلو والأباطِلُ تَسْفُلُواللهُ عَن أحكامه لا يُسألُ
والأمرُ فيما كان أو هوَ كائِنٌكالعِلَّةِ القُصوى فكيف يُعَلَّلُ
وهوَ الوجودُ يجودُ طَوراً بالذيتَرضَى النفوسُ بِهِ وطَوراً يَبْخَلُ
وإذا استَحالَتْ حالةٌ وتَبَدَّلَتْفالله ﷿ لا يتبَدَّلُ
واليُسْرُ بعدَ العُسْرِ مَوعودٌ بهِوالصَّبْرُ بالفَرَجِ القريبِ مُوَكَّلُ
والمُستَعِدُّ لِما يُؤمِّلُ قابِلٌوكفاكَ شاهِدُ قَيِّدوا وتَوكَّلوا
ومَن اقتَضَى بالسَّعدِ دَيْنَ زمانِهِوالسَّيفِ لم يَبْعُد عليهِ مُؤمَّلُ
أمحمدٌ والحمدُ مِنكَ سَجيَّةٌبِحُلِيِّها بينَ الوَرى يُتَجَمَّلُ
أما سُعُودُكَ فهيَ دزنَ مُنازِعٍعَقْدٌ بأحكامِ القضاءِ يُسَجَّلُ
ولكَ السجايا الغُرُّ والشِيَمُ التيبِغَريبِها يَتَمَثَلُ المُتَمَثَلُ
ولكَ الوَقارُ إذا تزلزلت الرُّبَاوهَفَتْ مِنَ الرَّوْعِ الهِضابُ المُثَّلُ
ولك الجبينُ الطَّلْقُ والخُلُقُ الذيلَحْظُ الكمالِ بِلَحْظِهِنَّ مُوَكَّلُ
النُّورُ أنتَ وكُلُّ نورٍ دُجْيَةٌوالبحرُ أنتَ وكلُّ بَحرٍ جَدْوَلُ
وإذا ذُكِرْتَ كأَنَّ هبَّاتِ الصَّبَارَكَدَ الكَبَاءُ بِجَوِّها والمَنْدَلُ
مَنْ ذا يجيدُ الوصفَ مِنكَ خَيالُهُوَصِفَاتُ مَجدِكَ فَوقَ ما يُتَخَيَّلُ
والله ما وفَّى بحَقِّكَ مادِحٌواللهِ ما جلَّى بحَمدِكَ مِقْوَلُ
عَوِّذْ كمالَكَ ما استَطَعْتَ فإِنَّهُقد تَنْقُصُ الأشياءُ مما تَكْمُلُ
تابَ الزمانُ لديكَ مما قد جَنَىواللهُ يأمُرُ بالمَتَابِ ويَقْبَلُ
إن كانَ ماضٍ مِن زَمَانِكَ قد أتىبإساءةٍ قد سَرَّكَ المُسْتَقبَلُ
هذا بِذاكَ فَشَفِّعِ الثَّاني الذيأرضاكَ فيما قد جَناهُ الأوَّلُ
واللهُ قد ولاَّكَ أمرَ عِبَادِهِلمَّا ارتَضَاكَ ولاَيَةً لا تُعْزَلُ
وإذا تَغَمَّدَكَ الإلهُ بِنَصْرِهِوقَضَى لكَ الحُسْنى فَمَنْ ذا يخذلُ؟
فإذا انتَضَيْتَ فكلُّ كهم مُرْهَفٌوإذا ضَرَبْتَ فكلُّ عُضْوٍ مَفْصِلُ
فلو اعتَمَدْتَ على الرِّيَاحِ لغارَةٍنَهَضَتْ بغارَتِكَ الصَّبا والشَّمأَلُ
ولو استعنتَ الشُهْبَ واستَنْجَدْتَهاحَمَل السلاحَ لك السِماكُ الأَعْزَلُ
سُبحانَ مَنْ بِعُلاكَ قد شَعَبَ الثَّأَىوأعادَ حَلْيَ الجيدِ وهو معطَّلُ
قد كادَتْ الأعيانُ يكذِبُ حِسُّهاوالأوَّلِيَّاتُ السَّوابقُ تُجهَلُ
والأرضُ راجفةٌ تَمورُ وأهلُهاعَصفتْ بهم ريحُ العَذابِ فَزُلزِلوا
من ماتَ مِنهم ماتَ ميتَةَ فِتنَةٍأو عاشَ فَهو مُفَسَّقٌ ومُضَلَّلُ
لا بيعَةٌ تُنْجي ولا عَهْدٌ يَقِيالدِّينُ والدُّنيا نَسيجٌ هَلْهَلُ
فَحَجَبْتَ عن آفاقِهم مَن يَهْتَديومَنَعْتَ عن أحكامِهِم مَن يَعْدِلُ
فاليومَ إذ بَخَعَ المُسيءُ بِذَنبِهِمُسْتَسْلِماً وتَنَصَّلَ المُتَنَصِّلُ
فاشمِلْ بِعَفوِكَ مَن تَجَنَّى أو جَنَىواسلُك طريقَتَكَ التي هيَ أمثَلُ
واحرُس حِمى العَليا فمَجدُكَ مُنْجِدٌواطلُب مَدى الدُّنيا فسَعْدُكَ مُقبِلُ
وانْهَد فَنَصْرُ اللهِ فوقَكَ رايَةٌوَمِنَ السُّعودِ عليكَ سِتْرٌ مُسْبَلُ
والرُّعبُ بينَ يديكَ يُرْدِفُ جَحْفَلاًمِنهُ على بُعْدِ المسافةِ جَحْفَلُ
والرُّوحُ روحُ اللهِ يَنفُذُ حُكمُهُلكَ والملائِكةُ الكِرامُ تَنَزَّلُ
لم يَدْرِ إسماعيلُ ما طَوَّقْتَهمِن مِنَّةٍ لو كانَ مِمَّنْ يَعْقِلُ
نِعَمٌ مُهَنَّأَةٌ وظلٌ سَجْسَجٌتَنْدى غَضَارَتُهُ وماءٌ سَلْسَلُ
الطَّاعِمُ الكاسي ورِفْدُكَ كافِلٌوالعالَةُ المُعفاةُ مِمَّا يَثْقُلُ
أغراهُ شَيطانُ الغُرورِ لِغايَةٍمِن دونها تَنْضَى المَطِيُّ الذُلَّلُ
يَبغي به دَرْجاً إلى نَيْلِ التيكانت قُوَى إدراكِهِ تَتَخَيَّلُ
سَرْعانَ ما أبداهُ ثمَّ أعادَهُفي هَفوَةِ البَلوَى وبِئْسَ المَنْزلُ
وسَقى بِكأسِ الحَيْنِ قَيْساً بَعْدَهُواللهُ يُمْلي للطُّغاةِ ويُمْهِلُ
والغَدْرُ شَرٌّ سَجِيَّةٍ مَذمومَةٍشَهِدَ الحكيمُ بِذاكَ والمُتَمَلِّلُ
فاسْاَل ديارَ الغادِرِينَ فإنَّهالمُجيبةٌ أطلالُها مَن يَسْأَلُ
جَرَّتْ عليها الرَّامِسات ذيولَهاوعَوَتْ بِعِقْوَتِهَا الذئابُ العُسَّلُ
يا فَتْكَةً أخْفَتْ مواطِئَ غَدْرِهاحِيَلُ الخَديعَةِ والظَّلامُ المُسْبَلُ
عَثرَ الزمانُ بها وكانت فَلْتَةًشَنعاءَ والدُّنيا تَجِدُّ وتَهْزِلُ
أَمِنَتْ سُعُودُك من حَرابةِ قاطِعِفاسْرَحْ ورِدْ فهوَ الكَلا والمَنْهَلُ
قُتِلَ المُقاتِلُ بعدَها بِسِلاحِهِوغَدا لها زُحَلٌ يَقرُّ ويَزْحَلُ
ولَفيفُ جُبَّانٍ إذا ما استُوقِفوانادَتْ بهم آجالُهُم فتَسَلَّلُوا
طَرَقُوا على الضِّرْغَام لَيلاً غابَهُوالبدرُ تاجٌ بالنُّجومِ مُكلَّلُ
لولا دِفاعُ اللهِ عَنكَ وعصْمَةٌأصْبَحْتَ في أبرادِها تَتَسَرْبِلُ
ما رُقِّعَ الوَهْيُ الذي قد مزَّقواما حُلِّيَ الجيدُ الذي قد عَطَّلوا
فَثَبَّتَ مُجْتَمِعَ الفؤادِ بِهفوَةٍخُذِلَ النَّصيرُ بها وخانَ المَعْقلُ
وفداكَ شيخُ الأولياءِ بِنفسِهِوالنَّفْسُ آثَرُ كُلِّ شَيءٍ يُبْذَلُ
ما ضَرَّهُم إذ ناوَشَتْهُ كِلابُهُموسَطَتْ بهِ أنْ لم يكونوا مُثَّلُ
وكذلك الخَبُّ اللئيمُ إذا سَطَاعَمِلَ التي ما بَعدَها ما يُعِمَلُ
ونَجَوْتَ مَنْجَى البَدْرِ بعدَ محاقِهِتَهْوِي كما يَهْوِي بِجَوٍّ أجْدَلُ
فَحَلَلْتَ من وادي الأَشَى بقَرَارَةٍعزَّ الثّواءُ بها وطابَ المَنْزِلُ
كُرْسِيُّ مُعْتَصِمٍ، ومثوى هِجرةٍوالمُسْتَقَرُّ إذا تَزِلُّ الأرْجُلُ
دارُ الوفاءِ ومَوطِنُ القَوْمِ الأُلىكَفَلُوا، وبالنَّصْرِ العزيزِ تَكَفَّلوا
حتى دعاكَ المُسْتَعينُ وإنَّهُلأَبَرُّ بالمُلْكِ المُضَاعِ وأكفَلُ
فَرَحَلْتَ عنهم والقُلُوبُ بوالغنُعَرَ الحَناجِرِ والمَدامِعُ تَهْمِلُ
فلقد شَهِدْتُ وما شَهِدْتُ كَمَوْقِفٍوالناسُ قد وَصَلوا الصُّراخَ وأَعْولُوا
وبكلِّ نادٍ مِنْكَ أنَّهُ نادِبٍوبُكلِّ دارٍ مِنكَ حُزنٌ مُثْكِلُ
يتزاحمونَ عَلَيْكَ حتى خِلْتُهمسِرْبَ القَطَا الظَّامِي وكَفُّكَ مَنْهَلُ
وظَعَنْتَ عن أوطانِ مُلْكِكَ راكِباًمَتْنَ العُبابِ فأيُّ صَبْرٍ يَجْمُلُ
والبحرُ قد خَفَقَتْ عليكَ ضُلُوعُهُوالرِّيحُ تَقتَطِعُ الزَّفيرَ وتُرْسِلُ
في مَوقِفٍ يا هَولَهُ مِن موقِفٍيَذْوَى له رَضْوَى ويَذْبُلُ يَذْبُلُ
حتى حَلَلْتَ بعُنْصُرِ المَلِكِ الذييُرْعَى الدَّخيلُ بِهِ ويُكْفَى المُعْضِلُ
مَثوى بَني يعقوبَ أسباطِ الهُدىوسَحائِب الرُّحْمَى التي تُسْتَنْزَلُ
وخَلائِف الله الذين أكُفُّهُمْديم الوَرَى إن أَحْسَنوا أو أَمْحَلُوا
ودعائِم الدِّين الحَنيفِ إذا وَهَتْمِنْهُ القُوَى واخْتَلَّ مِنهُ الكَلْكَلُ
وكفى بإبراهيمَ بَدْرَ خِلافَةٍتَعْنُو لِغُرَّتِهِ البُدورُ الكُمَّلُ
وكفى بإبراهيمَ ليثَ كَريهَةٍيَعنو لعزته الهِزَبْرُ المُشْبِلُ
أغْني وأَقْني وأَعْتَني وكَفَى العَنَاوأعانَ فهو المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ
ولِكُلِّ شَيءٍ غايةٌ مَرْقُوبَةًأعلامُها ولكلِّ شيءٍ مَفْصِلُ
فأَنِفْتَ للدِّينِ الحنيفِ وأهْلِهِمِنْ خُطَّةِ الخَسْفِ التي قد حمَّلُوا
وَلِملَّةٍ جُنَّتْ فلو لم تَنْتَدِبْلم يُلْفَ مَن يَرْقَى ولا مَن يَتْفُلُ
أحْكَمْتَ بالرأيِ السَّديدِ أُصُولَهَاوفَرَيْتَها لمَّا استَبَانَ المَفْصِلُ
وركَبْتَ فيها كلَّ صَعْبٍ لم يكُنْلولا الإلهُ وعزُّ نَصْرِكَ يَسْهُلُ
وأَجَرْتَ عليكَ العُدْوَتان قُلُوبَهَاوأكفَّها وعلى الحَمِيَّةِ عَوّلُوا
جَمَعَتْ عليكَ العُدْوَتانِ قُلُوبَهَاوأكفَّها وعلى الحَمِيَّةِ عَوَّلُوا
فاهتَزَّ للحرب الكَمِيُّ بَسَالَةًواهتَزَّ في مِحرابِهِ المُتَبَتِّلُ
وبدا انفعالُ الكَونِ هذا العالَمُ العُلْوِيُّ مهتزٌّ فكيفَ الأسفَلُ؟
والرُّومُ لاستِرجاعِ حقكَ شَمَّرَتْهذا هوَ النَّصرُ المُعِمُّ المُخْوِلُ
واستَقْبَلَتْكَ السّابحاتُ مُواخِراًتَهْوِي إلى ما تَبْتَغي وتُؤَمِّلُ
تُبْدي جوانِبَها العُبُوسَ وإن تَكُنبالنَّصْرِ منكَ وُجُوهُها تَتَهَلَّلُ
هُنَّ الجواري المُنشَآتُ قد اغْتَدَتْتختالُ في بُرْدِ الشَّبابِ وتَرْفُلُ
مِن كلِّ طائِرةٍ كأَنَّ جَناحَهاوهو الشِّراعُ به الفِراخُ تُظَلِّلُ
جوفاءَ يحملها ومَن حَمَلَتْ بهِمَنْ يَعْلم الأُنثى وماذا تَحْمِلُ
أَطْلَعنَ صُبْحاً مِنْ جَبينِكَ مُسْفِراًيَجلو الظلامَ وهُنَّ ليلٌ أَلْيَلُ
وطَلَعْنَ مِنكَ على البِلادِ بِطارِقٍلِلفَتْحِ والنَّصْرِ الذي يُسْتَقْبَلُ
وبقيَّة مِنْ قومِ عادٍ أُهلِكواببقيَّةِ الرِّيحِ العَقيمِ وجُدِّلُوا
بالباطلِ البَحْتِ الصُّراحِ تَعَزَّزوافالآنَ للحقِّ المُبينِ تَذَلَّلوا
خَضَبَتْ مَناصِلُكَ المفارِقَ مِنْهُمُحِنَّا نَجيعٍ صَبْغُها لا يَنْصُلُ
أقبَلْتَ في يوم الهَياجِ فأَدْبَرواأقْدَمْتَ في لَيلِ العَجاجِ فأَجْفَلوا
أَعجَلْتَ حِزبَ البَغيِ فاشْتَبَهَتْ بِهِمطُرُقُ النجاةِ وللهلاَكِ تَعَجَّلُوا
صبَّحْتَهُمْ غُرَرَ الجِيادِ كأنماسدَّ الثَّنِيَّة عارِضٌ مُتَهَلَّلُ
من كلِّ مُنْجَرِدٍ أغرَّ مُحَجَّلٍيرمِي الجِلادَ به أَغَرُّ مُحَجَّلُ
زَجِلُ الجَناحِ إذا أجدَّ لِغايَةٍوإذا تَغَنَّى بالصَّهيلِ فَبُلْبُلُ
جِيدٌ كما التَفَتَ الظَّليمُ وفوقَهأُذْنٌ مُمَشَّقَة وطرْفٌ أَكْحَلُ
فكأنما هو صورةٌ في هَيْكَلٍمِن لُطْفِهِ وكأنما هو هَيْكَلُ
عَجَباً له أَيخافُ في لَيْلِ الوَغىتِيهاً وذابِلُهُ ذُبَالٌ مُشْعَلُ
وخليجُ هِندٍ راقَ حُسنُ صَفائِهِحتى لَكادَ يَعومُ فيه الصَّيْقَلُ
غَرِقَتْ بِصَفْحَتِهِ النِّبالُ وأَوْشَكَتْتَبغي النَّجاةَ فأَوْثَقَتْهَا الأرجلُ
فالصَّرْحُ مِنهُ مُمَرَّدٌ والصَّفْحُ منهُ مُوَرَّدٌ والشَطُّ منه مُهَدَّلُ
وبكلِّ أزرَقَ إن شَكَتْ ألحاظُهُمَرَهَ العُيونِ فبالعَجَاجَةِ يُكْحَلُ
مُتَأَوِّدٌ أعطافُه في نَشوَةٍمما يَعُلُّ مِنَ الدِّماءِ ويَنْهَلُ
عَجباً له إنَّ النَّجيعَ بِطَرْفِهِرمَدٌ ولا يَخْفى عَلَيْهِ المَقْتَلُ
لله يومُكَ في الفُتُوحِ فإِنَّهُيومٌ أغرُّ على الزمانِ مُحَجَّلُ
لله موقِفُكَ الذي وَثَباتُهوَثَباتُه مثلٌ به يُتَمَثَّلُ
والخيلُ خَطٌّ والمجالُ صحيفةٌوالسُّمرُ تَنْقُطُ والصَّوارِمُ تَشْكُلُ
والبِيضُ قد كَسَرتْ حرُوفَ جُفُونِهاوعوامِلُ الأَسَلِ المُثَقَّفِ تَعْمَلُ
لله قومُكَ عِندَ مُشْتَجِرِ القَنَاإذ ثَوَّبَ الدَّاعي المُهيبُ وأقْبَلُوا
قومٌ إذا لَفَحَ الهَجيرُ وجوهَهُمحُجِبوا بِراياتِ الجِهادِ وظلَّلُوا
فوجوهُهُم بِسَنا الأَهِلَّةِ تَزْدَرِيوأكُفُّهُم جُونَ السَحائِبِ تُخْجِلُ
يا آلَ نَصْرٍ إن تُذُوكِرَ مَفْخَرٌلا تُفْضَحوا مَنْ دونَكم وتَرَسَّلُوا
عَلْياؤُكُم غاياتُها لا تَنتَهيفي مِثْلِها خانَ البَليغَ المِقْوَلُ
آثارُكم في الدِّين غيرُ خَفِيَّةٍتُروَى على مَرِّ الزَّمانِ وتُنْقَلُ
أَوَ لَسْتُمُ الشُّهُبَ الأَلَى ما غَيَّروامِن بَعْدِ بُعد نَبِيِّهم أو بَدَّلوا
أوَ لَيسَ جَدُّكُمُ المدينةُ دارُهُكلاَّ وصاحبُه النَبيُّ المُرْسَلُ
سَعْدٌ وما أدراكَ سَعْدُ عُبَادَةٍفي مَجدِهِ صَدَقَ الذي يَتَوغَلُ
ماذا يُحَبِّرُ مادحٌ مِن بَعْدِ ماأَثْنى بمدحِكُمْ الكتابُ المُنَزَلُ
يا نُكتَةَ العَلْيا ويا قَمَرَ الهُدىوالعُرْوَة الوُثقى التي لا تُفْصَلُ
يَهنيكَ صُنْعُ اللهِ حين تَبَلَّدَتفيك الحِجَى وتَلأَوَّلَ المُتَؤَوِّلُ
يَهْنِيكَ صُنْعُ اللهِ حينَ اسْتَأْنَسَتْمِنكَ الظُنُونُ وأَقْصَرَ المُسْتَرسِلُ
يَهني العِبادَ أن اغتدى بِكَ دينُهايُجْلَى مِنَ الشكِّ المُريبِ ويُغْسَلُ
يَهني البِلادَ أن اغتَدَى بِكَ فَوْقهاسِتْرُ الوقاية والحمايةِ يُسْدَلُ
فَتْحُ الفُتُوحِ تأخَّرَتْ أيَّامُهُيَنْسَلُّ مِن حَدَبٍ إليك ويَنْسِلُ
يَزَغُ الإلهُ مِنَ النفوسِ من ارتَضَىحتى يَبينَ مُحِقُّها والمُبْطِلُ
واللهُ بالتمحيصِ يُوقِظُ أَنفُساًعن حَقِّهِ المحتومِ كانت تَغْفُلُ
ويُكَيِّفُ السبب الخَفِيَّ لِمَن قَضَىبسعادةٍ منه إليه تُوصَلُ
والحظُّ أمرٌ ليس في وِسْعِ امرئٍفمُكَثِّرٌ في كَدِّهِ ومُقَلِّلُ
والحقُّ حقٌّ ما سِواهُ فَبَاطِلُلو حَقَّقَ المُسْتَبْصِرُ المتأمِّلُ
تتلوَّنُ الدنيا وتختَلِفُ المُنَىوالبُدُّ بُدٌّ ليس عنه مَعْدِلُ
وَلِرَبِّنَا الرُجْعَى وإن طالَ المَدىواللهُ نِعْمَ المُرْتَجَى والمَوْئِلُ
لم يُبْقِ ربُّك من عُداتِكَ مُعْتَدٍوالسيفُ يَسبِقُ حَدُّهُ مَنْ يعذِلُ
أُخِذوا بِبَغيِهِم أَيُفلِتُ هارِبٌلله يسرع خَطْوُهُ أو يُعجِلُ
ثٌقفوا بكل ثنية وتبادرتبهمُ عيون المؤمنين فَقُتِّلُوا
سحقاً لهم لا بالوفاء تمسكوايوماً ولا فازوا بما قد أَمَّلُوا
ورأى عدوُ الله عُقْبَى غدرِهوالخزي منه معجلٌ ومؤجَّل
وهو الذي مِن حقِّه ألاَّ يُرىيُعنَى اللسانُ بذكره أو يَحْفِلُ
وحقارةُ الدُّنيا على الله اقتضتأن يثأر المستَحْقَرُ المسترذَل
هذا سليمانُ النبيُّ ابتزَّه الكرسيَّ بعضُ الجنِ فيما يُنْقَل
ما غيرت منك الخطوبُ سجيةًمجبولةً والطبع لا يتنقل
بل زاد عقلُكَ بسْطَةً من بعدهاحتى أحاط بكل شيءٍ يُعْقَل
وأفادَك الدهرُ التجاربَ بانياًتضعُ الأمورَ على الوزان وتَحمِل
ما أن رأينا من يُعَابُ بحنكةٍحتى يعاب الصارمُ المتفلِّلُ
قد قرَّ أمرُكَ واستقرَّ عِمادُهوالحقُّ بانَ فلم يَدَعْ ما يُشْكِلُ
وأَنَاكَ نجلُك والسعود تحفهوالخَلْقُ تلثم كَفَّه وتُقَبِّلُ
لَمَحُوكَ يا بَدْرَ الكَمَالِ فكَبَّرُواوبَدَا هلالُكَ بَعْدَ ذَاكَ فَهَلَّلُوا
فالشملُ مجتمعٌ كأحْسَنِ حالَةٍتعتادها ونوالُ رَبِّكَ يشمل
ولقد غفرتُ ذنوبَ دهري كلَّهاحتى المشيبَ وذنبُهُ لا يُهمل
لما رأت مثواكَ كعبةَ طائفٍعَيْنِي وكفَّكَ للطواف مُقَبّل
أهديك من أدب السياسة ما بهتبْأَى الملوكُ على الملوك وتَفْضُل
لا تَغْفِل الحَزْمَ الذي بعقالهإبلُ الإمارة والإدارة تُعقل
واجعل صُماتَكَ عِبْرةً فيما مضىوعليه قِسْ مِنْ بعدُ مَا يُستقبل
والأمرُ تحقِرُه وقد يَنْمى كماتَنْمِي الجسومُ على الغِذَاء وتَعْبَلُ
فاحذر صَغِيرَ الأمر ولتحفلْ بهوإذا غَفَلْتَ فإنه يستحفل
فالنارُ أولَ ما تكون شرارةوالغيثُ بعد رذاذه يسترسل
شاوِرْ إذ الشورى دعتك أولي النهيفخطاب غير أولي النهي لا يَجمل
وأجز المُسِيءَ إذا أساءَ بفعلهوالمحسنَ الحسنى جزاءً يَعْدِل
وإذا عَدَلْتَ فلا الهوادةُ والهَوَىمِنْ بعده أبداً لديك تُؤمل
ومن استبحت ذمارَه بعقوبةٍفبغيره من بعدها يُستبدل
وإذا عَقَدْتَ فللغَنا لا للهوىفبكُلِّ قَدُرٍ رتبةٌ لا تُهمل
وصُنْ اللسانَ عن القبيح فربمايمضي اللسانُ بحيث ينبو المُنصُل
وإذا جرحتَ فؤادَ حرٍّ لم تُطِقإدمالَه وبأيِّ شيءٍ يَدْمُل
واقبل وصيةَ من أتى لك ناصحاًواشكرْهُ وهو الكاذب المتحيل
وعلى التثبت في السعاية فاعتمدفمَردُّ أمرٍ فات لا يُسْتَسْهَل
وإذا جنى جانٍ تبيَّنَ جهلُهُفاحلُمْ عليه فأيْنَ مَنْ لا يجْهَلُ
وارْعَ السوايقَ لا تُضِعْها إنهاديْنٌ يُلام لأجله من يَمْطُلُ
وإذا ترحَّل عن جوارك راحلفانظر بعقلك عنك ماذا يَنْقُلُ
واجعل على السِّيَرِ التي رتَّبْتَهَاعيناً تجيءُ بكل ما يُتَقَوَّلُ
لا تُبْدِ هَوْناً في الشدائد إن عَرَتْفبقدر ما تُبديه قدرُك يَخْمُلُ
والمالَ خذْهُ بحقِّهِ واعلمْ بأنَّالمالَ للغرضِ البعيد يُوَصِّلُ
وازِنْ به مؤنَ السياسةِ وادَّخِرفضلاً وواز بخرجه ما يدخل
والمنْحُ والمنْعُ اعتبر قسطاسَهفالبُخْلُ والتبذيرُ مما يُرْذَلُ
وعليك بالتقوى وبالخلق الذيينهى النفوس عن القبيح ويعذِل
واشغَل عن اللذات نفسَك بالذينفسُ الحكيم به تلذُّ وتُشْغَلُ
وبنو الزمان على سبيل أبيهِمُإن عزَّ عزوا أو يُذَلُّ تَذَلَّلُوا
بالعفو خُذْ منهم ولا تَكْشِفْ لَهُمْسِتراً فلستَ على كبير تَحْصُل
ذُمَّ الزمانُ وأهلُهُ مِنْ قَبْلِنَافمتى حلا أو لذَّ هذا الحنظلُ؟
هذا وعقلُك في الخلافة قدرُهأسنى ورأيُكَ في السياسة أفضل
مولايَ هاضَنِيَ الزمانُ وسامنيجوْراً وأنت هو الإمام الأعدل
أَنْحَى عَلَى وَفْرِي وروَّع مأمنيظُلماً وحمَّلَني الذي لا يُحْمَل
وَرَمَى بنا البحرُ المحيط ولو درىمِن دونِهِ مرمىً لقالَ لنا ارحلوا
إِنَّا قُتلنا بالنوى سِيَّانِ مَنْيُجْلَى عن الأوطان أو مَنْ يُقْتَل
هذا قياسٌ ليس يُدفع حكْمُهمن بعدِ ما شَهِدَ الكتاب المُنْزَلُ
أصبحتُ في زغبٍ كأفراخِ القَطَاوالماءُ شرطُ حياتِهم والسنبلُ
فإذا سموتُ لقَصْدِهِم لم أسْتَطِعْوإذا اعتذرتُ إليهِمُ لم يَقْبَلُوا
وأنا الذي ما لي إليك وسيلةٌأُدْلي بها لِعُلاَكَ أو أتَوَسَّل
أنت الوسيلةُ لِي إليكَ فلا تُضِعقَصْدِي فمثلُكَ مَنْ يقولُ ويَفْعَل
مَا لِي ولا لِبَنِيَّ غيرك رَحْمَةٌلكنَّ عُذري واضحٌ لا يُجْهَل
خُذْهَا كما شاءَ الخلوص كأنهاعقدٌ بألقاب البديع مفصل
أَهْدَى البيانُ بها فرائدَ حكمةٍيبأى النَّدِيُّ بنشرِها والمحفل
واشكر صنيعَ اللهِ فيك فإِنَّهُيُنْمِي ثوابَ الشاكرين ويُجْزِلُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع