من «معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
تلمسان
قلت: فمدينة تلمسان؟
قال: تلمسان مدينة جمعت بين الصحراء والريف، ووضعت فى موضع
شريف. كأنها ملك على رأسه تاجه، وحواليه من الدوحات حشمه وأعلاجه عبادها يدها، وكهفها كفها، وزينتها زيانها، وعينها أعيانها. هواء المقصور بها فريد، وهواؤها الممدود صحيح عتيد، وماؤها برود صريد. حجبتها أيدى القدرة عن الجنوب، فلا نحول فيها ولا شحوب.
خزانة زرع، ومسرح ضرع. فواكهها عديدة الانواع، ومتاجرها فريدة الانتفاع، وبرانسها رقاق رفاع.
الا أنها بسبب حب الملوك، مطمعة للملوك، ومن أجل، مغلوبة للامرا. أهلها ليس عندهم جمعها الصيد فى جوف الفرا الراحة، الا فيما قبضت عليه الراحة، ولا فلاحة، الا امن أقام رسم الفلاحة. ليس بها لسع العقارب، الا فيما بين الاقارب، ولا شطارة الا فيمن ارتكب الخطارة
ثم لما وصل الى هذا الحد، نظر الى حاج السوق قد أفاض، ومزاده قد أعمل فيه الانفاض، وعلو الاصوات به قد صار الى الانخفاض، فقال: وجب اعتناء بالرحيل واهتمام، وكل شىء الى تمام. ومددت يدى الى الوعاء فخرقته، والى العين فأرقته، وقلت له: لاحكمنك من كرام بنى الاصفر، فى العدد الاوفر، ماثلة فى اللباس المزعفر، فلما خضب كفيه بحنائها، وحصلت النفس على استغنائها، استدنانى، وشبك بنانه ببنانى، وقال: لاحبط عملك، ولا خاب أملك، ولا عدم- المرعى الخصيب-
هملك، فنعم مغلى البضائع، وحافظ الفضل الضائع، ومقتنى الفوائد، ومعود العوائد. واستثبت مخيلته، فاذا الشيخ وتلميذه، وحماره ونبيذه، قد تنكر بالخضاب المموه، والزى المنوه، وعاث بخد الغلام الشعر المشوه. فقلت: هيه، أبت المعارف أن تتنكر، والصباح أن يجحد أو ينكر، كيف الحال بعدى؟ وما اعتذارك عن اخلاف وعدى؟
فقال:
خذ من زمانك ما تيسرواترك بجهدك ما تعسر
ولرب مجمل حالةترضى به ما لم يفسر
والدهر ليس بدائملابد أن سيسوء ان سر
واكتم حديثك جاهداشمت المحدث أو تحسر
والناس آنية الزجاجاذا عثرت به تكسر
لا تعدم التقوى، فمنعدم التقى فى الناس أعسر
واذا امرؤ خسر الالهفليس خلق- منه- أخسر
ثم ضرب جنب الحمار، واختلط فى الغمار، وتركنى أتقرى الآثار، وكل نظيم فالى انتثار.
تمت والحمد لله
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع