من «نفاضة الجراب في علالة الاغتراب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
بعض مؤلفات ابن الخطيب في المغرب
وصدر عني إلى هذا العهد من التواليف والنَّظْم والنثر على سكون النفس وعدم التطلع لما يفتق القريحة ويشحذ الفكرة ما يُرسم.
فمن ذلك من التواليف: كُنَّاشٌ من منظوم في عروض الرَّجَز محذوف الفضول لا غاية فوقه في الأراجز، ولله دَرُّ القائل حمد الله وأثنى على نفسه، في فن أصول الفقه عدة أبياته ألف بيت. وآخر سميته) الحُلَل المَرْقُومَة في اللَّمع المَنْظومة (، وأرجوزة أخرى في فن العلاج من صَنْعَةِ الطب عدد أبياتها نحو ألف وستمائة بيت تضمن ذكر جميع الأمراض الكلية والجزئية وذكر أسبابها وعلاماتها وتدبيرها وجلب العلاج بحسب أحوالها.
. - واستوفى بعد، كتاب الرتبة وعلاج السموم سميتها) بالأرجوزة المعلومة (إذ تقدم قبلي من نظم في مثل هذا الغرض وسماها الأرجوزة المجهولة، ونظمت أرجوزة ثالثة في فن السياسة من أجزاء العلم القديم في نحو ستمائة بيت سميتها:) تخصيص الرياسة بتلخيص السياسة (، استوفى الكلام في القوى الثلاث النفسية وعلاج الأخلاق والمعاش. وصدر عني كناش سميته،) مُثْلَى الطريقة في ذَمِّ الوثيقة (، أَوْجَبَتْهُ محاورةٌ صدرت في ذلك بيني وبين بعض شيوخها تضمنت نظماً ونثراً وفقهاً وحكاية.
وصدر عني مجموعٌ يشتمل على الأناشيد التي تحصلت لي مُتَلَقّاة ومنتزعة لم يَعثر على مثله في حسن الاختيار تضمن ضَرْبي المُطْرِب والمُرْقِص وتَقَدَّمَه كلامٌ علميٌّ في الشعر وسميته:) السحر والشعر (، مرتباً على الأغراض.
ومن المنظوم قولي على لسان السلطان مولاي أبي عبد الله وقد اشتد وجده لذكر معاهده الملكية بغرناطة، وكلفني ذلك:
أيامُ قُربِكِ عِندي ما لَها ثَمَنُلكنَّني صدَّني عن قُربِكَ الزَّمنُ
حطَطَتُ بَعْدَكِ يا أهلي ويا وَطنيرَحْلَ الغَريبِ فلا أهْلٌ ولا وَطَنُ
ثد حَلَّ حُبَّكِ مِنْ قَلبي بِمَنزِلةٍلا الماءُ يجري مجاريها ولا اللبنُ
لَمَّا تحمل عَنكِ الرَّكْب مُرتَحِلاًوالقلبُ فيكِ غَدَاةَ البَيْنِ مُرْتَهَنُ
واللهِ ما سَكَنَتْ نفسي إلى أحدٍيوماً ولا راقَ عينِي مَنْظَرٌ حَسَنُ
كَمْ لي بربعك من أنس ومن طربكأنما كان حُلْماً جَرَّهُ الوسَنُ
والأمر أمري والدنيا مُسَخَّرَةٌوكلُّ قَصْدٍ به الإسعادُ مُقْتَرِنُ
حتى تنبه جَفْنُ الدَّهْرِ مِنْ سِنَةٍوالدهر مضطرب والحرُّ مُمتحن
حمامةَ البَانِ ما هذا البكاءُ علىمَرِّ الزمان وهذا الشَّجْوُ والشَّجَنُ
لا مسكن بنتَ عنه أنتَ تندبهولا حبيبٌ ولا خلٌّ ولا سَكَنُ
كفٌّ خصيبٌ وأطواقٌ مُلَوَّنَةٌما هكذا البث يا ورقاء والشجنُ
لو كنتَ تنفث عن شوق منيت بهيوماً لصار رماداً تحتك الغصن
يا نَسْمَةَ الريح كيف الدار هل عمرتكلاَّ وهل أخصبت من بعدها الدِّمَنُ
لعل من قد قضى يوماً بفُرقَتِنَاتحلّ منه برفع الفُرقة المِنَنُ
نستغفر الله كم لله من منحلُذْنَا بها بعد أن لاذت بنا مِحَنُ
ونسأل الله في عُقْبَى نُسَرُّ بهافقد تساوى لديه السر والعلن
ولما شَرَحَ كتابَ الشفاء العياضي، خطيب الخلافة وكبير أوليائها السيد الفقيه أبو عبد الله بن مرزوق، طلب أهل العدوتين بالنظم في كتاب الشفا فطما من ذلك البحر ما بين مجيد ومقصر. فقلت في ذلك وقد عُرض عليّ الجميع وأنا بمدينة سلا حرسها الله، ووجهتُ بها إليْه:
حييت يا مختط سبت بن نوحْبكل مُزْن يغتدي أو يَرُوحْ
وحمل الريحان ريح الصباأمانةً فيك إلى كل روح
دار أبي الفضل عياضِ الذيأضحت برَيَّاهُ رياضاً تفوح
يا ناقل الآثار يعنى بهاوواصلاً في العلم جَرْيَ الجَمُوح
طِرْفُكَ في الفخر بعيد المدىطَرْفُكَ للمجد شديد الطموح
كفاك إعجازاً كتابَ الشفاوالصبح لا يُنْكَرُ عند الوضوح
لله ما أجزلتَ فينا بهمن منحة تقصر عنها المُنُوح
روض من العلم هَمَى فوقَهمن صَيِّبِ الفكر الغمامُ السَّفوح
فمن بيان الحق زهر ندٍومن لسان الصدق طير صدوح
تأَرَّجَ العَرْفُ وطاب الجَنيوكيف لا يطعم أو لا يفوح
وحلة من طيب خير الورىفي الجيب والأعطاف منها نضوح
ومعْلَم في الدين شَيّدْتَهفهذه الأعلام منه تلوح
فَقُلْ لهلمان كذا أو فلايا من أضل الرشد تبنى الصروح
في أحسن التقويم أنشأتهخلقاً جديداً بين جسم وروح
فعمره المكتوب لا ينقضيإذا تقضى عمر سامٍ ونوح
كأنه في الحفل ريح الصَّباوكلُّ عطفٍ فهو غصن مَرُوح
مَا عُذر مشغوف بخير الورىإن هاج منه الذكر أن لا يبوح
عجبت من أكباد أهل الهوىوقد سطا البعد وطال النزوح
إن ذكر المحبوب سالت دماما هُنَّ أكباد ولكن جروح
يا سيد الأوضاع يا من لهبسيد الأرسال فضل الرجوح
يا من له الفخر على غيرهوالشهب تخفى عند إشراق
يا خير مشروح وفى واكتفىمن ابن مرزوق بخير الشروح
فتحٌ من الله حَبضاه بهومن جناب الله تأتي الفتوح
وفي الغرض المذكور:
أأزاهير رياضأم شفاءٌ لعياض
جدَّل الباطل للحق بأسيافٍ مواضِ
وجلا الأنوار برهاناً بخلْف وافتراض
وسَقَى من يشتكي الغلّة في زُرْق الحياض
أي بنيانٍ معالآمنٍ خوفَ انقضاض
أي عهدٍ ليس يرميبانتكاثٍ وانتقاض
ومعانٍ في سطورٍكأسودٍ في غياض
وشفاء لنفوسٍمن ضنى الجهلِ مراض
حرَّر القصد فما شِينَ بنقد واعتراض
يا أبا الفضل أدْرِ أنّ اللهـ عن سعيك راض
فاز عبد أقرض اللهبرجحان القِرَاض
وجبت غرُّ المزايامن طوال أو عراض
لك يا أصدق راوٍلك يا أعدل قاضِ
لرسول الله وفيت بجهد وانتهاض
خير خلق الله في حالٍ وفي آتٍ وماض
سدَّد الله ابن مرزوقٍ إلى تلك المَراضي
زبدة العرفان مَعْنَيكل نسكٍ وارتياض
فتولى بسط ما أجملتَ من غير انقباض
ساهراً لم يدر في استخلاصهـ طعم اغتماض
إن يكن دَيْناً على الأيام قد حان التقاضي
دام في علوٍ ومن عاداهُ يَهْوِي في انخفاض
ما وشى الصبح الدَّياجيفي سَوادٍ ببياض
وقلت أهنئ قائد الأسطول أبا القاسم بن بنج بطلوع ولد: أبقاك الله أيها القائد الذي بأسه ضَرم، وشأنه شجاعة وكرم، ومحل ولايته من العدوِّحَرَم، لا تسأل عن شوقي إلى قربك، وعكوفي على حبك، وضراعتي في صلة سعادتك، إلى الله ربي وربك. وبلغني الطالع لديك، والوارد من حضرة المواهب الإلهية عليك، جعله الله أسعد مولودٍ على والد، ووفقك لما يرضيه من مقام الشاكر الحامد، وأقر عينك منه بالقائد ابن القائد ابن القائد. وقد كنت أعدك به تفاؤلاً واستفتاحاً، وسؤالاً من الله واستمناحاً، فالحمد لله الذي صَدَق الزَّجْرُ، ووضح الفجر. وقد نظمت له أبياتاً إن أدركته بعدها حياتي بر وشكر، أو كانت الأخرى رحم وذكر هي:
ارْفَعْ قِسِيَّ المُنْشَآتِ بِسَعْدِهِواستَنْجِزِ النَّصْرَ العزيزَ لِوَعْدِهِ
وانظر إليه تَلُحْ إليك بوجههسمة الشجاعة من أبيه وجده
لله من سيفٍ لنصرك صارمٍينساب ماء الحسن فوق فرنده
صدرت إليك بشارتي وتفاؤليبالأمر قبل بروزه من غمده
يستبشر الأسطول منه بقائدكالبدر تحت شراعه أو بنده
والبحر يفخر منه يوم ولادةبمِلَنْدِه ابن ملنده ابن مِلَنْدِهِ
وكتبت لما صدر الرسول موسى بن إبراهيم من الأندلس ولم تقض حاجتي:
يا بني السادة الكرام نداءيبتغي الجبر للمهيض الكسير
أنا بالحي مُسْتَجِيرٌ وبالميت أما في كليهما من مُجير
ليس موسى هذا بصاحب فرعونَ ولا في عصاه من تأثير
فانصروني وعيِّنوا لي رسولاًصارم الحد محكم التدبير
أو أريحو باليأس قلبي فإنيقد تخبطت في عذاب كبير
وقلت أخاطب عميد الدولة:
يا عمادي صح عني أننيلك مملوكٌ وتلميذٌ وصاحبْ
فإذا ما لم تصدق دعوتيقيل عني ومعاذ الله كاذب
فأعد عزِّي وشرِّف منزليوادعُني للحفل مهما كنت غائب
هذه عندك لا خطْر لهاوهي عندي من سَنِيَّات المواهب
وقلت أخاطب مَنْ أصابه داء الجذام من أصحابنا ويدعوه الأطباء بداء الأسد:
أصابتك يا عينُ عينُ الحسدفَتَجْرُ النَّدا والنَّدَامَى كَسَدْ
وَوُلِّيتَ كل شهير خطيرفقمت به وسَدَتَ المَسَدّ
ولما عَلَوْتَ وقُدْتَ الزمانبحبل فأوهقته من مَسَدْ
رأى أسداً من أسود الرجاللذاك رماك بداء الأسد
تَعَزّ فما ثَمَّ مِنْ كائِنٍيصاحبه الكون إلا فَسَد
وقد يتأتى صلاح النفوسوتطهيرها بفساد الجسد
وخاطبت عميد الدولة:
مهما جَرَتْ في أذني لفظةوددتُ لو كانت ثناء عليك
أو ذُكِرَتْ عن شَفَةٍ قبلةٌلم أرضَها يوماً سوى في يديك
أو كان لي في نعم الله منتحكم حُطَّت جميعاً لَدَيْك
سيدي ومالكي، الصَّنَائع شجرٌ تُغرس، وبسياج العناية تصان وتُحرس، فمنها ما يُعدم، ويحط سياجه ويهدم، ومنها ما يُمِرُّ جَنَاه، إذا نُظِر إنَاه، ومنها ما يسمح بإنعامه، ويرمى أُكُلَه لِعامِه، وتقر بصلاحه عين فلاحه، والصنيعة في خديمكم فلان اللبيب النبيل الجاري من توفية خدمتكم وشكر نعمتكم على سواء السبيل من هذا القبيل. فأقسم لو شكر رياض الحَزْن صنيعة المُزْن كشكره، لتأوَّد الغُصن من سُكره، ورد وشأنه الدعاء وشأننا التأمين، والله الكفيل بالإجابة الضمين:
إذا ما غرستَ الخيرَ في ابن جدارظفرت بكنز منه تحتَ جِدارِ
فشُدَّ عليه الكف ذخر مَضنَّةٍواسْكِن به الأسرار دار قرار
ومن دلائل عناية الله بالرئيس وإعانته خلوص بطانته، فالحمد لله الذي جعل القلوب والأيدي نوائل رِفده ووده، والألسنةَ والطَروسَ تراجم مجده، والمملوك يرتقب نُعْرةَ المواضع الحرة ويُمْنَ الشِّيات وسعادة الغُرَّة، قد نهكته المواعِد والأمل المباعد، ورجاؤه قوي في الجَنَاب الذي إذا وعد وَفَى، ومَحَلُّهُ من أميري العدوتين ما احتجب عن الأعين ولا اختفى، وبقي أمل الله الذي لا تتحرك ذرة إلا بإرادته، ومنه نسأل صلة عادته، ودوام أيامه، واتصال سعادته.
وكتبت إليه في غرض الشفاعة.
يا سيدي أبقاكم الله محطّ الآمال، وقِبلة الوجوه، وبلّغ سيادتكم ما تؤمله من فضل الله وترجوه، وكلأ بعين حفظه ذاتكم الفاخرة، وجعل عز الدنيا متصلاً لكم بعز الآخرة. بعد تقبيل يدكم التي لا تزال يدها تشكر، وحسنتها عند الله تذكر، أنهي إلى مقامكم أن الشيخ الكذا أبا فلان، مع كونه مستحق التجلة بهجرة إلى أبوابكم الكريمة قَدُمَتْ، ووسائلَ من أصالةٍ وحشمةٍ كَرُمَتْ، وفضلِ وقار، وتنويهٍ للولاية إن كانت ذات احتقار، ومن اقتضى الفضلُ بِرَّه، وأدَّبَ شكرُ الاختبار علنَه وسرَّه، له بمعرفته بسلفكم الأرضَى وسيلةٌ مرعية، وفي الاعتراف بنعمتكم مقاماتٌ مَرْضية، وتَوَجُّهٌ إلى بابكم، والتمسكُ بأسبابكم، والمؤمَّلُ من سيدي سَتْرُه بجناح رعيه في حال الكَبْرَهْ، ولحظه بطرف المَبَرَّه، إما في استعمال يليق بذوي الاحتشام أو سُكونٍ تحت رَعْيٍ واهتمام، وإعانةٍ على عمل صالح يكون مسكَ ختام، وهو أحق الغرضَيْن بالتزام. وإحالة سيدي في حفظ رسمِ مثله، على الله الذي يجزي المحسنين بفضله ومنه نسأل أن يديم أيام المجلس العلمي محروساً من النوائب، مُبَلَّغ الآمال والمآرب. والمملوك قد قرر شأنه في إسعاف المقاصد المأمولة من الشفاعة إليكم، والتّسَحُّبِ في هذه الأبواب عليكم، وتقليب القلوب بيد الله الذي يُعطى ويمنع ويملك الأمر. أجمع. والسلام..
وخاطبت الوالي الكبير بمراكش:
والي الولاة الذي بمكارمه يُضْرَبُ المَثَل، وشرف الجُباة الذي جمع له العلم والعمل، أبقاكم الله والسعادة لكم مركب، ونصبة ولايتكم لا يخالف سعدَها كوكب، كتبتُه ولساني طليق، وشأني بالاقتصار على تلك الذات خليق، وقد كانت عندي مكارمكم التي وقفت على أعيانها، وبحثت في سمع كيانها، واجْتَزَأْتُ بأَثَرِهَا عن عِيَانِهَا، وتخطيتُ إِجمالَها إلى بيانها، مما يُقْضَى منه العجب، ويُجْلِي من غرة الجود ما احتجب، وأظن ذلك احتفالاً استنفد القوة، وحذقاً ختم آيّ الكَرَمِ المتلُوَّة، فأنتج لي استخبارُ الطارئين في الأرض والواردين على الغَمْر والبَرْض، ومتجملي العنايات والشفاعات، والوسائل النفَّاعات كأبي عبد الله بن جَدار والشرفاء أولي المُؤَنِ الكبار، وسواهم على تباين الأطوار، أنّ قضية مكارمكم مطلقة، وأَعْدَادَ جودكم بالثناء مُنْطِقَة، فَلَعمري لقد وجدت لذلك خِفَّة على كبدي، إذ لم أر الصنيعة البعيدة مختصة بيدي، إنما أنت بحر المواهب الزاخر، والواحد الذي افتخر به الزمان الآخر، ومتحملُه فلان من ذوي الفضل ذاتاً وصحبه، ووسيلة وقربه، وله بصاحب رياسة الإنشاء تخصصٌ وتميز، وفئة وتحيز، والمراد أن يكون من رعى والي الولاة بمكان مكين، ومبوّأٌ من مجده إلى رُبوةٍ ذاتِ قرارٍ وَمَعين، يكون ذلك من جملة ماله من الأيادي البرة، والفواضل المتألقة الغُرة، والله يديم سَعْدَه، ويحرسُ مجده. والسلام..
وكتبت إلى عميد الدولة في غرض التحريك والشفاعة: سيدي الأعظم، وملاذي الأعصم، وعروة عزي الوثقى التي لا تُفصم، أبقاك الله بقاء آثارك، وأنه للعُمر، تأمرُ الدهرَ فيأتمر، ويلبي بثنائك الطائفُ والمعتمر، بأي لسان أَثْنِي على فواضلك وهر أمهاتُ المِنَن، وطُرَفُ الشام واليمن، ومقاماتُ بديع الزمن، والتحف المرتفعة عن الثمن. فحسبي دُعاء أردده وأواليه، وأرتقب مطاوبَ الإجابة عن مَقْدَمِه وتاليه، وأن تَشَوَّفَ المنعمُ للحال الموقوف جبرُه بمشيئة الله على جميل سعيه، الموسدة على وِطَاء لطفه، المُغشَّاة بغطاء رعيه، فقلبٌ خافق، وقلب مؤمن يجاريه وَسْوَاسٌ منافق. وقد تجاوز موسى مجمع البحرين، وأصبح سُرَى إيابه سري القَيْن. ولقد كانت مراحل الرسُل قصيرة قبل أن يكسبها زُحَلِي ثِقَلَ الحركة، ويخلط خاصِّي في وظائفها المشتركة، وليت أمري برز إلى طرف، وأفضى إلى منصَرَف، وربما ظفر آيس بما يرجوه، وبرز المحبوب من المكروه، والله لا يفضح جاه الكتاب الذي أحيا وأنشر، وحيَّا وبشَّر، وأعطى صحيفته باليمين وقد جمعت رسالتكم المحشر، وموصل كتابي، ينوبُ في تقبيل اليد العلمية منابي، وليعلم سيدي أن هذا القطر على شهرته وتألق مشتريه وزهرته، إذا تُنُخِّلَ كِرَامُه، وعهدُ الفضل لم يَبِنِ انصرامُه، فهو لُبابُه المُتَخَيَّر وزلاله الذي لا يتغير: أصالةً معروفة، وهمةً إلى الآثار مصروفة ونُبْلاً على السن والكَبْرة، ورجولةً خليقةً بصلة الحرمة والمَبَرَّة، والوسيلةُ لا تُطْرَحْ، والمعنى الذي لا يُفسر لوضوحه ولا يُشرح، هو انتماؤه إلى جناب سيدي حديثاً وقديماً، واعترافُه بنعمه مديراً لها ومُديماً. والله يُوفر من آثار سيدي حظه، ويجدد لديه وعيه ولحظه، حتى يعود خافقاً عَلَمُ إقباله، مُعلماً بردَ اهتباله، مسروراً ببلوغ آماله. فلعمري إن محل ولايته لكَفِيٌّ، وإن عهد أمانته لَوفِيّ، وإن عامل جده لَظَاهِرٌ وخَفِي، وما يفعله سيدي من رعيه وإنجاح سعيه كسوبٌ في مَنَاقبه، ومعدودٌ في فضل مَذاهبه والسلام.
وخاطبت الوالي الفاضل أبا محمد بن بطان فيما يظهر من الغرض:
لا ناقة لِيَ في صَبْرِي ولا جَمَلُمِنْ بَعْدِ ما ظَعَنَ الأحبابُ واحْتَمَلُوا
قالوا استَقَلُّوا بِعَيْنِ الفِطْرِ قلتُ لهمما عَرَّسُوا بسِوى قَلْبِي وَلاَ نَزَلُوا
ما هذا الاستدعاء الذي نَقَدَ وبَهْرَج وعطف على من اتصف بالسعادة وعَرَّج، ومرَّ على الخليط المناشب، كما مرت على الطحن سبَّابة الحاسب، يُقْدِمُ ويُجْفِل، ويُعلي ويُسفل، ويُعلم ويُغفل، ومنزلتي صفر من هذا التعيين، وحظي الظمأ من المورد المعين، إن كانت الوسيلة المعتبرة وسيلة الحب، فما لوسيلتي تُحبط، ولركائب استقدامي لا تُربط، وفي مثلها يُحسد أو يُغبط، الصّحب والمحل الرحب، بحيث يُفعم الوَطْب، ويدرأ الخصب، وتُرفع للطارق نارُ القِرَى، مادَّتها المَنْدَل الرَّطب. نستغفر الله من الاسترابة بالود اللباب، وننوب في الاعتذار عن الأحباب، ولو علموا بارتفاع التقية، والمطالبة بالبقية، لما حجبوا بروقهم، ولا أغفلوا مَشُوقهم، ولا منعوا عنه صَبُوحَهم ولا غَبُوقَهم:
وَعَسى الذي قَدَرَ البِعَاد يُزيلهوعسى الذي كتب الفراق يُجَمِّعُ
ولما وقفتُ على استدعاء صاحبنا أبي القاسم وصل الله حفظه، وأجزل من الخير حظه، آثرت اعتزامه، واقتضيت بالعهد التزامه، وكافحت جيش اعتذاره حتى رأيت انهزامه، في أن يشاهد ذلك الجمع المبارك بعيني، ويكون غريم الدهر في اقتضاء ديني، وحركت له الشوق الذي يَذْهَبُ معه الوَسَنْ، ويُخْلَعُ في طاعته الرَّسَنْ، وكنت في رحلته كما قال الحسن:
أيها الرائحان باللوم لُومالا أذوق المُدَام إلا شميما
جُلُّ حَظِّي منها إذا هي دارتَأن أراها وأن أَشُمَّ النَّسِيما
نالني بالملام فيها إمامٌلا أرى في خلافه مستقيما
فكأني وما أُزَيِّن منهاقَعَدِيٌّ يُزيِّنُ التحكيما
كَلَّ عن حَمْلِهِ السلاحَ إلى الحربِ فأوصى المطيقَ أن لا يُقيما
والله يَسُرُّ براحة الشيخ النفوس، ويذهب البُوس، ويضفي من الوقاية اللُّبُوس، والسلام.
وخاطبت عميد الدولة، وقد بلغني إيابُه من زيارة الصّلَحَا بريف بادس، ضَجِراً بحِمْل الدولة متراوغاً عنها:
هَنِيئاً بالقُدُومِ مِنَ الزيارةولُقِّيتَ السعادة والبشارة
وقاد لك الإله خفيَّ لطفٍيُبَلِّغ مجدك الأعلى اختياره
سيدي أبقاك الله تُعَرِّجُ على البقع المزُورة ركابَ الجلالة، وتورثَ مَراقِيَ المنابر لا عن كلالة، وتنجح في صميم العمل الصالح بين السلف والسُّلالة، كانت ليَ آمال أرى بقاءك أَجَلَّها، وعمدةً لها، لاشتها الأيام وأَدْرَجَتْهَا، وعَفَى رسمها لما نَسَجَتْهَا، والدنيا حلوب خلوب، ومُغالب القدر مغلوب، وبيد الله أفئدة وقلوب، وإن ساءت ظنون، فَثَمَّ الكاف والنون ومؤلف الضَّب والنون، وما الدهر إلا مَنْجَنُون، أرضانا الله بمصارف القدر، وعوضنا منه بالحظ المبتدر، وفَرَّغَنَا للوِرْدِ البعيد الصَدَر
فأنا اليوم لا أَمَل لي إلا لقاؤك الذي هو الحظ، وإنْ فَتَكَ الزمن الفَظ، والنَّصير لمَّا ساء المصير، والكهف لمَّا عَظُم اللهف، وكيف لا ورعْيُكَ استخرج من الرَّكيَّة، وسمع على البعد صوت الشكية، وجودك أعطى وأمطا، وجاهك فَرَشَ وغَطَّى، فإن ذوت أغصان الصانع بلفح جحود، أو أصبحت الأيادي البيض من الغَمط في لحود، فأغصان صنائعك قِبَلي قد زهت بِحبِّها وأَبِّهَا، وحيَّتْهَا نَواسِمُ القبول من مهبِّها، وأياديك لديَّ أحياء عند ربِّها، تسأله جلَّت قدرته القديمة، ووسعت كلّ شيء رحمتُه التي هَمَت منها الدِّيمة، أن يجعل جاهك في الشمول جنس الأجناس، ورَبْعَكَ مَيْدَانَ جياد السرور والإيناس، ويعصمك يا محمد الحمد من الناس، ويجعل سعيَك مشكوراً، وفخرك مذكوراً، وقصدَك مأجوراً، وبابَك لا غُفلاً ولا مهجوراً، ومقامَك حِجْراً عن النوايب محجوراً، وإني لمَّا طرق النبأ بوجهتك في سبيل البر والفضائل الغر، تُجَدِّدُ عهدَكَ بزيارة أولي الفضائل الباهرة الآية، والمشايخ أنسباء سلفك في قُعْدُدِ الولاية، قلت هذا حنين لفصيله، وجذبٌ عن أسباب أصيله، وتحويمٌ على شريعه، ومقدمةُ أوبةٍ سريعة، مهلاً مهلاً فلم يَدَع العلم جهلاً، وأهلاً بمقامك الذي أقامك الله فيه وسهلاً، ولو زرت طيفوراً أو سهلاً، كفُّ الأكفِّ العادية، وبثّ المراشد الرائحة الغادية وهداية الخلافة الهادية، وهو معكم أينما كنتم حجة بادية، ومن دَافَع فَلْيَدْعُ ناديه. ولله دَرُّ رابعة وقد شُغِلَتْ بالحي عن المَيْتِ، وبالمِشْكَاةِ عن الزيت، فقالت الناس يطوفون بالبيت، وإن شوَّق ارتياضٌ ومران، وكاد يُلْقَى بِمَعْطِن التجريد جران، فليس يُحمَد قبل النُّضْج بُحران، وعالَم السياسة قُلَّب، وود إخوان الخُوان بارق خُلَّب، وفرع دوحتك الذي في هَضْبة المنبرِ الأمامي قد غرسته، وديوان النشأة الطاهرة قد درسته، فعاهده بالكفالة حتى يسح، ويرف دومه وسح، ولا تُوحشْ مَنْبِتَه المبارك باغْبَابِ شمسك، ومتِّعْه وأخوته بنعيم يومك، إذ لا قُدرةَ لنفسك على ردّ أمسك، وإذا ذُكر القدر فأمسك، وهَوَى مماليك سيدي أن لا يقع تقويض، ولا يُعدم للمدبر الحكيم تسليمٌ وتفويض، فالذي دبَّره في الأحشاء، وحكَّم في صورته الحسنة يدَ الإنشاء، حيث لا سببٌ يُعمل، ولا فكر فيما يُلغى ولا فيما يعمل، ولا حيلةٌ تُحْكَم، القوة العاجزة واللسان الأبكم، هو الكفيل لك بحفظ المنصِب، وصون الجناب المخصِب، حتى تستوفي عمر النهاية حِلْسَ وسادك، فائزاً بنعيم الدارين على رغم حسادك، وتَطْرَبُ إذا قَرَعَتْ المنابرَ المفضلَة عُصيّاتُ حفدتِك وأولادك، تحت كفالتك وبإرفادك، وسيدي شيخ زاوية الخلافة. فلا أَقْفَرَ منه محرابها، ولا أغفلت من غرر صنائعه البيض عُرابُها، ولا استوحش من حسام رأيه السديد قرابها، وعندما ورد البشير برجوع نَيِّرِكَ الأعظم إلى بيت شرفه، واستحثاث بريد الخلافة ركاب منصرفه، قلت اللهم اكتب خُطاه وأجْرَه، وارْعَ في معاملة أوليائك تَجْرَه، وغَبِّطهُ بعد بالمُقام في المَقَام الذي فيه أقمته، وأرغمت الباطل ووقَمْتَه، وهَنِّهِ الإيابَ الذي أزحت به الارتياب، والقفول الذي كفيت به آمالنا الأفول - والسلام.
وخاطبت في سبيل الدعابة من تزوج قَينة:
كتبتُ أغبطُك، أعزك الله، بتسويغ اللذات، وتهنى طيب الحياة، ولباس خِلَع الخلاعة ولو قامت الساعة، فإنما الإنسان بيومه لا بقومه، وبوقته لا بالمبالات بمقته، وأدعو الله أن يُجزل أجرتك، ويتقبلَ هجرتك، ويُؤَمِّنَ من الشرط حجرتك، ويعطف على محلِّكَ قلوبَ الفتيان، ويقربهم للإتيان، ويقطع بشهرة قينتك حظوظ القيان، ويسلبك الغيْرة التي تفسد العشرة، وتكشف القشرة، وكأنني بك أعزك الله وقد ظهرت بوجهكَ سعفة النبيذ، وتَفَطَّر لها جلد وجهك تفطُّر جلد الجَدي الحنيذ، وأصاب أسنانك الحَفَر، وريحك البَخَر، وعينك الشَّتَر، وشعرك الحَزَاز ويدك الكُزَاز، وأصبحت مخموراً، مَنْهياً من عيالك مأموراً، وقد أعْلفت عمامتك بسروالك، وسدلت القشرة البيضاء إلى أسمالك، وقعدت بدُكة بابك تتلقف العيَّارة، وتعترض السيارة، وتُعيِّنُ للوقت الزيارة، فإذا اقتضيت النقد من الخرْج، ودَلَلْتَ الفحول على المرج، وخَطبتَ لمشاهدة الرقص والدَّرج، نهضت لشراء مُرِنِّ حجولك، وما يتكفل بسولك، من طراوةٍ تصقُل البشرة وتنقيها، ولخلخة تستر رائحةَ الإِبْط وتخفيها، وسَنونٌ يطيب الفم، ويوافق الشم، وضمادٌ يشد الثدي إذا ذَبُل، وفَرْزَجة تمنع الحبل، وحَشَوْت جنبيك أوتاراً، وأعددت دُستاناً ثانياً وحمَّاراً، وشاركت على المرابحة خمّاراً، وبسطت نِطع القعود، وأعددت لإيداع الفتوح غشاء العود، وترددت إلى الباب توقعاً لإخلاف الوعود، فأقسم عليك يا سيدي أن لا تُغْفِلَنَا من بالك، ولا تنسنا من حَرامِك المصحَّفِ أو حلالك، وأَسهِمنا في فضل تجارتك، وعيْنَ جُعالتك وإجارتك، واضرب لنا بحظٍ في قسْم ما في طنجهارتك - والسلام.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع