تجاوز إلى المحتوى

من «معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

فاس

قلت: فمدينة فاس؟

فقال:

رعى الله قطرا ينبت الغنىوآفاقه ظل على الدين ممدود

نعم العرين، لاسود بنى مرين، ودار العبادة التى يشهد بها

ناعورة فى جنان السبيل (فاس)

مطرح الجنة ومسجد الصابرين. أم القرى، ومأم السسرى، وموقد نار الوغى ونار القرى. ومقر العز الذي لا يهضم، وكرسى الخلافة الاعظم. والجرية التى شقها ثعبان الوادى فما ارتاعت والابية التى ما أذعنت اذعانها للايالة المرينية ولا أطاعت.

أى كلف وكلف! ومتفق ومختلف! ومحاباة وزلف! وقضيم وعلف! وخلف عن سلف! انما الدنيا أبو دلف !.

سألت عن العالم الثانى، ومحراب السبع المثانى، ومعنى المغانى، ومرقص النادب والغانى، وارم المبانى، ومصلى القاصى والدانى. هى الحشر الاول، والقطب الذي عليه المعول، والكتاب الذي لا يتأول. بلد المدارك والمدارس، والمشايخ والفهارس، وديوان الراجل والفارس. والباب الجامع من موطأ المرافق، ولواء الملك الخافق، وتنور الماء الدافق، ومحشر المؤمن والمنافق، وسوق الكاسد والنافق، حيث البنى النى نظر اليها عطارد فاستجفاها وخاف عليها الوجود أن يصيبها بعينه الحسود فسترها بالغور وأخفاها. والاسواق التى- ثمرات كل شىء اليها- قد جبيت، والموارد التى اختصت بالخضر وحبيت، والمنازه المخطوبة، وصفاح الخلج المشطوبة، والغدر التى منها أبو طوبة.

بلد أعارته الحمامة طوقهاوكساه رويش جناحه- الطاووس
فكأنما الانهار فيه مدامةوكأن ساحات الديار كؤوس

اجتمع بها ما أولده سام وحام، وعظم الالتئام والالتحام، فلا يعدم فى مسالكها زحام. فأحجارها طاحنة، ومخابزها شاحنة، وألسنتها- باللغات المختلفة- لاحنة، ومكاتبها مائجة، ورحابها متمائجة، وأوقافها جارية، والهمم فيها- الى الحسنات وأضدادها- متبارية.

بلد نكاح وأكل، وضرب وركل، وامتياز من النساء بحسن زى وشكل، ينتبه بها الباه، وتتل الجباه، وتوجد للازواج الاشباه. الى وفور النشب، وكثرة الخشب ووجود الرقيق، وطيب الدقيق، وامكان الادام، وتعدد الخدام، وعمران المساجد والجوامع، وادامة ذكر الله فى المآذن والصوامع.

وأما مدينة الملك، فبيضاء كالصباح، أفق للغرر الصباح، يحتقر- لايوانها- ايوان كسرى، وترجع العين حسرى، ومقاعد الحرس، وملاعب الليث المفترس، ومنابت الدوح المغترس، ومدرس من درس أو درس، ومجالس الحكم الفصل، وسقائف الترس والنصل، وأهداف الناشبة أولى الخصل.

وأواوين الكتاب، وخزائن محمولات الاقتاب، وكراسى الحجاب، وعنصر الامر العجاب.

الى الناعورة التى مثلث من الفلك الدوار مثالا، وأوحى الماء الى كل سماء منها أمرها فأبدت امتثالا، ومجت العذب البرود سلسالا، وألفت أكوابها الترفه والترف، فاذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى.

فاس

(المدرسة البوعنانية)

وقوراء من قوس الغمام ابتغوا لهامثالا أداروها عليه بلا شك
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «وقوراء من قوس الغمام ابتغوا لها»
فبين الثريا والثرى سد جرمهاوللفلك الدوار قد أصبحت تحكى
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «وقوراء من قوس الغمام ابتغوا لها»
تصوغ لجين النهر فى الروض دائمادراهم نور قد خلصن من السبك
وترسل من شهبانها ذا ذؤابةفتنفى استراق السمع عن حوزة الملك
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «وقوراء من قوس الغمام ابتغوا لها»
تذكرت العهد الذي اخترعت بهوحنت فما تنفك ساجعة تبكى
للشاعر لسان الدين بن الخطيب، من قصيدة «وقوراء من قوس الغمام ابتغوا لها»

ثم قال: الا أن حر هذه المدينة مذيب، وساكنها ذيب، ومسالكها وعرة، وظهائرها مستعرة، وطينها هائل، وزحامها حرب وائل.

أن نشد الجفاء ناشد، فهى ضالته المنشودة، أو حشد أصنافه حاشد

فهى كتيبته المحشودة. الى بعد الاقطار، وعياث الميازب أوقات الامطار، والاشتراك فى المساكن والديار، على الموافقة والاختيار، وتجهم الوجوه للغريب، ذى الطرف المريب، وغفلة الاملس عن الجريب، ودبيب العقارب، أرسالا كالقطا القارب. وأهلها يرون لانفسهم مزية الفضل، ويدينون فى مكافأة الصنائع البالغة بالعضل. يلقى الرجل أبا مثواه فلا يدعوه الى بينه، ولا يسمح له ببقله ولا زيته، فلا يطرق الضيف حماهم، ولا يعرف اسمهم ولا مسماهم، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ،

وقليل ما هم.

ومقبرتهم غير نابهة، وأجداثها غير متشابهة، مشربة حيوان، ومشبعة جرذان، غير وان.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.