من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
أخبار المتقى لله
قال ابو بكر محمد بن يحيى بن عبد الله الصولى قد فرغنا من عمل اخبار الراضى بالله وذكر وفاته، وكانت ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول، سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، ودفن فى التربة ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت منه وفى هذه الليلة دخل أحمد بن على الكوفى من واسط إلى بغداد.
وهو كاتب الأمير أبى الحسين بجكم ومدبر أمر الدولة. وكان محمد بن ينال الترجمان قد عاد من الأنبار، فولى أبو القاسم سلامة أمر الدار ورسم بحجبة من يستخلف وتقدم إليه بحفظ الدار، فولى ذلك أبو الحسين القشورى فضبط أحسن ضبط، ختم على دواوين المستخلصة وعلى جميع الخزائن، ووكل بذكى حاجب الراضى وبراغب خادمه أحسن توكيل أراهما أنه يريدهما لمعاونته، وكان معهما فى مكان واحد إلى أن تسلم منه الأمر.
وذكر للخلافة جماعة فزعموا أن بعضهم أبى والتدبير إلى غيره وكان أبو الحسين أحمد بن محمد بن ميمون بن هارون الأنبارى يكتب للأمير أبى إسحاق ابراهيم بن المقتدر بالله، وأمه أم ولد. فسعى له فى الأمر، وتضمن عنه كلما يراد منه ووصفه بتوق وصلاح، وأنه
لا يشرب النبيذ، وشاع له هذا فى الناس، وكتب به إلى بجكم فكتب أن يعقد الأمر له، بعد أن يجمع مشايخ بنى هاشم من ولد على والعباس صلوات الله عليهما، ومشايخ الكتاب ووجوه العدول والتجار، ليقع إجماعهم عليه. ولا يكون هو المنفرد بهذا الرأى، ولا المختار له دونهم.
فوقف الأمر بهذا السبب أياما إلى يوم الأربعاء لعشر ليال بقين من شهر ربيع الأول فقال لى البرجمالى فى عشية الثلاثاء اختر للخليفة اسما فكتبت له رقعة فيها ثلاثون اسما وكتبت مثلها ودفعت واحدة إليه وأنفذت الأخرى إلى أحمد بن محمد بن ميمون، وضمنا لى إخراج حق التسمية، وما وفيا لى من ذلك بقليل ولا كثير، ولا عوضانى ولا شفعا لى ولا أذكرانى واجتمع الناس فى يوم الاربعاء لعشر ليال بقين منه فى دار الأمير بجكم، وحضر أبو الحسن على بن عيسى تاج الدولة وجمالها، وشيخ الإسلام، وحضر الكرخى محمد بن القاسم، وأبو بكر عثمان بن سعيد الصيرفى صاحب ديوان الجيش، وتخلى احمد بن على الكوفى فى حجرة فى الدار مملوءة بوجوه الناس، فوجه إلى جماعة من الأشراف فوصلوا إليه مع على بن عيسى فخوطبوا، فكان أول من تكلم وتبع الناس قوله أبو الحسن على بن عيسى، فأنه قال: الله مطلع على النيات، عالم بالخفيات وليس لنا إلا الظاهر، ليس فيمن أسمى أحد يبلغنا عنه ما يبلغنا عن أبى اسحاق ابراهيم بن المقتدر بالله؛ فان كنتم عازمين عليه فاستخيروا الله جل وعز، وأمضوا أمره. فقال له أحمد بن على الكوفى: إن الأمير أعزه
الله أمر أن يسمع منك، وان يقبل رأيك، ونحن نعمل على هذا. فقال جميع من حضر مثل قوله. فمضى ابن ميمون والترجمان ليحدراه من داره التى بحضرة دار البطيخ فدخلا إليه وهنآه وأخرجاه فسار فى الماء الى الحسنى دار الخلافة، والناس حوله يدعون له إلى أن صعد. وقد نظر فى رقعة الأسامى فاختار منها المتقى لله، وصعد إلى رواق الخورنق فصلى ركعتين على الأرض، ثم جلس على السرير، وبايعه الناس باقى يومه وأياما بعد ذلك. وكل من بايعه أحلف على طاعته ونصيحته، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه.
ودخلت من الغد أنا وجماعة من المرسومين بالمجلسة فبايعناه، وحجبه أبو القاسم سلامة أخو نجاح الطولونى، فوقف موضع الوزير عند ابن ميمون، فاستأذنته فى الإنشاد فأذن فأنشدته:
شهيداه إن لم تظلميه نحولودمع له فى وجنتيه همول
وهى قصيدة كنت مدحت بها المكتفى بالله، فلما دخلت قال لى ابن ميمون أما عملت شعرا؟ وما كنت عملت- فقلت أعمل الساعة فقلبت مواضع القصيدة وكتبتها.
أيرضيك أن تضنى فدام لك الرّضاسيقصر عنه حاسد وعذول
تقول وقد أفنى هواها تصبّرىفوجدى على طول الّزّمان يطول
تجاوزت فى شكوى الهوى كنه قدرهوما هو إلّا زفرة وغليل
وما أرقت عين لها فيه ليلةفخف عليها الحبّ وهو ثقيل
وجدت إلى قتلى سبيلا وليس لىإلى الصّبر والسّلوان عنك سبيل
فدونك نفسى فاجعلى تحفة الرّدىحشاشتها إذ حان منك رحيل
ويكبر من يلقى إليك بودّهوإنّ هوانى فيكم لفليل
وما ازداد إلّا صحّة بعدك الهوىولكنّ قلبى ما نأيت عليل
لعمرك لا أتبعت ما فات بالأسىورأى أمير المؤمنين جميل
هو الدّين والدّنيا فليس لطالبولا راغب عمّا لديه مميل
سمّى خليل الله لازلت مقبلاعليك بنعمى ذى الجلال قبول
وقاك الّذى سمّاك متّقيا لهفأنت عماد الدّين ليس يزول
أديل بك الإسلام فازداد عزّةفأنت من الدّهر الغشوم تديل
مطيعك أنّى حلّ فالعزّ جارهوعاصيك لو نال النّجوم ذليل
مددت على الاسلام أكناف نعمةلأعطافها ظلّ عليه ظليل
فأضحت عيون العدل تسموا بلحظهاوأصبح طرف الجور وهو كليل
أضاءت بك الدّنيا فأشرق نورهاوأنت الّذى يذكى سناه أفول
فكلّ علاء إن سموت مقصّروكلّ فخار إن فخرت ضئيل
وكلّ سناء من طريف وتالدإليك مشير بل عليك دليل
ولولا بنو العبّاس عمّ محمّدلأصبح نور الحقّ فيه خمول
لكم جبلا الله اللّذان اصطفاهمايقومان بالأسلام حين يميل
نبوّته ثمّ الخلافة بعدهاوما لهما حتّى اللّقاء حويل
أتتك اختيارا لا احتلابا خلافةلك الله فيها حافظ ووكيل
حباك بها من صانها لك إنّهباتمام نعماه عليك كفيل
ولو حدت عنها قادها بزمامهاإليك اصطفاء الله وهى نزيل
ثوت حيث أثواها المليك بحكمهوليس لما أثوى المليك حويل
ولا زال موصولا إليك حنينهاكما حنّ فى إثر الخليل خليل
ليهنيك يا خير البريّة ناصحله خطر فى العالمين جليل
لقد شدّ أزر الدّين مولاك بجكمبه يتسامى ملككم ويطول
هو الحتف مصبوبا على كلّ ناكثيظلّ به أيدى الشّقاء نحول
فما لكم فى المنعمين معاندوليس له فى النّاصحين عديل
فلا زلت محروسا لك الملك دائمابقاؤك ما واصى الغدوّ أصيل
لعبدك إذ سمّاك رسم مشهّربه يتسامى فى الورى ويصول
ومثلك أعطى رسمه متنوّلافما زلت تعطى منعما وتنيل
فجعلت إذكارى له تسميتى آخر القصيدة ليفهمه، فو الله ما وصل إلى منه عاجل ولا آجل شيئا، حتى انقضت أيام ولايته.
وليس هذا الشعر كجودة أشعارى فى الراضى بالله، لأن ذلك كان أعلم الناس بالشعر فكنت أتنخل له الألفاظ، وأختار علوى الكلام وولى الخلافة المتقى لله وجعل صاحبه سلامة، وكان سليمان بن الحسن المرسوم بالوزارة. وأمره المتقى لله أن يركب إليه فركب مرات، ثم إنه ارتعد يوما وهو واقف بين يديه ونالته خطرة من رطوبة فخرج يهادى بين اثنين ولزم منزله. وعقد المتقى لله لبجكم لواء وجعله أمير الأمراء ونفذ به سعيد بن خفيف الحاجب إلى واسط، وخرج أمر بجكم أن يلى أبو عبد الله محمد بن أبى موسى قضاء الشرقية والجانب الشرقى من مدينة السلام، وكانا إلى أبى نصر يوسف بن عمر وإلى أخيه. ثم وجه السلطان إلى أبى نصر قد أقررتك على عملك، فحكم فى آخر شهر ربيع الآخر وعرف منه سداد ورشد، ووقع فى القضاء تخليط بسبب أبى عبد الله ابن أبى موسى الهاشمى وشهادة العدول له ثم عليه شهادتين متضادتين، فسفر فى إبطال أمر أبى نصر فعزل، وولى أبو عبد الله محمد بن عيسى الضرير قضاء الجانب الشرقى والشرقية، وولى أبو طاهر بن نصر قضاء المدينة وخلع عليهما يوم الخميس لتسع خلون من جمادى الآخرة وجلسا وقرآ عهدهما وحكما، وصرف ابن بريه عن الصلاة بالجامع الغربى، وولى ذلك حمزة لتسع بقين من شهر ربيع الآخر
وقرىء كتاب عن الخليفة يأمر الناس بالاستسقاء، فخرج الناس يوم الاثنين لست بقين من شهر ربيع الآخر أهل الجانب الشرقى إلى المصلى، وأهل الجانب الغربى إلى ميدان الأشنان ومعهم حمزة الإمام وحكى أن المتقى لله ما زال يصلى فى داره على الأرض، ويلصق خده بالتراب ويدعو.
وخرج الأمر بأن يصلى أحمد بن الفضل بمسجد براثا، وجعل فيه منبر مكتوب عليه «مما أمر به الرشيد سنة اثنتين وتسعين ومائة، على يد الفضل بن الربيع» وجعلت الصلاة بالجانب الشرقى إلى أحمد بن الفضل أيضا، وكان يصلى هو بالناس فيه ويصلى ابنه بمسجد براثا، ثم صرف أحمد بن الفضل بن عبد الملك عن مسجد الرصافة بأبى الحسن بن عبد العزيز.
وكان من أول الحوادث أنه قطع على القافلة الخارجة من مدينة السلام إلى خراسان فى جمادى الأولى، قطع عليها أكراد الشادنجان، وكان لؤلؤ يحميها ومعه جماعة من الأتراك فكثر عليه الاكراد ودام المطر فلم تعمل قسى الاتراك شيئا وإنما هى عدتهم فتمكن الاكراد منهم بالسيوف والرماح فملكوها كلها، وكان فيها من العين والورق ما مبلغه ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الأمتعة ما قيمتها نحو ذلك، وكان أكثر المال لأصحاب بجكم أنفذوه إلى بلدانهم بخراسان ولقد حدثنى بعض من يخبر الأمر، وهو المعروف بعدل حاجب بحكم أنه كان له وحده ثلاثون ألف دينار، ولسائر قواده أموال جليلة
وحدثنى من أثق به من التجار أن تاجرا من قطيعة الربيع حمل أمتعة فى هذه القافلة لزمه لكرى أحماله نحو ألفى دينار، فما ظنك بمتاع هذا مبلغ كرائه! وكم تظن أن قيمته تبلغ؟
وإنما كثر المال فيها والمتاع لأن قوما من مياسير التجار خرجوا بجميع أملاكهم هربا من جور تكينك التركى صاحب أمر بجكم كله، فانه أفرط فى ذلك وأسرف وبجكم لا يعلم بما يفعله بالناس، فلما صح ذلك عنده وجه بأبى حامد الطالقانى من واسط حتى قبض عليه، فلما وصل إليه حبسه وأخذ منه مالا وكان بجكم يزعم أنه قد فقد مما كان عنده أموالا جليلة.
ولما رأيت أنا أن المتقى لله لا يريد جليسا، وما سمع بخليفة قط قال: لا أريد جليسا، أنا أجالس المصحف أفتراه ظن أن مجالسة المصحف خص به دون آبائه وأعمامه الخلفاء. وكان وحده دونهم، أو أن هذا الرأى غمض عليهم وفطن هو وحده له؟ فاستأذنت فى الخروج فأذن لى.
ولقد كنا وقوفا بين يدى المتقى فقال لنا بعض الخدم: ليس هذا مثل الراضى هذا لا يريد الجلساء، فقلت لهم لئن كان هذا الامر كما زعمتم فانه ردىء لنا وردىء لكم، وأعظم الأمر أنه ردىء على الخليفة وعائد بخلاف ما يهواه ويقدره، فما زال بعض الخدم يقصدنى ويقول لى كان الأمر كما قلت لنا.
ولما وصلت الى واسط دخلت الى بجكم فأكرمنى وقربنى وأمر
أن يؤخذ لى منزل بقربه، وأدخلنى فى جملة ندمائه وذوى أنسه، ووصلنى سرا وعلانية، وكان ربما وجه الى بالعشيات اذا خلا، فأدخلنى أنا وقاضى واسط المعروف بالعسكرى، فربما شاورنا فى الشىء.
وأنا أجمل وصفه ووصف حسن أخلاقه وجميل عشرته وعلو همته ومحبته، لأن تبقى آثاره بعده، كما بقيت آثار أجلاء الملوك.
فجملة أمره أن كان عقله أكثر شىء فيه، فسأله جماعة من أهل واسط أن يأمرنى بالجلوس لهم فى المسجد الجامع يوم الجمعة، فتقدم إلى بذلك، فقلت له قد جعلت لهم مجلسين فى مسجد على بابى فى كل أسبوع، وأنا ما جلست ببغداد وهى بلدى ومولدى بعد فى المسجد الجامع! فقال لى إنى أحب أهل واسط وقد أحبونى وأنا حريص على عمران بلدهم وتبليغهم جميع ما يحبونه، فاجلس لهم فى الجامع ففعلت.
وكان ربما شغلونى عن خدمته والأوقات التى يريدنى فيها لمواكلته ومجالسته، وكنا نخدمه فى كل يوم بلا نوبة، فجعل لنا من أجل مجلس الجمعة يومين فى الأسبوع الثلاثاء والجمعة نجلس فيهما فى بيوتنا فكنت مباركا فى ذلك على الجماعة المجالسين له ولقد قال يوما وكان يفهم العربية كلها اذا خوطب، ويحسن الجواب، ولكنه كان يقول أخاف أن أتكلم بالعربية فأخطئ فى لفظى، والخطأ من الرئيس قبيح، فلذلك أدع الكلام. فقال لى يوما أتدرى ما كتب به الى بعض أصحاب الأخبار- وما رأيتهم قط مع أحد اكثر منهم معه- ففزعت والله وقلت وما هو أيد الله الأمير؟
قال: طلبتك فلما قمت من المسجد قالوا بعدك أعجله الأمير ولم يتم مجلسنا، أفتراه يقرأ عليه شعرا أو نحوا ويسمع من الحديث! وقد ذهب عليهم أمرى أنا إنسان وإن كنت لا أحسن العلوم والآداب أحب أن لا يكون فى الأرض أديب ولا عالم ولا رأس فى صناعة إلا كان فى جنبتى وتحت اصطناعى، وبين يدى لا يفارقنى، كلاما يشبه هذا أو هذا معناه. فما زلنا فى أرغد عيش وأحسن حال حتى قدم واسط بعض الجلساء طالبا خدمته، فكرهت ذلك من جهات.
فوصل إليه وأهدى إليه أشياء يتقرب بها، وكانت كراهتى له أن يجتمع الجلساء فيقال له فى ذلك، ووافق قدومه قدوم احمد بن على الكوفى واسط بعده بمال اجتمع له، فقال له ما أحب أن يكون جلساء الخلافة عندك، الصواب أن يكونوا على بابه. فدعانى عشية، وقال لى قد أجريت عليك ألفى درهم فى أيامكم وهى خمسة وأربعون يوما، وكذلك على اسحاق بن المعتمد وابن حمدون وعلى بن هارون- وهو الذى كان قدم عليه- وقد حضر خروجى إلى المذار وقد أمرت لكم بمائة دينار مائة دينار. وهذه رقعة لك بألفى درهم صلة إذا وصلت إلى بيتك إلى بغداد فأوصلها إلى أبى عبد الله وخذها من وقتك، فانه لا يعطيكم الرزق إلا بعد مضى أيامكم، ولا تقم أكثر من شهر، أو حتى تقبض رزقك حتى تعود إلى، وجئنى بخطبة أمير المؤمنين معك، وكان القاضى العسكرى قرأها عليه منتخبة
غير تامة، ثم قال وأنا بعد هذا أحسن إلى جماعتكم حتى لا تفقدوا بقاء الراضى فقلت له فما بال العروضى والبربريين وهم فى جملتنا؟
فقال لى إذا قدمت بغداد فأجرى عليهم، وكان معه كتاب قد أمر بكتبه إلى الكوفى بمبلغ أرزاقنا فقلت له قد كرهت أن يكون الجلساء سبعة فاحمل أرزاق أربعة واترك ثلاثة، فدفع الكتاب إلى القاسم بن أبى القاسم الخوارى وكان يكتب بين يديه، وقال له ادفع الكتاب إلى ابن المنجم، فدفعه إليه فكان معه وخرج يوم الأربعاء وقال لى متى تخرج؟ قلت: يوم السبت فمضى إلى باذبين فبات بها ليلة الخميس ودفع أبو زكريا يحيى بن سعيد السوسى كتابه فى ليلة الجمعة بأنه مقيم وأن الخبر ورد عليه بهزيمة بنى البريدى من المذار وأخذ أسرى من أصحابه، وقال له اعط الكتاب للصولى حتى يقرأه على الناس يوم الجمعة فى مجلسه فدفعه إلى ففعلت ما أمر، واقمت مستمليا لى على شىء عال حتى قرأه؛ فكثر ضجيج الناس بالدعاء له، وظنوا أنه سيرجع ونووا صدقات كثيرة، ثم ورد الخبر بالترحل عن باذبين يوم الجمعة وخرجت أنا من واسط يوم السبت، وقدمت بغداد يوم الجمعة وبكرت يوم السبت لأوصل الرقعة التى معى إلى احمد بن على الكوفى فوجدته مضطر بالطير سقط فى يوم الجمعة يخبر بأن الأمير قتله بعض
الأكراد غرة، فبطل أمرنا فى الرزق وغيره، وقوى الخبر. وكان أحمد ابن على قد ابتدأ فى مطالبة الناس بالخراج فى النيروز الأول، فخرج أمر بجكم بتأخير الافتتاح إلى النوروز المعتضدى.
وكنا بين يدى بجكم حتى ورد الخبر عليه بالقطع على القافلة بطريق خراسان، فامتنع من الطعام غما بذلك واضطرب له، وقال: لو ساغ لى أن أسير أنا فى طلبهم لسرت، وأمر الترجمان بأن يخرج فى طلبهم وقوى أمره فخرج، فما صنع شيئا. ورجع فى النصف من رجب بأديم كان وجد مطروحا وحمير، فقال بجكم لما بلغه: هو رجل جيد لغير الحرب.
وانحدر الترجمان من بغداد الى واسط لعشر بقين من رجب فوافاها وقد شخص الى المذار. وورد الخبر بايقاع صاحب خراسان بأخى مرداويج وهزيمته اياه. وقد كان ورد على بجكم قتل ما كان فاحتجب ثلاثة أيام عنا غما بما ظهر فقلنا له فى ذلك فقال: هو مولاى، كنت أقدر أن يرى ما صرت اليه، ثم أجلسه فى مكانى وأكون معه وما رأيت فارسا مثله قط.
ولما صح قتل بجكم حمل أحمد بن على الكوفى مالا كان قد اجتمع عنده الى المتقى لله، ووجد المتقى فى دار بجكم أموالا كثيرة مدفونة فى مواضع منها، حول البستان فى خوابى ودنان كثيرة، فاستخرجها وحملها اليه. ووجد القاهر- وكان فيما زعم يعذب فى أيام الراضى- فصرفه الى منزله، وصرف ابا جعفر محمد بن يحيى بن
شيرزاد الى منزله، بعد أن أدى مائتى ألف دينار، ولم يبق له شىء إلا باعه وتمحل واقترض.
وظهر سعيد بن عمرو بن سنكلا، وكان كاتب الراضى فصادره أحمد بن على على خمسين ألف دينار وأحسن معاملته وكافأه، لأن ابن سنكلا كان أحسن اليه حين صودر، إلا أنا كنا نسمع بجكم يعجب من هذه المصادرة ويغتاظ إذا ذكرها، ويقول أقوالا لا أحب إعادتها وظهر على بن يعقوب، وكان يكتب لذكى الحاجب فصودر على سبعين ألف دينار وكتب المتقى لله بإحدار تركة بجكم والمصير بها اليه وبالأتراك، وأن تخلى عن الديلم فلا يأتى منهم بأحد، ففعل ذلك. فانحاز الديلم الى عدل الحاجب كان لبجكم وصاروا معه، واحتال تكينك حتى قبض على بعض الخزائن وعلى الترجمان وأقبل نحو بغداد، وورد من قبل الحسن بن عبد الله مال الى بجكم، فحمله الكوفى الى المتقى لله، وأطلق المتقى لله للفرسان الذين بالحضرة رزقة واحدة، وللرجال رزقتين.
وهاج الحنبلية عند موت بجكم فقالوا طهرت السنة، وحاولوا هدم مسجد براثا، والايقاع بالضرابين واهل درب عون. فأخرج توقيع من المتقى لله بأخذ قوم من الحنبلية فأخذوا وضربوا ونودى عليهم وأمر ابن جعفر الخياط بحفظ مسجد براثا، وأن يضرب عنق من تعرض لهدمه وكان الترجمان وجد تكينك مقيدا فى دار بجكم بواسط
فخلاه. فاحتال عليه تكينك حتى أخذه فكتب السلطان الى تكينك فى امره فولى امارة بغداد، ونادى ببراءة الذمة ممن تعرض لأحد من الجند الواردين من واسط، فدخل الجند بغداد فى أول شعبان، ودخل تكينك ومعه مال فى صناديق محمول على خمسة وعشرين جملا. فسلمه إلى السلطان ونزل دار على بن هارون اليهودى الجهبذ على قرن الصراة، بلصق دار المادرانى وابراهيم بن أيوب النصرانى، وخلع على جماعة من قواد الأتراك وأخر تكينك إلى يوم بعد ذلك، وطالب الأتراك ببيعة فقيل لهم ليس إلا رزقة، فقالوا لا نرضى إلا ببيعة ورزقة وخاصم توزون أبا الأسوار قائد الديلم فلما رأى الديلم ذلك اجتمعوا وكثر عددهم، وأمروا عليهم أبا شجاع جورغين بن القاراهى وورد الخبر بدخول أبى الحسين على بن محمد البريدى واسط وخلع على أبى الحسين احمد بن محمد بن ميمون للوزارة لعشر خلون من شعبان وجلس أحمد بن على الكوفى بين يديه، وكان يكتب على رقاعه إليه عنده أحمد بن على ووجه السلطان بمن يقبض على تكينك فى داره، وكان الخبر قد وقع إليه فخرج على الظهر وركب إلى واسط إلى ابن البريدى، وأفلت معه مال كثير.
ووجه بأبى جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد إلى البريديين برسالة وقد وصلوا إلى واسط، ووصل تكينك إلى البريديين بواسط، فأكرموه
وقودوه، ولحق الجند بهم واستفحل أمرهم. وخلع على ابن النصر يوسف بن عمر لقضاء بغداد يوم الاثنين لست بقين من شعبان واشترط أن لا يقبل أصحاب السيوف، ولا يقبل فى حكم شفاعة، ولا يركب إلا إلى دار الخليفة ودار وزيره فقط.
وخرج سلامة الحاجب وقواد الأتراك معه إلى الزعفرانية، لقصد البريديين ومحاربتهم، وذلك يوم الثلاثاء لثمان ليال بقين من شعبان ومعه الترجمان فأحس سلامة منهم بغدر ومكيدة فاستتر، ومضى وجوه الاتراك إلى البريديين بواسط، وبعضهم إلى الحسن بن عبد الله وخلع على أحمد بن اسحاق الخرقى، وولى قضاء مصر والشامات والحرمين، ومر فى الشارع والجيش معه، لاختصاص كان له بالمتقى لله قبل الخلافة ووافى البريديان أبو عبد الله وأبو الحسين، ومعهما أبو جعفر محمد ابن يحيى بن شيرزاد وكاتب الخليفة عنهما بسمعهما وطاعتهما، وأنهما جاءا ليصلح إليه أموره كلها بخدمتهما له، ثم نزلوا الشفيعى يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان، ومعهما جيش عظيم فى الظهر والماء ولقيهما الناس مسلمين وظهر الناس جميعا فلم يستتر إلا محمد بن القاسم الكرخى وسلامة الحاجب وابنه وأحمد بن على الكوفى، وأشار البريديان على المتقى لله أن يستحجب غلامه المعروف بابن خزرى ففعل ذلك وطلب أبو عبد الله البريدى من الخليفة مالا لرجاله فوجه إليه بمائة ألف وخمسين ألف دينار، وسفر بينهما فى ذلك ابن ميمون الوزير،
واحمد بن عبد الله بن اسحاق القاضى، وابو العباس احمد بن عبد الله الاصبهانى، وكان هذا حين نزل أبو عبد الله النجمى ونزل أبو الحسين دار مؤنس المظفر، وما زال يستزيد من الخليفة مالا لرجاله حتى وجه اليه بتتمة أربعمائة ألف دينار. وصرف البريدى عمال الكوفى، وولى عماله. ووكل أبو عبد الله بن البريدى بابن ميمون الوزير فى داره بالنجمى توكيلا جميلا، وأعلمه أن القواد لم يرضوا به وزيرا وأرادوا الفتك به، فمنعهم من ذلك واعتقله اشفاقا عليه.
وولى أبو عبد الله البريدى الوزارة فأمر بمحاسبة ابن ميمون فوجده قد اختان وضيع فصالحه على خمسين ألف دينار بحساب وموافقه ورخصت الأسعار.
ونبل الترجمان عند البريدى وذاك أنه هو الذى فض عسكر الزعفرانية، وأعمل الحيلة على الحاجب سلامة حتى استتر، وكاتب البريدى بذلك فجعله الترجمان بينه وبين الأتراك والديلم وخص به.
وحدر أبو الحسين احمد بن محمد بن ميمون الى واسط لينظر فى الاعمال وهرب قوم من الأتراك الى الموصل فوظفوا على أهل تكريت مالا عظيما، تجاوز مائة ألف دينار، فلقوا منهم عنتا وأغرقوا زواريق الدقيق وزوج الوزير البريدى ابنته من عبد الواحد أبى منصور بن المتقى لله، وركب اليه الى النجمى فنثر عليه دنانير كثيرة، يقال إنها كانت بدرة وقيل خمسة آلاف دينار ومائة ألف درهم، وأنشدت
للوزير فى عشية ذلك اليوم قل لخير الكفاة أحمد أعلى الخلق جودا وأعظم النّاس قدرا والّذى يعشق المكارم والمجد ويشرى بالمال حمدا وشكرا ما رأى النّاس بالوزير البريدى كذا اليوم حسنا وفخرا
أمطرتنا السّماء فيه بيمنوسماح منه لجينا وتبرا
فالدّنانير هاويات تحاكىأنجما فى السّماء تنقضّ زهرا
وتليها دراهم مشبهاتأبردا تملأ الأماكن نثرا
نافعات للحرث لا يذهب الحرث فسادا ولا يصاحب قطرا
غير أنّى انصرفت كاسف بالآسفا خاليا من الكلّ صفرا
مضمرا حسرة لذاك وغمّاواجدا فى العظام منّى فترا
ساكتا إن سئلت عن قدر حظّىلم أجد للسّؤال عندى خبرا
جمع الله ذا علىّ وعيذاسالكا بى من التّقلّل وعرا
شاهرا للغنىّ سيفا وقتّالا به رأى يعالج فقرا
فاغننى كيما عهدت عليهبعطايا أكرم النّاس طرّا
وتحدث الناس بأن الوزير البريدى عازم على أن يدخل فى يوم
الفطر إلى الخليفة المتقى لله، وتحدثوا بأن الديلم قد عزموا إذا دخل الدار يفتكوا به، فأضرب عن هذا الرأى وتشكك فيه. فخاف الديلم- وقد شاع عنهم هذا- أن يقع عليهم حيلة، فكانت لهم حركة وتجمع فى يوم الأحد بالعشى بالجانب الشرقى، فصاحوا خليفة يا منصور، وشتموا البريدى، وما ظهر فى الشرقى من أصحاب البريدى أحد إلا شلح وأخذ ما معه، وأصبحوا فى يوم الاثنين فملأ واشطوط الجانب الشرقى يشتمون البريديين واستشرفنهم العامة فأعانوهم، وما كانوا يطيقون العبور لأن أصحاب البريديين كانوا يرمونهم من الماء إلى أن عبر أهل فرضة جعفر بسميريات فعبروا فيها، وظهر ما كان ساكنا فى الجانب الغربى، وانضم إليهم وأعانهم العامة وكثروا معهم، وقصد الجميع النجمى فجلس الوزير فى طيار، وانحدر جميع أصحابه فى طياراتهم وزبازبهم، ووقعت الحراقة وتشبث بها قوم من الملاحين فظفروا بمال وطلب أسبابهم ووقع بدر الخرشنى بأيدى العامة بناحية الزياتين فضربته العامة واستخفت به، وجرى عليه ما لم يجر على مثله ولا شبيه له قط، وتخلصه من أيديهم بعض أسباب السلطان وقد قارب الموت وكان انحدارهم فى يوم الاثنين سلخ شهر رمضان وأحضر أبو الحسن على بن عيسى للوزارة فأباها، وتقدم إلى أخيه أبى على عبد الرحمن بأن يكتب عن الخليفة إلى الآفاق بجميع ما أراد، ومنع أبو الحسن أخاه من أن يعرض للوزارة. وقد كان الناس فرحوا بذلك واستبشروا ليخلع عليهما، وجعل الناس يركبون إلى دار الخليفة
وقالوا يكون الأمير ابن الخليفة أبو منصور، ثم لم يتم ذلك. وولى الوزارة أبو إسحاق محمد بن أحمد بن ابراهيم الاسكافى المعروف بالقرامطى وأشار على الخليفة أن ينصب أميرا يكفيه أمر الجيش ويكون معاملتهم معه، فخلع على كورتكين الديلمى ويكنى أبا الفوارس للامارة فى يوم الخميس لثلاث خلون من شوال، ولبس الخلع وسار فى الشوارع إلى أن صار إلى الدر التى يسكنها على دجلة وهى دار نصر الحاجب. وخلع على بدر الخرشنى للحجبة لثلاث بقين من شوال، وأخرج كورتكين ابن اخته اصبهانى إلى، واسط وكان فتى حسن الوجه ومعه جيش فورد الخبر بدخوله إلى واسط وانحدار البريديين عنها.
ووردت قافلة من خراسان إلى حلوان، فولى أبو محمد بن جعفر بن ورقاء طريق خراسان فمضى فتلقى القافلة وأوصلها مسلمة إلى بغداد وقبض على الحسن بن أحمد الشجرى العلوى من الدار التى كان يسكنها وهى دار على بن هارون بن علان اليهودى الجهبذ على قرن الصراة وكان هو وأصحابه قد آذوا الجيران غاية الأذى إلى أن انتقل اكثرهم ونهبت الدار، واجتمع جيرانها فأحرقوها، وقالوا نستريح من أن يسكنها أحد يؤذينا، فبقيت النار فيها أياما وكان ابن الشجرى قد اتهم بأنه قد واطأ جماعة على أن يجلسوا فى الخلافة عبد الله بن الراضى بالله بعد أن يوقعوا حيلة على كورتكين وكان سعيد بن عمرو بن سنكلا النصرانى قد حمل إلى القراريطى ما لا قيل إنه خمسة آلاف دينار
فركب إليه واثقا مع على بن يعقوب كاتب ذكى الحاجب، فلما صار إلى داره قبض عليهما، ووجه بابن سنكلا إلى دار السلطان، وقال له قد ضمنت مال بيعة فهاته فقطع أمره على ثلاثة عشر ألف دينار منها على ابن سنكلا عشرة آلاف دينار وورد رسول القرمطى الهجرى يطالب بضريبته التى رسمت له فى كل سنة لحفظ الحاج فوجه إليه منها بعشرين ألف دينار وخرج الحاج لأيام خلت من ذى الحجة، وقرب محمد بن رايق من بغداد وخرجت مضارب كورتكين إلى الشماسية مع المختار القرمطى فأخذها مع الجمال ونفذ إلى ابن رايق، وطالب كورتكين السلطان بالخروج معه فأخرج مضربه وأنفذ إلى ابن رايق مع خادم من خدمه كتابا فيه خطه يأمره فيه بأن يقيم حيث أحب ولا يقدم، وكان عمارة القرمطى قد خالف على ابن رايق وحاربه فقتل وجىء برأسه إلى ابن رايق، واجتمع من جند بغداد حجرية وساجية وغيرهم نحو ألفين خرجوا إلى ابن البريدى وقبض على الوزير أبى اسحاق محمد بن أحمد الاسكافى لخمس ليال بقين من ذى الحجة وخلع على ابي جعفر محمد بن القاسم الكرخى لأربع بقين منه ووردت كتب الحاج يشكرون أبا على عمر بن يحيى العلوى كل الشكر لما أولاهم فى طريقهم من حفظهم وإعانة ضعيفهم والتوقف عليهم.
وكتب كورتكين إلى ابن اخته وهو بواسط بأن يصير إليه لقتال ابن رايق فجاءه وأخلى واسط فصار البريدى إليها، وأمر بأن يخطب بها لابن رايق وكان كورتكين قد ولى لؤلؤا غلام المتهشم واسط فشخص
اليها فلما بلغه موافاة البريدى إليها رجع إلى بغداد فى ذى الحجة، وعيد الناس الاضحى على سكون وسلامة وطالب الديلم التجار بأموال فصار إليهم رجل يعرف بعبدون المتضمن كان لأمر الزواريق المصعدة والمنحدرة من مدينة السلام والبصرة ففتح على الناس أبوابا من البلاء عظاما، فلحقه قوم من غلمان التمارين وغيرهم وهو فى سميرية فقتلوه وأخذوا رأسه، فنصبوه فى التمارين فاضطرب الديلم لذلك وحملوا السلاح وقصدوا التمارين ليحرقوه ويتعدوا ذلك إلى ما يليهم من أسواق الكرخ فمنعهم كورتكين من ذلك، وضبط الديلم ووجه إلى التمارين أن لا يعاودوا مثل هذا الفعل، فعد الناس هذا من أفضل آراء كورنكين وترتب فى قلوب الناس من يعقل منهم، ويفهم مرتبة العقلاء.
ودخل كورتكين إلى المتقى لله ليستبين ما فى نفسه قال إن أمرتنى بحرب هذا الرجل حاربته وإن أمرتنى بطاعته أطعته، وإن أمرتنى بأن انصرف إلى المكان الذى ترسمنى به فقال له بل حاربه، وأنا معك فقد جاء محاربا لأمرى فخرج كورتكين فأقام بنواحى عكبرا بموضع يعرف بالأنابين وجاء جيش ابن رايق فحاربوهم أياما فما أغنوا شيئا، وكان الديلم مستظهرين عليهم وولى لؤلؤ إمارة جانبى بغداد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذى الحجة ولما رأى محمد بن رايق أنه لا حيلة له فى الديلم وأنها قد عزت
عليه وأن القليل منهم يفى بالكثير من أصحابه احتال إلى أن سلك العراض، ودار بالموصل إلى بغداد ووصل إليها من تخلص من أصحابه كالمنهزمين. ووصل ابو بكر بن مقاتل إلى مجلس الشرطة من الجانب الغربى فرأى الجسر مقطوعا فأطلق من وقته دنانير وأقام من أصلحه وكان معه قواد ابن رايق ابن لأبى مسافر محمد بن ديوزان. فلقى ابن مقاتل السلطان واستأذن لابن رايق فأذن له فدخل بغداد بعد يومين والديالم على جملتهم بموقفهم ونادى لؤلؤ صاحب الشرطة فى جانبى مدينة السلام: يا معاشر العامة إن أمير المؤمنين قد أباحكم دماء الديلم وأموالهم فما عرف أحد من شذاذ بغداد وملاحيهم وعياريهم موضع أحد من الديالم إلا نهبوه وقتلوه وأخذوا جميع أملاكه، ثم وافى الديلم ودخل كورتكين من باب الشماسية وذلك فى يوم الخميس لتسع بقين من ذى الحجة فجعل العامة يدعون له وهو يرد عليهم ومنع أصحابه أن يعرضوا لعامى فما زال يسلك الشارع الأعظم من الجانب الشرقى إلى أن وافى دار الخليفة وهو لا يشك أنه معه على ما فارقه عليه فوجد الأبواب مغلقة فجاء من جهة الشط فرمى من التاج بالنشاب فرجع، وخيبه الله ﷿ حتى صار إلى جزيرة حيال قصر عيسى لا يوصل إليها من الشارع إلا بسلوك دروب ضيقة فأقام بها وجعل سواده وبغاله فى الاصطبل الذى بالمخرم وهذا كله بين يدى وأنا اراه من دارى بقصر عيسى ورمى أصحابه بالنشاب من دجلة، ورأيت ابن رايق قد جاء فى سميرية ومعه غلامان يرميان حتى اعان من كان يرميهم من دجلة. وكثرت
عليهم سميريات العامة يشتمونهم ويلعنونهم وهرب أصحاب ابن رايق حتى وافى بعضهم الأنبار وبعضهم المداين. وجاءنى بعض قواده فى تلك الليلة فرموا اسلحتهم عندى ومضوا مخفين لا يشكون فى أن كورتكين إن صار إلى الشماسية وبات بها ليلة لم يبق من أصحاب ابن رايق أحد.
فما هداهم الله لهذا الرأى وأقاموا بمكانهم حتى أدركهم الليل فولوا يريدون الشارع مبادرين، فصارت هزيمة وضاربهم من فى الدجلة ورموهم ورميت عليهم الستر فى الدروب من فوق السطوح وازدحموا فكان منى الواحد منهم أن يخلص إلى الشارع وظفر قوم من أصحاب ابن رايق ومن العامة بجماعة منهم فى الجزيرة فقتلوهم وأخذوا دوابهم وأسلحتهم وعبر العامة إلى الأسطبل فوجدوا من سوادهم بقية فنهبوها، وفروا هاربين على وجوههم يريدون النهروان، إلا من اغتر منهم واستتر عند جار وعند صديق. وكشف الله ﷿ عن الناس أمرا عظيما مما أشرفوا عليه وخافوه، وأصبح الناس يطلبونهم ولا يظفرون بأحد إلا قتلوه أوحش قتل، وأمر ابن رايق باتباعهم فوجدوا قد عبروا جسر النهروان وقطعوه. وظفر منهم بنحو ثلاثمائة فحبسوا فى دار الفيل فى ظهر سور الحسنى وأدخل اليهم الرجالة السودان فخبطوهم حتى أتوا عليهم، وكان جماعة منهم فى دار فاتك حاجب ابن رايق فجعل يرمى بهم من الأروقة إلى السطوح، ويقال للعامة خذوهم، فيبادر العامة بقطع آنافهم وآذانهم وأصابعهم وهم قيام احياء، واستفظع الناس هذا الفعل واستعظموه وكرهوه.
وكانوا أودعوا فى ليلة الثلاثاء أقواما أموالا ففازوا بها، وظهر لهم يسار بعد أن كانوا فقراء وجعل العامة لا يلقون أحدا متشبها بالديالم إلا قتلوه، وإن لم يكن منهم، ولا يرون مع أحد منهم دراهم إلا قالوا له أنت كنت مع الديلم، وأنت تدرى أين هم فدلنا عليهم، ويقتلونه فى الطريق بحضرة الناس. وكان ذلك مما لم يعهد فعل مثله أحد، وهذا كله فانما جرى لركاكة مدبرى أمر ابن رايق، وجهل من معه، وأن الخليفة ليس معه من يشير عليه ويعرفه الواجب من غيره، وقد كان يبلغ من هؤلاء الأعداء ما يجب عليها، بقتل أحسن من هذا، كما أمر رسول الله صلى الله عليه وبنهى العامة بعد أن ظفر بهم أن يتولوا بأيديهم قتل أحد حتى يصيروا بهم إلى سلطانهم. وكان قتل الديالم فى دار الفيل فى يوم الاثنين لخمس بقين من ذى الحجة. واخبر يوسف بن يعقوب البازعجى خليفة لؤلؤ على الشرطة بمكان كورتكين، فركب فاستخرجه من درب سليمان بقرب الجسر من الجانب الغربى، وصار به الى ابن رايق فحمله الى دار السلطان، وقبض على أخته أم أصبهان فطولبا بالاموال فلم يعترفا بشىء فحبسا ونحن نعيد أمره.
وخلع على محمد بن رايق فى يوم الثلاثاء لأربع بقين من ذى الحجة، وجعل أمير الأمراء، وطوق بطوق عظيم مكلل، بالجوهر وسور بسوارين، وجعل يشكو ثقل الطوق إلى أن نزل فى دار مؤنس المظفر، ولزم الشرب ليله ونهاره أياما متوالية.
وظهر أبو القاسم سلامة الحاجب، وظهر احمد بن على الكوفى
وصار إلى ابن رايق. فأما خبرى أنا فى آخر شهر رمضان وقت انحدار البريديين من النجمى، فان الديالم فى يوم الاثنين صاروا إلى دار ابن ينال الترجمان وهى ملاصقتى بقصر عيسى فنهبوها، وصعدوا سطوحها فوجدوها كالمتصلة بسطوحى، فنزلوا على من فوق سطوحى وأنا غافل ولى مجلس وعندى خلق من أصحاب الحديث وأهل الأدب فوثبنا إليهم وكلمناهم فما نفعنا شيئا، وخرج حرمناها ربات ولم يتركوا لى شيئا من ذخائر وغيرها، إلا أتوا عليها وأخذوا لى نحو مائتى قطعة من الثياب أكثرها من كسى الخلفاء وخلعهم، وأخذوا من الزجاج الفاخر والصينى ما لا يضبطه عددى، ووجدوا قطيعة من دفاترى فنهبوها، وأخذوا كل ذخيرة لعيالى وثوب وجدوه لهم، وجعل من كان عندى يخرج فيلقاه قوم منهم على بابى فيفتشه ويأخذ شيئا إن وجد معه.
ولقد حدثنى بعض جيراننا أنه رآهم يتجاذبون على بعض الثياب حتى تخرق فيأخذ كل واحد قطعة منها، وأنه رآهم فعلوا هذا بمناديل دبيقية، وظفروا بصندوق فيه طيب قد ذخرته فكسروه فى الأرض فما وصلوا إلا إلى اليسير منه، وكذلك غالية كانت فيه وعنبروند وأخذوا لى سرجين أحدهما ثقيل وحمارا من اصطبلى حتى اشتريته بعد ذلك بعشرة دنانير، وأشد ما بقى على ان بعض ضعفى أصحاب الحديث كان يجيئنى بعد ذلك فيقول كانت معى نفيقة فأخذت فى دارك وأحتاج أن أعوضه من ذلك، فكانت قيمة ما ذهب لى نحو ثلاثة آلاف
دينار كلها لى ولعيالى، ما لأحد فيها شىء الا لأبى الحسين بن القشورى فان صاحبا له يعرف بابن الرايض كان معه سرج له فتركه فى دارى وكان يسكن عندى ليرجع فيأخذه، فنهب فو الله ما اكتسيت ولا عيالى إلى وقتنا هذا. وإنى لفقير مذ ذاك لا رزق لى ولا اتصال بمن يصلنى وينفعنى، أتقوت أثمان دفاترى وثمن بستان لى كان عيشى وجنتى، كل ذلك بشؤم مجاورة الترجمان لى. فسبحان من أفقرنى وأغنى غيرى من جيرانه حتى اعتقد به العقد وبعت عقدتى، وملك أمواله وذهب مالى! وأعجب من هذا كله أنى ظنننه انه سيترثى لى مما جرى على إذا عرف أمرى، فلما عاد إلى داره ناصبنى العداوة، وأراد منى أن يملك ما يجاوره من دورى، ويتسع به وبعشر ثمنه، وأن يشترى بستانى بدوران وقد أعطيت به نحو عشرة آلاف درهم، فراسلنى فى ذلك مرات فقلت لأبى الحسين القشورى- ولم يكن معه من يشبهه دراية وفهما- صاحبك هذا مجنون حين يعطينى هذه العطية. فقال لى: كذا قومه بعض جيرانك له. وزعم أنه أكثر ما أعطى به. قلت فلم لا تصدقه أنت؟ قال: الذى قال له ذاك أخص به منى، وآثر عنده. ولقد استدعى فى أول ما جاورنى مخالطتى وأن أنغمس فى أموره فأبيت ذلك خوفا من العواقب. ولقد كلفنى غير مرة أن أشترى له أشياء وأكتبها باسمى أو اسم من أثق به لئلا يعلم أنه هو المشترى، فأبيت ذلك عليه منذ أيام بجكم، لما فى مثل هذا من عاقبة السوء، ووجد غيرى ممن يريد هذا ويتمناه ويتصنع له.
ولولا خوفى من إطالة الكتاب بما لا يحتاج الناس إليه، ولا يبالون بعلمه لذكرت ما أتفرج به فانى كالمصدور، يستريح إلى النفث وكالاناء ينضح بما فيه. والحمد لله على كل حال وهو حسبى وعليه متكلى، وأقول ما قاله عبد الله بن طالب الكاتب وأنشدنيه لنفسه:
أحلت برزقى على رازقىووكّلت أمرى إلى خالقى
وقد أحسن الله فيما مضىكذلك يحسن فيما بقى
وقد أتيت على جميع ما كان من الحوادث فى سنة تسع وعشرين إلى انقضائها. فلم يبق إلا ذكر من توفى فيها من أهل العلم الذين كان الناس ينتفعون بحياتهم، فأما الجهال فلا نبالى بأغنيائهم ولا فقرائهم ومن أهل الشرف والفضل توفى ابن الفدان العلوى يوم الأحد لسبع خلون من شعبان وحمل فدفن بالحير. وقبل موته بأيام مات البربهارى، فسبحان من سر المؤمنين بموته وفجعهم بموت ابن الفدان وهو فى وقته من أكرم الأشراف وأسمحهم كفا.
وتوفى القاضى أبو الأسود بن موسى بن إسحاق الانصارى، وكان قد حدث ومات أبو على بن إدريس الحمال فى آخر يوم من رجب، وكان من قدماء العدول وقد سمع حديثا كثيرا، كنت أراه عند الحارث ابن أبى أسامة وكان يقدمه ويؤثره ومات رجل يعرف بجعفر البارد وكان قد حدث، وسمع الناس
منه، ومات منهم رجل يعرف بالسواق فى شوال.
ومات منهم رجل يعرف بأبى عبد الله الأبلى، ومات المروزى المعروف بحامض رأسه، لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان، وقد سمع الناس منه حديثا كثيرا ومات لأربع بقين من ذى الحجة أبو بكر المعروف بابن بهلول الأزرق، وقد كان حدث وازدحم الناس عليه، وكان عالى السن وله إسناد
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع