من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
وفاة الراضى
وتوفى الراضى ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وغسله أبو الحسن بن عبد الواحد الهاشمى وقد ولى القضاء. فحدثنى أنه ما رأى ميتا أحسن منه ولا أطيب عرضا ولا أنظف جسدا منه، وأنه كان يصب الماء عليه خادم أسود وأن القاضى أبا نصر كان واقفا يعينه على قلبه إذا أراد أن يقلبه لا يعينه من أمره على غير ذلك، وأنه لم يؤت بحنوط من الدار لأن الخزائن كلها أقفل عليها، ووكل بها فوجه القاضى إلى الكرخ إلى المعروف بابن أبى ذكرى العطار، حتى حمل من دكانه حنوط وجميع ما يحتاج إليه، وصلى عليه القاضى أبو نصر وحمل فى طيار فى دجلة إلى بين القصرين.
وأخرج ثم حمل مع الخدم إلى الرصافة. فحدثنى من رأى مع الجنازة عشر شمعات بأيدى عشرة من الخدم، ودفن فى ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول. فكان جلوسه فى الخلافة من يوم الأربعاء لخمس خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة إلى يوم وفاته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام.
وكان مولده فى شهر رمضان سنة سبع وتسعين ومائتين، فكان عمره إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر وتوفى والوزير له سليمان بن الحسن، وحاجبه أبو الفهم ذكى غلامه. وقاضيه أبو نصر يوسف بن عمر بن محمد، وصاحب شرطته
الترجمان محمد بن ينال، والأمير على الجيش، والغالب على الأمور بجكم التركى، وكان قبل وفاته مقيما بواسط، وكانت به علل كثيرة، وكان يقول أنا مذ حبسنى القاهر عليل إلى وقتى هذا وتزايدت علته قبل وفاته بسنة وفسد مزاجه، وكان ذلك أصعب علله. وكان يلقى من فمه دما كثيرا، حتى ألقى من فمه فى يومين وليلتين- على ما قال سنان- أربعة عشر رطلا، وكان أكثر ذلك بحضرتنا ولقد أعطاه سنان دواء يأخذه بملعقة فبقيت الملعقة فى يده ساعة، كلما أومأ بها إلى فيه غلبه الدم. حتى أمسك قليلا فرمى بما على الملعقة إلى فيه، ثم عاوده الدم. وكان مع هذا فى جوفه غلظ تزايد فى آخر أيامه، وكان كثير الخلاف على من يطبه، لا يقبل مشورته، ويضمن أن يحتمى ولا يفى بضمانه وكان الجماع والشراب أعظم آفاته مع عشاء يديمه كل يوم على غير حاجة إليه، وهذا ما ذكرت من أخباره أنه لم يكن فيه عيب إلا مسامحته نفسه فيما تشتهيه، وما كان أكله بالكثير ولا شربه، ولكن شهوته زادت على طاقة جسمه وقوته.
ومن شعره عند زيادة علته
أيا نفس كونى بعد علمك والفحصعلى حذر وارضى من الكلّ بالشّقص
ثقى واعلمى أنّ الممات معجّلإلى كلّ ذى زهد عزوف وذى حرص
ولا تطلبى حال التّمام فانّهإذا تمّ أمر المرء آذن بالنّقص
ومن شعره
كلّ صفو إلى كدركلّ أمر إلى حذر
ومصير الشّباب للموت فيه أو كبر
درّ درّ المشيب منواعظ ينذر البشر
أيّها الآمل الّذىتاه فى لّجة الغرر
أين من كان قبلناذهب الشّخص والأثر
سيردّ المعار منعمر كلّه خطر
ربّ إنّى ذخرتعندك أرجوك مدّخر
إنّنى مؤمن بمابيّن الوحى والسّور
واعترافى بتركنفعى وإيثارى الضّرر
ربّ فاغفر لى الخطّية يا خير من غفر
تمت أخبار الراضى بالله، يتلوه أخبار المتقى
﷽
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع