من «الأمثال» لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤هـ)
باب الرجل الفهم العالم بمغمضات الأمور
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: إنّه لنقاب.
والنقاب: الرجل الفطن الذكي الفهم قال: ومنه أوس بن حجر:
كريم جواد أخو ماقطنقاب يحدث بالغائب
وروي عن الشافعي إنّه دخل على الحجاج بن يوسف فسأله عن فريضة من الجد فأخبره باختلاف الصحابة فيها حتى ذكر أبن عباس فقال الحجاج: إنَّ كان أبن عباس لناقباً فما قال فيها النقاب؟ فأخبره الشعبي يقوله. ويقال في نحو منه: إنّه لعض.
ومنه قول القطامي:
أحاديث من عاد وجرهم ضلةيثورها العضان زيد ودغفل
ويروى: ينورها وقوله: " زيد ودغفل " هما زيد بن الكيس النمري ودغفل الذهلي وكانا عالمي العرب بالأنساب الغامضة، والأنباء الخفية وإياهما عنى الكميت بقوله:
فما أبن الكيس النمري فيكمولا انتم هناك بدغفلينا
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الفهم: خير الفقه ما حاضرت به.
يراد إنَّ خير الأمور ما جاءك عند موضع الحاجة
إليه، قال: ومعناه ها هنا الفطنة والفهم. قال: أعرابي لعيسى بن عمر: شهدت عليك بالفقه، يريد هذا ومن أمثالهم في المكر: أمكر وأنت من الحديد!.
قال أبو عبيد: وهذا المثل لعبد الملك بن مروان، قاله لعمرو بن سعيد بن العاصي، وكان مكبلاً، فلما أراد قتله قال له: يا أمير المؤمنين إنَّ رأيت ألا تفضحني بأن تخرجني إلى الناس فتقتلني بحضرتهم فافعل، وإنّما أراد عمرو إذ قال له هذه المقالة إنَّ يخالفه في ما أراد فيخرجه: فإذا ظهر منعه أصحابه، وحالوا بين عبد الملك وبينه، ففطن له عبد الملك: فعندها قال: يا أبا أمية، أمكراً وأنت في الحديد! فذهبت مثلا لمن أراد أنَّ يمكر وهو مقهور.
النص من طبعة دار المأمون للتراث بدمشق (١٤٠٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع